مع تفشِّي فيروس «كورونا» هذا العام وإجراءات الحظر التي شهدها العالم والتزام الجميع في منازلهم؛ اتجه الكثيرون للتسوق عبر الإنترنت من جهة منعًا لالتقاط العدوى ومن أخرى للتَنفيس عن قلقهم وتوترهم؛ مما أسفر عن إدمان الكثيرين للشراء الإلكتروني، وهي المشكلة التي تفاقمت حدتها بالسنوات الأخيرة.

Embed from Getty Images

ما هو «إدمان التسوق»؟

مع أن إدمان «الشوبينج» ليس مثل إدمان المخدرات ‫أو الكحوليات، وإنما أقرب لإدمان الإنترنت أو الألعاب أو المقامرة، إلا أنه يستلزم إجراءات صارمة تحتاج وقتًا ومجهودًا والأهم صبرًا لعلاجه والتخلُّص منه، بل وأحيانًا يتطلَّب دعمًا من المقربين أو علاجًا من متخصصين إذا خرج عن السيطرة.

ذلك لأن «إدمان التسوق» هو بالأساس «اضطراب شراء قسري/اضطراب إنفاق قهري» (Compulsive Buying disorder)، يُلازمه إنفاق مستمر لمَن يُعانون منه بما يتجاوز إمكانياتهم على الشراء، حتى أنهم قد يشترون أغراضًا لا يحتاجونها؛ مما يتسبب لهم بمشاكل مادية أو يدمر علاقاتهم وحياتهم المهنية.

وبالبحث عن الأسباب التي قد تدفع أحدًا للشراء بشراهة؛ اتضح أن مُدمني التسوق يلجأون له باعتباره وسيلة لمواجهة مشاكلهم الحياتية أو للتخلُّص من التوتر النفسي والمشاعر السلبية؛ ليصبح الكَشف عن أصل المشكلة جزءًا لا يتجزأ من الحل.
Embed from Getty Images

دورة إدمان التسوق

عادةً ما يمر الذين يعانون من التسوق القهري بحالة من الصعود والهبوط خلال إدمانهم؛ إذ تزداد رغبتهم بالشراء في العطلات وعروض التخفيض أو عند مرورهم بلحظات غضب أو اكتئاب، وبالرغم من أن التسوق يُصاحبه حالة من «الإيفوريا»، إلا أن تلك المشاعر لا تلبث أن تختفي ويحل محلها مشاعر سلبية فيما يُعرف بـ«دورة إدمان التسوق» التي تتمتع بنمط مميز من السهل تتبعه، وهو كالتالي:

1- مرحلة التوقع

تبدأ هذه المرحلة حين يري المدمن إعلانًا تجاريًا أو يُخبره أحد الأصدقاء عن شرائه شيئًا جديدًا؛ فيبدأ بالتحمُّس لفكرة الشراء فيما يصنع برأسه خططًا لرحلات تسوقه المُحتملة.

2- مرحلة التحضير للتسَوُّق

وهي تشمل ساعات من البحث عبر الإنترنت وإعداد قوائم سواء بالعناصر التي ستُشتَرَى أو بالمحال التجارية الواجب التردد عليها، وقد يصحبها أيضًا التحدُّث عن خطط التسوق مع الآخرين.

3- مرحلة التسوق

تُعرف بمرحلة «الذروة»؛ إذ يصحبها الكثير من الحماسة وفيها تُجرَى عملية التسوق إما عبر الإنترنت بإضافة السلع إلى عربة الشراء، أو انتقاء المشتريات في المتجر.

4- مرحلة الإنفاق

بالرغم من أن هذه الخطوة يصحبها دفع نقدي، إلا أنها تمنح أصحاب الشراء القهري شعورًا بالنشوة لمجرد التصور أنهم بعد لحظات سيُمسكون بالمشتريات، خاصةً وأن الدماغ طوال المراحل السابقة تُفرز كلاً من: هرمون الإندروفين الذي يُعطي شعورًا بالراحة، وهرمون الدوبامين الذي يُطلق عليه إعلاميًا «هرمون السعادة»؛ مما يُفَسِّر الوقوع – مع الوقت- بفخ إدمانهما وبالتالي إدمان التسوق نفسه.

5- مرحلة الإحساس الذنب

هذه هي المرحلة الأخيرة وفيها يُصاب المُشتَرِي بالعديد من الأفكار والمشاعر سلبية، أشهرها:

  • الندم: عادةً ما يشعر محبو التسوق بالسعادة في بداية تسوقهم، غير أن هذه المشاعر الإيجابية لا تدوم طويلاً، فما إن يعودوا للمنزل مُحملين بالأكياس والمشتريات حتى يبدأ شعورهم بالندم على ما أنفقوه من أموال.
  • القلق: شعور آخر يُصيب مُدمني التسوق بسبب اضطرارهم إخبار شركائهم بالحياة أو أفراد أسرتهم عن تجاوزهم حدود الإنفاق المسموحة مرة أخرى.
  • الذنب: الشعور بالذنب هو ما يشعر به مهووسو التسوق حين يفتحون خزاناتهم فيجدونها مُتخمَّة بالأغراض التي اشتروها بلحظة ضعف، لكنهم بحقيقة الأمر ليسوا في حاجة ماسة إليها.
  • الاكتئاب: عادةً ما يُصاب بهذا الشعور مَن أدركوا بالفعل أنهم يعانون من حالة إدمان واضحة وعدوا أنفسهم بمواجهتها والسيطرة عليها، ومع كل فشل جديد واستسلام لنداهة «الشوبينج» يعودون فيكتئبون؛ والأسوأ أنهم قد يلجأون لمزيد من التسوق لمداواة ذلك الشعور.

بالإضافة للمشاعر السابقة ووفقًا لما نُشر بموقع Psychologytoday، قد ينتج عن إدمان التسوق مشاكل نفسية أكبر؛ إذ ثبت أن المُتَسَوِّقين القهريين لديهم معدلات أعلى للإصابة بالقلق، والاكتئاب، وتعاطي المخدرات، والأكل بشراهة، واضطراب السيطرة على الانفعالات.
Embed from Getty Images

7 علامات تخبرك أنك مدمن «شوبينج»

بعد كل ما استعرضناه أعلاه حان الوقت لاستكشاف العلامات التي من شأنها تأكيد أن ما تُعاني منه هو حالة إدمان حقيقية وليست مجرد بدايات أو احتمال.

1- العلامة الأولى أن تكون عملية التسوق سببها بالأساس المشاعر؛ وهو ما يَعني أن التسوق رد فعل للشعور بالضيق/الغضب/الاكتئاب أو بعد جدال مُحتدم مُرهق نفسيًا، أو لملء فراغ عاطفي، أو حتى لمداواة شعور سلبي مثل عدم الثقة بالنفس أو عدم الاستحقاق.

2- العلامة الثانية أيضًا تتعلق بالمشاعر، لكن المقصود هنا الأحاسيس التي تُصاحب عملية التسوق نفسها، مثل الشعور بالنشوة والإثارة خلال التبَضُّع، أو الشعور بالندم والذنب إثر الانتهاء من الشراء، دون أن ننسى بالطبع الشعور بالإحباط والحرمان إذا لم تُلَبَّ الرغبة بالشراء على الفور.

2- إذا وجدت نفسك تشتري سلعًا لا تحتاجها؛ وإنما لأنها صفقة جيدة أو خلال التخفيضات، أو تذهب للمتاجر بنية شراء عدد قليل من السلع فينتهي بك الأمر وقد اشتريت أكثر من حاجتك، أو إذا كنت تُفاجأ باقتناء أشياء لم تُخطط لشرائها، أو لا تستطيع مقاومة إغراء سلعة جذبتك للتو. كل هذا يَعني أنك صرت مُدمنًا للتسوق.

3- عادةً ما يُنفق المهووس بالشراء أكثر مما تتحمل ميزانيته بل وكثيرًا ما يتجاوز الحد الأقصى لبطاقات ائتمانه؛ مما يجعله مديونًا معظم الوقت أو يلجأ للاقتراض من المُقربين، خاصةً وأن البطاقة الائتمانية تُسهِّل عليه شراء سلع لم يكن ليقتنيها لو أن عليه دفع ثمنها نقدًا.

4- هل تشعر بالقلق حيال اضطرارك إخبار شريكك/أسرتك /أصدقائك بشأن مشترياتك الجديدة أو قدر إنفاقك؟ هل تحاول إخفاء المشتريات بعيدًا عن نظر الجميع أو تمريرها داخل المنزل باعتبارها مشتريات قديمة؟ هذه إحدى العلامات الواضحة لإدمان التسوق.

6- انطلاقًا من النقطة السابقة، قد تجد نفسك من وقت لآخر تُعيد المُشتريات للمتجر؛ لاسترداد المال بسبب شعورك بالذنب، أو على النقيض قد تكتشف في خزانتك العديد من قطع الملابس أو الأدوات التي لم تُستخدم بعد حتى أنها ما زالت مُذيَّلة ببطاقة السعر. بكلتا الحالتين هذه إشارة سلبية.

7- العلامة الأخيرة والفاصلة أن تكون عاداتك الشرائية تؤثر سلبًا سواء على علاقاتك الشخصية أو التزاماتك اليومية ووضعك المادي، أو حتى حياتك العملية.

Embed from Getty Images

7 خطوات تساعدك على التعافي من إدمان الـ«شوبينج»

1- إذا عُرِف السبب

تلعب البيئة المحيطة دورًا كبيرًا بالسلوك الإدماني، فالعلاقة بزملاء العمل أو الأصدقاء أو حتى مقر العمل نفسه، كل تلك العوامل قد تكون سببًا في استفحال اضطراب الإنفاق القهري، وبالتالي فإن اختيار البيئة المثالية والصُحبة الآمنة التي تُعزز الشفاء هي إحدى الأشياء التي عليك التفكير فيها إذا كنت تبحث عن علاج جدي لحالتك.

ما يجعل الخطوة الأولى للتخلص من هذا الهَوَس المَرضي هي معرفة السبب الحقيقي الذي يدفعك للتسوق، هل تفعل ذلك للتسرية عن حالك أو تنفيسًا عن غضب؟ أم بسبب ضغط العمل؟ أو بعد التحدث مع صديق بعينه؟ أيا كانت الإجابة، فهي كفيلة بوضعك على أول الطريق، وإن كان يُنصَح في تلك الحالات بالاحتفاظ بدفتر يومي لتوثيق حقيقة ما تشعر به كل مرة تتملك منك رغبتك بالتسوق.

2- لا للتسوق العاطفي

التسوق العاطفي يعني شراءك أشياءً لست بحاجة إليها بدافع الشعور بالتوتر/الحزن/الملل أو حتى السعادة، ولهذا حين تنتابك إحدى تلك المشاعر؛ حاول ألا يكون رد فعلك الأولي الذهاب للشراء. أما إذا وجدت قدميك وقد ساقتك نحو أحد المحال، بهذه الحال عليك فعل شيئين:

الأول اسأل نفسك: لماذا أنا هنا؟ كيف أشعر؟ هل أحتاج هذا؟ ماذا لو انتظرت؟ كيف سأدفع مقابل ذلك؟ أين سأضعه؟ أما الثاني فذَكٍّر نفسك بالأهداف التي عليك ادخار المال لأجلها، مثل سداد الديون/السفر/الزواج، وحينها ستجد نفسك قادرًا على إدارة مشاعرك واتخاذ قراراتك بشكل أفضل.

3- الابتعاد عن المُغريات

ليس من المنطقي إذا كنت تريد علاج إدمانك أن تضع نفسك طوال الوقت مَحَل اختبار، بل الأفضل أن تُجَنِّب نفسك المواجهة بالأساس، فإذا كانت نقطة ضعفك التسوق عبر الإنترنت، قُم بإلغاء اشتراكك ومُتابعتك لكل المواقع والصفحات والمتاجر سواء التي تظهر لك على منصات التواصل الاجتماعي أو تلك التي تُرسل إليك عبر البريد الإلكتروني رسائل وإشعارات تُخبرك عن آخر الخصومات والعروض.

أما إذا كنت من رواد «انستجرام» فالأفضل لك أن تلغي متابعتك للمؤثرين الذين يدفعونك لشراء ما يُروجّون له، بالإضافة لحذف تطبيقات التسوق الموجودة على هاتفك. وبحال كان تسوقك في المحلات، تجنَّب الذهاب إلى المراكز التجارية خاصة بوقت التخفيضات، واستبدل ذلك بأنشطة أخرى ممتعة، كذلك يُفضَّل ممارسة التمشية ولقاء الأصدقاء في أماكن لا تتضمن محلات أو مراكز بيع.

4- كل تأخير فيه خير

عندما يتعلق الأمر بالمشتريات عبر الإنترنت، يُفضَّل أن تضعها بعربة التسوق الخاصة بك وتركها عدة أيام، فإذا كنت تحتاج ما تَود شراءه؛ ستظل تفكر فيه وتعود إليه مرة أخرى. إما إذا كان الشراء اندفاعيًا؛ ستكتشف أن المسألة لا تستحق بذل وقتك أو مالك وستغض بصرك عنها تلقائيًا.

Embed from Getty Images

5- الدفع النقدي بدلاً عن البطاقة الائتمانية

أظهرت الأبحاث أن المُتَسَوِّقين يصبحون على استعداد لإنفاق 83% أكثر إذا ما كانوا سيدفعون بالبطاقة الائتمانية لا نقدًا؛ وبالتالي من الأفضل لك العودة لحَمل النقود والتخلص من بطاقاتك الائتمانية للأبد؛ خاصةً وأن إنفاق الأوراق المالية يُذكِّرك بأنك تُنفق أموالاً حقيقية ويجعلك أكثر دراية بقدر إنفاقك، في حين استخدام البطاقات يوهمك بأنك ستنجح في تدبير المبالغ التي أنفقتها بوقت لاحق قبل نهاية الشهر.

6- قوائم شراء وأهداف وأشياء أخرى

بأول كل شهر ضع لنفسك ميزانية شهرية واتَّبعها، هذا لا يعني أن تحرم نفسك من شيء؛ وإنما وضع خطة إنفاق مثالية تُتيح لك تلبية احتياجاتك والادخار إن أمكن، كذلك بكل مرة تذهب فيها للتسوق، أَعد قائمة مشتريات مُسبقة والتزم بها.

وهو ما ينقلنا لضرورة إعداد قائمة أخرى تتضمن هدفًا كبيرًا تسعى للادخار من أجله، مما سيترتب عليه – لا شعوريًا- تقلَّص رغبتك بالشراء دون داع، أما القائمة الأخيرة التي عليك إعدادها، فضع بها كافة المشتريات التي اقتنيتها بلحظة تهور ثم ندمت عليها لمُطالعتها كلما أتتك فكرة شراء جديدة؛ هذا سيساعدك على وضع حد للشراء الاندفاعي بمجرد إدراكك أن بعض عمليات الشراء تبدو فكرة جيدة بأول الأمر، ثم سرعان ما تشعر بالذنب بسببها.

7- تتبَّع أموالك

بقدر ما قد يبدو ذلك غريبًا، إلا أن الكثيرين لا ينتبهون لما ينفقونه يوميًا، فإذا كنت من بين هؤلاء، استخدم إحدى التطبيقات الحديثة لضبط الميزانية؛ من جهة لمساعدتك على تدوين نفقاتك وتتبعها، ومن أخرى لمعرفة كل ما يتعلق بعاداتك الشرائية وما تُنفق عليه أكثر من غيره.

علوم

منذ سنتين
راتبك «يتبخر» قبل منتصف الشهر؟ إليك أفضل التطبيقات للادخار وضبط الميزانية

وأخيرًا.. إذا فعلت كل ما سبق ولم يفلح الأمر، لا تجد حرجًا في طلب المساعدة، أخبر من يُحبونك ويهتمون لأمرك بمشكلتك وحاجتك لهم لمعاونتك على كبح جماح إدمانك، أو الجأ للمتخصصين لمساعدتك عبر العلاج السلوكي أو غيره من البرامج المتاحة لإعادة تأهيل مدمني التسوق.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد