جمال النشار

22

جمال النشار

22

1,521

منذ بداية تاريخ الفيلم الوثائقي في نهايات القرن 19؛ اعتبر الكثير من الناس الفيلم الوثائقي أحد أهم الوسائل المعرفية القوية بجوار القراءة، وزاد اهتمامهم به كُلما مر الوقت وتطورت تقنيات الإعداد والتنفيذ، وكلما تنوعت الأفكار المتناولة أيضًا.

كلما ذُكر الوثائقي تبادر إلى الأذهان مباشرة صورة الأفلام الوثائقية التي ترصد بيئة الحيوان، أو تلك التي تطرح تحقيقًا شائكًا لقضية رائجة شهيرة، ولكن أحيانًا يحاول صُنّاع الأفلام الوثائقية تناول قصص لقضايا خارج هذا الإطار من المتعارف عليه من موضوعات بهدف التركيز مع تلك القضية بعينها وسط الزخم المعلوماتي التقليدي، تلك مجموعة من الأفلام خرجت من تحت سقف المناهج ذات المحاور التقليدية، وتناولت بنجاح قصصًا، وموضوعات غريبة ربما لم تصادف الكثير منّا في اطلاعه.

1- Crazy Love الحب أعمى.. ومشوه وغريب الأطوار!

الوثائقي المسمى «الحب المجنون» الذي أنتج عام 2007 يتناول قضية المحامي الأمريكي الناجح «بيرت بوجاج» الذي وقع في غرام شابة جميلة تدعى «ليندا»، وبدأ معها علاقة غرامية استمرت لفترة قصيرة قبل أن تكتشف «ليندا» أنه متزوج من أخرى؛ ومن ثم هجرته لتصحيح الوضع الشاذ حتى بعد استرضائه لها.

بعدها لم يحاول «بوجاج» استرضاءها؛ بل أرسل شخصًا غامضًا إلى منزلها ليسكب على وجهها حمضًا أفقدها بصرها وشوه ملامحها بكل قسوة، وتم القبض عليه بعدها ليحاكم ويُسجن 14 عامًا، حتى الآن قد تبدو قصة درامية عادية؛ لكن الأكثر غرابة على الإطلاق هي أن بعد إطلاق سراحه فوجئت الصحف بخبر زواجهما!

تلك القضية رغم مرور أكثر من 50 عامًا على زمن حدوثها إلا أنَّ تصرف «ليندا» الغريب لا يزال لغزًا، وأثار جدلًا واسعًا بين الجميع، وبالأخص النسويات المدافعات عن حقوق المرأة، خاصة بعد تورط «بوجاج» -أثناء زواجه من «ليندا» – عام 1997 في جريمة تعقّب لسيدة أخرى اعتاد مواعدتها!

2- The Imposter.. العودة والخديعة

الفيلم يتناول قضية اختفاء الصبي الأمريكي «نيكولاس باركلي» – 13 عامًا- الذي اختفى عام 1994 بشكل غامض على أثر بيئة منزلية غير صحية، وحياة تعج بالمشاكل، وبعد ثلاثة أعوام من حزن الأبوين ومحاولات مريرة للوصول له لم يتم العثور على جثته لتأكيد موته، وبقي «قيد الاختفاء».

بعد ثلاث سنوات في عام 1997، تلقت السلطات الأمريكية اتصالًا من نظيرتها الإسبانية تخبرهم بوجود صبي أمريكي في إحدى الملاجئ اعترف بكونه أمريكي الأصل، وقد فر من إحدى العصابات الدولية للاتجار بالبشر، وبعد أن طابقت السلطات أوصافه وصورته مع الصبي المختفي تم الإعلان رسميًّا أنه هو «باركلي» المُختفي وأبلغت السلطات عائلته وجلبته إلى أمريكا لينضم إلى أسرته ثانية، ولكن الأمر لم يكن عاديًا حيث بدأت الشكوك الثقيلة تساور الجميع من حوله، كان أبسط تلك الشكوك أن «باركلي» كان أشقر الشعر أزرق العينين، ولكن العائد كان داكن الشعر بُنيّ العينين!

بعد تحقيقات مثيرة تم اكتشاف واحدة من أكبر خدع الاحتيال في العصر الحديث باكتشاف أن الصبي ليس «باركلى» بل هو محال فرنسي انتحل شخصية الفتى المفقود بهدف الانتقال بحياته إلى عالم جديد.

3- Married to the Eiffel أقدّم لكم زوجي.. برج إيفل!

الوثائقي «متزوجة من برج إيفل» هو فيلم يستعرض الحالة المرضية النادرة التي يعرفها علم النفس بـ «Oblecophilia» أو «Object sexuality» وهي الانجذاب الجنسي والعاطفي إلى الأغراض المادية الجامدة باختلاف أشكالها، ويستعرض عدة حالات أكثرها إثارة للجدل هي قصة السيدة الأمريكية «إريكا لابري» الجُندية السابقة، ولاعبة الرماية التي قامت في عام 2008 بإعلان زواجها من «برج إيفل» الشهير في فرنسا من خلال بعض المراسم البسيطة، بعد قصة حب حقيقة، وشديدة التعقيد قامت «إريكا» بتغيير اسمها رسمّيًا إلى «إريكا لاتور إيفل».

أثناء الفيلم يشرح المعالج النفسي الأمريكي «جيري بروك» أن الانجذاب العاطفي، والجسدي إلى الجماد ينبع غالبًا من الرغبة في السيطرة، وإدارة العلاقة تحت شروط الإنسان لأنه منطقيًّا الذي يستطيع ذلك دون الطرف الآخر.

4- In The Realms of The Unreal .. عبقري بعد الموت

الفيلم الذي وصل لقائمة الأوسكار القصيرة لأفضل وثائقي طويل لعام 2008 يسرد قصة الفنان والروائي المجهول «هنري دارجر» الذي عاش طيلة حياته عاملًا بسيطًا يغسل الأطباق في أحد المطاعم، والذي توفي عام 1973؛ ثم اكتشفت بعد موته مجموعة شديدة البراعة والتعقيد من الأعمال الفنية تتنوع ما بين الرسومات، والكتابات الروائية الملحمية التي يصل مجموعها إلى 15 ألف صفحة من السرد القصصي الخيالي الذي يتناول ملحمة أسطورية لسبع فتيات صغيرات يحاربن قوى شر غامضة، بالإضافة إلى مجموعة الرسوم غريبة الأطوار للفتيات الصغيرات أثناء رحلتهم العجيبة في عدة أوضاع ومواقف لا توصف إلا بشدة التعقيد.

«هنري دارجر» عاش حياة قاسية دون والدين، وقضى فترة كبيرة من صباه محتجزًا في إحدى دور الرعاية النفسية لإظهاره بعض التصرفات المنحرفة في صغره، عكف بعدها على حياة روتينية خالية من البشر تقريبًا ما بين عمله الرتيب، وشقته الصغيرة دون أي بادرة، أو محاولة منه لإظهار مواهبه الدفينة.

الجدير بالذكر أن بعد اكتشاف أعماله المجهولة صار اليوم اسم «دارجر» واحدًا من أكثر الأسماء التي تقدر أعمالهم الفنية والأدبية بثرواتٍ هائلة؛ بخلاف الجدل الذي أثير حوله عندما اتهم الكثير من نقاد الفن والخبراء النفسيين والصحافة -مثل تحقيق صحيفة «جارديان» الشهير 2005- «دارجر» بأنه امتلك خيال سفاح أو قاتل متسلسل، وربما مهووس جنسيًّا بالأطفال خاصةً الفتيات اللاتي ظهرن في رسوماته عاريات تمامًا، وأحيانًا بأعضاء تناسلية ذكورية، ولكن رغم كل تلك الادعاءات غير المثبتة تظل قصة «هنري دارجر» العبقري المجهول واحدة من أغرب القصص التي لم تكن لتصدقها لو لم تشاهدها في هذا الوثائقي.

5- The Institute.. بين الواقع والخيال

هذا الوثائقي يتناول قصة غريبة بدأت في ولاية «سان فرانسيسكو» الأمريكية عام 2008 بظهور بعض الملصقات الدعائية على أعمدة الإنارة ومقويات إرسال الراديو بواسطة معهد يدعى «جيجون – Jejune institute»، يعلن عن بعض المنتجات والأجهزة الغريبة التي لا ينطبق عليها وصف وتصنيف منها مثلًا: «مدار حيوي لحقل الطاقة البشري» Vital Orbit Human Forcefield، وما أطلق عليه «الماء المُكثف» Poliwater، «كاميرا عابرة للزمن» Trans-time Camera يمكنها أن تصور الماضي!

بعد ذلك وعلى مدى 3 سنوات وحتى عام 2011 استطاع اسم معهد «جيجون» أن ينشر على صفحات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، واستطاع تكليف أو تجنيد أكثر من 7 آلاف شخص متسابقين، أو مشاركين أو دارسين بالمعهد دون معرفة الكثير من التفاصيل بل فقط عن طريق دعوة مصورة غامضة من هذا الشخص (مؤسس المعهد):

أحيانًا دون حتى أن يعرفوا مسمى ما يشتركون به؛ فهي أحيانًا أقرب إلى طائفة تبشر بعقيدة تهدف للوصول إلى الحقيقة المطلقة، ثم تارة أخرى تبدو لعبة واقع افتراضي، أو واقع بديل Alternate reality game نظرًا لطبيعة المشاركة التي قد تتضمن اتباع الأوامر بعينها بغية الوصول إلى المرحلة التالية، ومنها ما قد يثير الدهشة مثل استقبال مكالمة من هاتف عام تطلب من المشارك أن يرقص في الشارع! وأحيانًا تتبع إشارات وعلامات مرسومة في معالم المدينة، والتي تقود لما يليها من دلائل، أو قد لا تدل على شيء مطلقًا، الوثائقي نفسه ليس بالسهل إدراك محتواه الذي يشرح قصة تلك المؤسسة الغامضة، والتي رسمت خيطًا رفيعًا للغاية بين الواقع والخيال ونهايتها الأكثر غموضًا بتوقيف نشاط هذا المعهد من قبل مؤسسة دون تفسير مقنع.

6- Crumb الهوس

الوثائقي الذي يحمل كُنية الفنان الأمريكي «روبرت كرامب» أنتج عام ،1994 ويحكى فيه «كرامب» بنفسه قصة حياته، وبداياته بوصفه فنانًا للرسوم المصورة، والذي ساهم بشكل كبير في صناعة أيقونة الثقافة الشعبية الأمريكية Pop Culture، ويتناول أيضًا الجوانب الخفية للهوس الجنسي الواضح بأجساد النساء في رسوماته التي اتسمت بشكل غريب للنساء القويات كبار الأجساد بارزات المفاتن، وتناولت قصصه ورسوماته أيضًا الانحراف الجنسي عند البشر بشكل ساخر، وعلاقة ذلك بنشأته الصعبة ما بين والده الذي كان مسيئًا له جسديًّا ولفظيًّا، وبين مرض أمه النفسي الذي أثر في رؤيته للعالم، ونجاحه وفشله وحتى اضطهاد النقاد والجمهور لأعماله التي هوجمت بشدة في وقت اتسمت فيه الثقافة الغربية بالانفتاح؛ مما أورثه هذا الشعور بالغضب تجاه الجميع، حتى أنه أحرق ودمر جميع أعماله عام 1972 عقب نوبة غضب تجاه أحد منتجي روايته المصورة الشهيرة Fritz the Cat الذي غيّر محتوى كتاباته الأصلية لصالح مخرج العمل المبتدئ وقتها.

7- Tickled.. جحر الأرنب

هنا التعبير التشبيهي دقيق إلى حد كبير، هذا الوثائقي يشبه إلى حدٍّ كبير رحلة «أليس» إلى بلاد العجائب من خلال دخولها جحر الأرنب الأبيض، الوثائقي المثير يتناول قصة الصحافي الأسترالي «ديفيد فارير» الذي يصطدم بالمصادفة بمقاطع على موقع «فيسبوك» لنشاط غريب بعض الشيء بدأ ينتشر على استحياء يدعى «الدغدغة»، وهي عبارة عن شخصين «ذكرين» يدغدغ أحدهم الآخر بعد تقييد حركته بشكل قوي حتى تتسبب الدغدغة فيما يشبه المعاناة والتعذيب. وعندما لفت الأمر انتباهه كونه مثلي الجنس، وقد أبدى الملاحظة البديهية للجميع: هذا يبدو نشاطًا مثلي الجنس تمامًا، ففعل مثلما يفعل أي صحافي يثار فضوله وبدأ يبحث في الأمر حتى أنه أرسل رسالة مباشرة إلى المركز أو الشركة القائمة على الصفحة على «فيسبوك».

جاء الرد الصادم بعنف عندما تلقى ردود عنيفة من الصفحة تطلب منه التوقف عن متابعتهم، وتم التحرش به لفظيًّا، والإساءة إلى ميوله الجنسية بشكل فج، ومن ثم كانت تلك الشرارة التي جعلت «الدغدغة» الهدف الأول في حياة «فارير» ليكرسّ كامل وقته في التحقيق فيها حتى وصل إلى عدة خيوط تقود إلى شخص منحرف جنسيًّا ذي نفوذ قوي وأموال طائلة، له سجل إجرامي سابق، وتتصاعد الأحداث بين تهديدات من قبل هذا الشخص إلى مواجهات مباشرة مصوّرة نهاية بملاحقة هذا الشخص للصحافى بعد إتمام الفيلم وحتى أثناء عرضه الخاص في مهرجان «صن دانس» الشهير للفيلم المستقل، انتهت بإنتاج جزء ثانٍ قصير للفيلم يتناول التطورات والصدام المباشر بين الشخصين، والذي انتهى بشكل مفاجئ نظرًا لوفاة هذا الشخص فجأة في مارس «آذار» من عام 2017.