نتائج-ودلالات-لفشل-جنيف-2-Header

كما هو متوقع، انتهت الجولة الثانية من مفاوضات جنيف 2 دون تحقيق تقدم يذكر، لا في تشكيل هيئة الحكم الانتقالية ولا حتى في وقف القتال أو تأمين وصول المساعدات، فما هي إذن أهم نتائج فشل جنيف 2؟ وما هي أهم الدلالات التي يجب نعيها كي لا نشهد فى يوم من الأيام جنيف مثلاً 10؟!

1- توطيد شرعية النظام السوري

ذهب النظام السوري إلى جنيف2 وشرعيته متآكلة عالميًّا، والدعاوى تتعالى بمحاكمة رموزه أمام الجنائية الدولية، وعاد منها كأحد شركاء عملية السلام وأحد الأطراف الساعية لحل الأزمة، ذهب النظام إلى جنيف وهو يمثل المشكلة، وعاد منها وفي جعبته اعتراف ضمني بتجديد شرعيته من كل القوى المشاركة في عملية المفاوضات.

2- مأزق كبير للائتلاف الوطني السوري

فالائتلاف متهم الآن أنه لم يقدم جديدًا يذكر للقضية السورية منذ تأسيسه في نوفمبر 2012، وفشل الائتلاف في تحقيق أي إنجاز على المسار السياسي سواء في تشكيل هيئة حكم انتقالية أو إدانة النظام السوري دوليًّا أو حتى في تأمين وصول المساعدات الإنسانية، حتى إن جميع اتفاقات وقف إطلاق النار من أجل إجلاء المدنيين أو إدخال المساعدات لم يتم الامتثال لها من قبل النظام وآخرها وقف إطلاق النار في حمص خلال الأسبوع الماضي.

ومن جانبها أعلنت القيادة العامة للجيش الحر – في بيان لها – أن الفشل كان متوقعًا لأن أيًّا من الطرفين لا يملكان صلاحية وقف القتال على الأرض.

وقال فهد المصري، المتحدث الإعلامي باسم القيادة المشتركة للجيش السوري الحر، في البيان: “إن فريق المعارضة المفاوض في جنيف 2 لا يمتلك خبرة أو حنكة سياسية، كما أنه أقصى الائتلاف أصحاب الخبرة والدراية بالنظام من المنشقين من سياسيين وعسكريين، كما أن الوفد المفاوض بالنيابة عن النظام، عبارة عن موظفين ودمى متحركة أُرسلت بهدف “البروباغندا” الإعلامية لا أكثر”.

وطالب المصري قيادة الائتلاف بامتلاك شجاعة الإعلان عن فشل أدائهم السياسي وعدم قدرتهم على تحقيق أي مكتسبات أو إنجازات، والاعتذار للشعب السوري العظيم وقواه الثورية والوطنية، وإعلان استقالتهم وحل الائتلاف حتى لا يُقالوا ويُقتلعوا بقوة الشارع السوري الثائر، كما دعا إلى بناء جبهة وطنية جديدة تكون أكثر تعبيرًا عن مطالب الشعب السوري ورؤيته الوطنية وفقًا لقيم ومبادئ الثورة.

3- استمرار قوات النظام في التقدم واستهداف المدنيين

ميدانيًّا على الأرض، تتغير الكفة نسبيًّا لصالح قوات النظام خاصة في ظل الاقتتال الداخلي بين قوات المعارضة السورية وحرب الفصائل الإسلامية ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، إضافة إلى الضوابط التي بدأت تضعها الدول الراعية للمعارضة السورية على تسليح المعارضة خوفًا من تنامي نفوذ تنظيم القاعدة.

على الجانب الآخر، تُلقي إيران بكل ثقلها السياسي والعسكري خلف نظام الأسد، بينما يتلكأ النظام في التخلص من ترسانته الكيماوية؛ حيث لم يتم تسليم سوى أقل من 11% من إجمالي الحمولة الكيماوية السورية رغم انتهاء المهلة النهائية للتسليم مرتين.

4- خلاف روسي أمريكي من جديد

بصفتهما راعيتان للتفاوض، كان يُفترض أن يكون هناك حد أدنى من الوفاق حول الخطوط العريضة لما يفترض أن تخرج به المفاوضات، ولكن فشل الجولة الثانية من جنيف 2 صعد بالخلاف الروسي الأمريكي حول سوريا إلى السطح من جديد، فهناك دوائر أمريكية تتهم روسيا بعدم ممارسة ضغط كافٍ على حليفها – نظام الأسد – من أجل تقديم حد أدنى من التنازلات – حتى اتفاق تسليم الكيماوي لم يتم في موعده-، بينما تتهم دوائر روسية الولايات المتحدة بالتسبب في فشل المفاوضات بسبب تعنتها في مسألة تسليم السلطة، وافتراضها بأن وفد النظام قد جاء إلى جنيف كي يسلم السلطة ويرحل؛ حيث لا تبدو روسيا مؤيدة لتشكيل سلطة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات وهو ما تفرضه أمريكا وتؤيده المعارضة السورية.

5- لا تستهينوا بإيران

مع إرهاصات التقارب الأمريكي الإيراني، تفاءل الجميع بأن الولايات المتحدة قد بدأت تدرك حجم إيران الحقيقي ومدى تأثيرها في المنطقة، وأن السياسة الأمريكية في المنطقة لن يُكتب لها النجاح في أي من الملفات الحساسة إذا أصرت على تجاوز إيران.

فَشِلَ جنيف 1 لأن إيران لم تحضر، وتكرر نفس الأمر في جنيف 2 رغم أن إيران أعلنت بوضوح أن أي اتفاق بخصوص نقل السلطة في دمشق لن يُكتب له النجاح دون المرور من بوابة طهران، وها نحن نصطدم بهذه الحقيقة من جديد، فمفاتيح السياسة في دمشق موجودة بالكامل في طهران.

6- فشل أي مسار تفاوضي قادم حتى لو وصلنا إلى جنيف 10

كما فشل جنيف 2 فسيفشل ما بعده، وستفقد السياسة فعاليتها كلية في المجال السوري، ولن يكون هناك مجال للتفاوض دون أرضية تفاوضية يقبل بها الجميع، وينبغي أن تعي المعارضة أن النظام لم يذهب إلى جنيف من أجل أن يسلم مفاتيح السلطة ويرحل، كما ينبغى أن يعي النظام أن الائتلاف لم يذهب إلى جنيف كي يلقى سلاحه ويرحل أيضًا، وما لم تعِ أطراف الأزمة هذه الحقائق فلن تكون لقاءات السياسة أكثر من مزايدة على دماء وأحلام السوريين.

7- فشل أمريكي والبحث عن خيارات بديلة

جاء تصريح وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، بأن على الولايات المتحدة أن تراجع سياساتها بشأن الأزمة السورية ليشكل إقرارًا لفظيًّا بما استقر في وجدان الجميع، فالولايات المتحدة خذلت حلفاءها في الملف السورى كثيرًا – بداية من الائتلاف ومرورًا بالسعودية – منذ أعلنت عن تخليها عن التدخل العسكري، والحقيقة أن الولايات المتحدة في مأزق لا تُحسد عليه بشأن الأزمة في سوريا؛ حيث باتت خياراتها محدودة للغاية.

وتنحصر خيارات الولايات المتحدة في بدائل أربعة، الأول الموافقة على الطرح الروسي الإيراني بشأن الاحتكام للانتخابات مع حق الأسد في المشاركة وهو ما يعني ضمنيًّا بقاء الأسد في ظل المعطيات الحالية، أما الثاني فهو تقديم تنازلات لصالح إيران في ملفات أخرى مقابل تنازل إيران عن شخص الأسد والقبول بشخصية بديلة تقود سوريا الانتقالية من رموز نظام الأسد وليكن فاروق الشرع مثلاً، أما الخيار الثالث فهو أن تعزز أمريكا من دعمها العسكري لفصائل المعارضة السورية وهو ما يعني إطالة أمد المواجهات ليس أكثر، أما الخيار الرابع والأصعب والأكثر كلفة فهو إعادة طرح فكرة التدخل العسكري المباشر في سوريا.

8- تراجع الدور السعودي وزيادة نفوذ المعارضة الإسلامية.

تبدو السعودية تلعب وحدها في هذا المضمار في ظل التردد الأمريكي الواضح، فالتقارير تشير إلى دور مزدوج لطهران في سوريا، فهي تدعم نظام الأسد من جانب، وتدعم بعض فصائل المعارضة المسلحة – اتهامات تشير إلى الدولة الإسلامية – من أجل إدخال المعارضة في اقتتال داخلي، من جانبها تدعم السعودية ما تطلق عليها المعارضة السورية المعتدلة التي تفقد قوتها ميدانيًّا على الأرض لصالح فصائل المعارضة الإسلامية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد