لو سألت أي رجل أمن إسرائيلي عن عدو الكيان الصهيوني الأول فلن تكون إجابته الجارة مصر أو أي دولة عربية قائمة، ولن تكون الإجابة منظمة التحرير الفلسطينية بالطبع، وبالتأكيد لن تكون إجابته (الولايات المتحدة الأمريكية) لأن هذا يبدو سخيفًا على الرغم من آلاف عمليات التجسس التي قام بها الموساد في قلب الولايات المتحدة مخترقًا أنظمتها الأمنية، الإجابة دائمًا وأبدًا هي (المقاومة الفلسطينية) وعلى رأسها (كتائب عز الدين القسام).

لم تفق حركة (حماس) بعد من الصدمة حتى أتت كارثة أخرى، نحن الآن في شهر أبريل بعد أقل من شهر على اغتيال الأب الروحي وزعيم حماس الملهم الشيخ (أحمد ياسين) في الثاني والعشرين من مارس لعام 2004، بعد الاغتيال وفي غمرة التخبط أعلنت كتائب عز الدين القسام أن قيادة الحركة في الداخل انتقلت إلى الطبيب الشهير (عبد العزيز الرنتيسي) الذي قال في أول تصريح له كشيء متوقع أن إسرائيل ستدفع الثمن، كان الإعلان خطأً لا يغتفر استغلته الاستخبارات الإسرائيلية على الوجه الأمثل، لقد حاولت تل أبيب اغتياله أربع مرات وفشلت فيها لكنها هذه المرة وبعد إعلان توليه قيادة قلب المقاومة الفلسطينية أصرت على تصفيته، قبل الاغتيال نشر جيش الاحتلال عددًا لا بأس به من الطائرات بدون طيار (Drones) مع تنشيط قاعدة عملاء الموساد في غزة بالإضافة إلى مروحيات قريبة جاهزة لتنفيذ التصفية عند استلام المعلومة، في السابع عشر من أبريل ولأول مرة من حيث الدقة عرفت إسرائيل مكانه تحديدًا نتيجة للشبكة التي نسجتها بالإضافة إلى تخليه عن نمط التحركات العشوائية لزيارة عائلته، ثم قصفت سيارته بثلاثة صواريخ Hell Fire بواسطة مروحية عسكرية من طراز (أباتشي) ليتوفى مستشهدًا بعدها.

على الرغم من أن الموساد يمتلك تاريخًا من العمليات الناجحة فضلًا عن احتوائه على إحدى أكثر وحدات الاغتيال فاعلية في العالم، فإن كل ذلك لا ينفي أن نجاحاته الكبرى مع الشاباك تكمن في اختراقه للمقاومة الفلسطينية وتحديدًا قلب حماس المتمثل في جناحها العسكري (كتائب عز الدين القسام)، في عقدين كاملين استطاع مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي اختراق المقاومة حتى النخاع وتطوير شبكة ضخمة من العملاء والحصول على معلومات جوهرية من قلب المقاومة ساهمت في سلسلة طويلة من عمليات اغتيال تم فيها حصد رؤوس عدد من أبرز قادتها العسكريين، إستراتيجية شهيرة اعتمدت عليها أجهزة الكيان المحتل الأمنية وهي (تخليق الفراغ الدائم) في محاولات بديهية لخلخلة الصف القيادي دائمًا؛ مما ينقل الخلل إلى صفوف المقاومة بالكامل وبالتالي دائرة مفرغة من التخبط لا نهاية لها، إستراتيجية شهيرة ومنطقية ونفذتها تل أبيب بنجاح كبير، حتى حين!

(عماد الغول)

حملت الفترة من 2001 لـ 2004 جحيمًا حقيقيًّا لحركة حماس حيث نشط الموساد والشاباك تحديدًا من مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي لتنفيذ عمليات تحديد أهداف واسعة لاغتيالها سواء عن طريق وحدة الموساد للاغتيالات، أو بطريقة أبسط وأسرع متمثلة في قصف طيران لقوات الجو الصهيونية، قائمة أهداف اعتلاها كل قياديّ حركة حماس وكتائب عز الدين القسام كما أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي (أرييل شارون) حينها، وعلى الرغم من فارق الإمكانيات بالغ الضخامة لصالح الكيان المحتل إلا أن نجاح عمليات الاختراق والتغلغل لصفوف المقاومة كان لافتًا للنظر ونتج عنه عشرات من محاولات الاغتيال المتكررة بناءً على معلومات موثقة وتتويج جهود تل أبيب بتصفية ثمانية من أهم مؤسسي وقادة حماس التاريخيين، على رأسهم أحمد ياسين والرنتيسي، بينما تمثل النجاح الأهم للمخابرات الإسرائيلية في هذه الفترة في اغتيال (عدنان الغول) و(عماد عباس) وهما أهم خبراء حماس العسكريين في هذه الفترة، و(عدنان) بالذات هو أسطورة صناعة الصواريخ وأحد أهم خبراء الأسلحة في الشرق الأوسط.

في الفترة من 2005 إلى منتصف عام 2014، حدث تطور نوعي في الصراع المعلوماتي بين مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي، وحركات المقاومة الفلسطينية حيث بدأت الكفة تميل لصالح المقاومة شيئًا فشيئًا مع اعتماد تل أبيب على القوة العسكرية الباطشة، وبدا أن حركة حماس بالذات تتعلم تدريجيًّا من أخطائها وتبني جهازًا معلوماتيًّا لا بأس به صالحًا للمواجهة، في هذه الفترة أيضًا بدأت تقل عمليات الاغتيال مقارنة مع الفترة السابقة، حيث كانت العمليات تتبع بعضها بفوارق زمنية شديدة القصر، ثم جاءت حرب غزة في 2014 لتحمل أنباءً شديدة السوء لتل أبيب، لقد تحولت المقاومة لمجموعة من الأشباح وأصبح اختراقها في منتهى الصعوبة، وقدمت الأجهزة الاستخباراتية قبل الحرب وفي الحرب نفسها ما مقداره (صفر) معلوماتي كبير للقيادة الإسرائيلية السياسية عن تسليح المقاومة وإمكانياتها وأوقات ضرباتها وتحرك قادتها، فشل شبه تام كان من الممكن له أن يكتمل لولا أن نجح المجتمع في توفير معلومات أدت إلى اغتيال ثلاثة من أهم قادة حماس وهم (رائد العطار) قائد قوات النخبة و(محمد أبو شمالة) و(محمد برهوم)، عملية أعادت للأذهان عصور ما قبل النهوض المعلوماتي الحمساوي ومخاوف أن يكون مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي أعاد نفسه إلى طريقه المفضل والناجح!

هذا التقرير يحاول أن يفهم -بناءً على معلومات موثقة- مستقبل مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي ومن ثم يجيب على سؤال (إلى أين يذهب هذا المجتمع؟).

(1) مجتمع ما بعد كيبور

(صورة متداولة لمقر الموساد الإسرائيلي بالأقمار الصناعية، وجدير بالذكر أنه لا توجد صور لمقر الموساد بشكل واضح كبقية أجهزة المخابرات العالمية!)


تبدو إسرائيل من السطح وللناظر من بعيد دولة ديموقراطية عتيدة تسوق نفسها ويسوقها العالم على أنها الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، لكنها في الحقيقة ليست ديموقراطية بالمرة، وإنما كيان أمني من الطراز الأول، كيان تأخذ فيه أجهزته الاستخباراتية والأمنية مساحة لا يمكن أن تأخذها نفس الأجهزة في أي دولة طبيعية لها مستقبلها الصحيح في العالم.

إن كان هناك شخص ينبغي الاستماع لتقييمه لمجتمع الاستخبارات الإسرائيلي فسيكون بالتأكيد (يوسف كوبرواسر)، الرجل الحاصل على ليسانس آداب لغة عربية من جامعة حيفا وماجستير الاقتصاد من جامعة تل أبيب، والذي شغل سابقًا أحد أهم مناصب إسرائيل البحثية كرئيس لشعبة أبحاث جيش الاحتلال التابعة للمخابرات الحربية (أمان)، يتكلم يوسف في دراسة بحثية له لصالح (مركز سياسات الشرق الأوسط، “SABAN” سابقًا) عن التغيرات التي طرأت على مجتمع الاستخبارات والعوامل الحاكمة له وحدد حرب يوم كيبور (الغفران) أو ما نعرفه عربيًّا بنصر السادس من أكتوبر لعام 1973 كنقطة تاريخية لبدء التغير والتطور، ثم مرحلة التسعينات الهامة كمفرق في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومحاولة أجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلية الاستفادة من الدروس التي ضربت قلب النظام الأمني الأمريكي.

فيما بعد حرب السادس من أكتوبر كان على مجتمع الاستخبارات -وتحديدًا الموساد- أن يقوموا بعملية مراجعة شاملة للأداء الاستخباراتي العام الذي فشل في التنبؤ بالقدرة العسكرية المصرية حينها، لكن هذه كانت عملية مراجعة وتصحيح فقط، وهو ما يختلف عن بداية العقد التسعيني حيث وجدت الأجهزة أن طرقها في جمع المعلومات والتخطيط لا تتناسب مع تعقيدات المشهد العربي والتطور الفلسطيني الداخلي، ولذلك كان القرار بإجراء عملية هيكلة كاملة للمجتمع مع تغير بعض النقاط الجيو إستراتيجية للمنطقة.


النقطة الأولى كانت مراعاة تغير خصائص الحروب واتساع رقعة أنواعها، فما قبل نشوء المقاومة كانت إسرائيل تعرف أعداءها وترصد وجودهم الواضح، وكانت حروبها في ساحات مفتوحة ومعاركها واضحة الزمان والمكان، أما ما بعد نشوء المقاومة بالإضافة لنشاطات حزب الله في منتصف الثمانينيات، حتمًا على المجتمع أن يغير تعريفاته للحرب وبالتالي وسائله، والنقطة الثانية هي فهم أجهزة استخبارات الاحتلال لطبيعة العصر المتطور وخاصة تقدم وسائل التواصل والتسارع اللاهث لاتساع رقعة الحرب الإعلامية وإدراك هذه الأجهزة لمدى استغلال الأعداء الرئيسيين في داخل الأراضي المحتلة وفي الخارج لسطوة الإعلام وتأثيره على مجتمع مهاجرين مغلق ومصاب دائمًا بالوساوس الأمنية كالمجتمع الإسرائيلي، مجتمع هش يسهل التأثير فيه باستخدام إعلام يعرف ما يفعل.

أما عن القضايا طويلة الأمد في عملية الهيكلة فكان أولاها تطوير العلاقة الثنائية بين المجتمع الاستخباراتي، وبين صناع القرار التنفيذيين بدون أن يؤثر ذلك على استقلالية وانعزال المجتمع وهو انعزال من جهة واحدة (جهته)، وهو ما يكسبه السرية تحت دواعي التهديدات الإرهابية والأمن القومي الإسرائيلي، ويكسبه الكثير من السرية كطبقة حماية مثلى أمام شيء كاستجوابات الكنيسيت مثلًا، ويجعله عصيًّا على المسائلة إلا أمام أرفع مستوى (رئيس الوزراء الإسرائيلي)، ثم القضية الثانية متمثلة في العلاقة بين جامعي المعلومات (شبكات العملاء والجواسيس وبعض ضباط المخابرات)، وبين محللي هذه المعلومات، المشكلة بحسب قول يوسف تمثلت في الفجوة الكبيرة بين الاثنين، علاقة فاترة كانت تؤدي في النهاية إلى نسبة لا يستهان بها من القرارات المخابراتية والسياسية الخاطئة، لذلك كان لا بد من العمل على تطوير هذه العلاقة ورفعها لمستوى أعلى.

(2) نظام أمان التحليلي!

(شعار الوحدة 8200)

لنتخيل أن هناك جزيرة ما شديدة التقدم التقني يحيا عليها مجموعة من البشر، غذائهم الأساسي والوحيد هو لحوم الأبقار التي ترعى على هذه الجزيرة، في يوم ما استيقظ الجميع ليجدوا أن الأبقار لا تقرب العشب المقدم لها وبالتالي سيصيبها الهزال وستمرض قريبًا ثم تموت ويتبع ذلك مجاعة مؤكدة، التفكير العادي بمفرده يقوم باستنباط المعلومات من خلال الإجابة على سؤال واحد هو (لماذا لا تقرب الأبقار العشب؟) عن طريق تحليل المعلومات المتوافرة عن سلوك الأبقار نفسها مؤخرًا، ثم بعد قليل سيجيب عن سؤال آخر وأخير هو (ما العشب البديل الذي يمكن زراعته لإنقاذ الأبقار؟).

في أعلى قمة الهرم التعليمي يقبع (التفكير النظمي)، وبدون تعريفات كثيرة يمكننا أن نرى الفارق بأنفسنا ونحن نطبقه على المثال السابق، باستخدام (التفكير النظمي) فإن السؤال عن عدم اقتراب الأبقار من العشب سيتوسع تمامًا ليشمل مدخلات ومخرجات المنظومة كاملة، بشكل أبسط سنجمع معلومات عن كل شيء، حالة الطقس، ونوع الأعشاب، والتاريخ الجيني للأبقار، والنمط السلوكي الاجتماعي لأهل الجزيرة، ومناطق تركز المشكلة، والآفات التي تصيب الحقول، وعدد ونشاط السائحين الذين أتوا للجزيرة في نفس الفترة، والآلات المستخدمة في الحصاد، والكيماويات المنتشرة في الجزيرة، تقريبًا كل شيء، ثم يتم تحليل هذه المعلومات واستنباط أصل المشكلة منها وبالتالي إيجاد الطريقة المثلى للتعامل معها.

ما علاقة ما سبق بالمخابرات؟!

اعتمد عمل المخابرات التقليدي في المجتمع الإسرائيلي على تحليل المعلومات بشكل (وقتي) بناءً على الحالة، بشكل أبسط فإنه عندما ترد معلومات ما من سوريا مثلًا فإن محللي المخابرات الحربية الإسرائيلية -المعروفة باسم (أمان)- يقومون بتحليلها وتقديم تقارير للضباط وصناع القرار التنفيذيين بناءً على ما حدث (الآن) في (سوريا) فقط، كان هذا عوارًا بالغًا ينبغي تغييره، لأجل ذلك قامت (أمان) ومن ورائها المجتمع بإعادة هيكلة كاملة لقسم التحليل على عدة مراحل، وتمثلت المرحلة الأولى في إدخال التفكير النظمي كأداة تحليلية، ومن ثم أعطوا إطارًا مناسبًا وأوسع لفهم ساحات الصراع مع زيادة التركيز على عوامل أخرى لم تكن تدخل في الحسبان بشكل كامل مثل (الأيديولوجية/ الدين/ الرأي العام/ علم النفس/ علم الاجتماع/ الآداب والفنون والثقافات المختلفة)، لذا فعندما تأتي معلومات من لبنان أو الأردن أو سوريا فإن المحللين مع هذا التطور لا يتعاملون معها بشكل (وقتي)، وإنما يدرسون كل العوامل الثابتة والمتغيرة الخارجية.

Israeli's Brigadier General Yaron Levi, the Navy's intelligence chief, gives a press conference at the Defence Ministery in Tel Aviv, on March 5, 2014, as he briefs the press on events in the Red Sea. Israel said it intercepted a ship carrying an Iranian shipment of advanced rockets bound for Palestinian militants, claiming it proved Tehran could not be trusted in international nuclear talks. AFP PHOTO / JACK GUEZ (Photo credit should read JACK GUEZ/AFP/Getty Images)

أما المرحلة الثانية كانت لُب التغيير الهيكلي وتمثلت في إعادة توظيف أفراد التحليل المعلوماتي في (أمان) في تسعة فرق كاملة مسئولة عن تسعة أنظمة، وكل فريق يرأسه شخص في منصب مستحدث يدعى (رئيس استخبارات النظام) أو (HIS)، هذه الفرق تعتمد على التفكير النظمي بجانب المنهجي إضافة إلى تغيير النشاط بالكامل من التركيز على (البلدان) إلى التركيز على (النظم)، ببساطة لم يعد التحليل المعلوماتي يركز فقط على السياسات في لبنان وقدرات سوريا مثلًا، وإنما يأخذ في حسبانه تحليل النظام بالكامل بما في ذلك جميع العناصر التي تؤثر عليه مثل: النفوذ الإيراني، والضغوط الدولية، وجوانب الثقافة اللبنانية والسورية، وسلوكيات الجموع، ووسائل الإعلام هناك، والشعور العام تجاه إسرائيل وقياسه بانتظام، والتوترات والصراعات وتقسيمها لثلاثة أقسام (حدثت/ تحدث الآن/ محتملة الحدوث)، أما منصب الـ (HIS) فقد أبدل تمامًا من شكل التواصل بين الاستخبارات، وصناع القرار وقلل الفجوة واحتمالات أن يتجاهل الساسة المعلومات المقدمة لهم بأي شكل.

في المرحلة الثالثة كان موعد إعادة تعريف أهداف مجتمع الاستخبارات وإنتاجه المعلوماتي، ثم أتت المرحلة الرابعة بابتكار نظام شديد الكفاءة والدقة لتوصيل المعلومات والتحليلات لصناع القرار في نفس وقت انتهائها، وهو ما وفر كفاءة غير عادية في إنهاء العمليات والمهمات المختلفة، فضلًا عن قرارات سياسية خارجية دقيقة، ثم الخامسة والتي شملت توسيع نطاق عمل المجتمع ليشمل تحديد الأهداف غير التقليدية والتعامل معها حسب تعريف الكيان المحتل (الإرهاب الحديث/ تطوير القدرات النووية/ الأسلحة الكيميائية) وغيرها، وأخيرًا إعادة تشكيل شبكة العلاقات التعاونية مع أجهزة الاستخبارات الخارجية في معظم الدول ورفع مستوى كفاءتها، هيكلة غيرت تمامًا من عمل (أمان) والمجتمع الاستخباراتي الإسرائيلي بأكمله!

(3) مستقبل المجتمع، إلى أين؟!


منذ أقل من شهر كتب (أموس هاريل) -الصحفي الإسرائيلي ومحلل جريدة هآرتس العسكري- مقالًا مستمدًا من كتيب للجنرال الإسرائيلي المتقاعد (إتاي برون) رئيس قسم الدراسات السابق في (أمان)، تكلم فيه عن التحديات التي تواجه مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي فيما هو قادم، في البداية ركز (أموس) على ثلاث علامات تاريخية وجيهة للفشل الاستخباراتي هي (ما قبل ضرب اليابان للأسطول الأمريكي في بيرل هاربر)، و(ما قبل حرب أكتوبر)، و(ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر)، تشترك الثلاث حوادث هذه في أن أجهزة المخابرات لم تكن تعلم أي شيء عما سيحدث وجاء الهجوم في الحالات الثلاث مباغتًا تمامًا، في الأولى خدعت اليابان أجهزة الولايات المتحدة الأمنية وعلى رأسها مكتب الخدمات الإستراتيجية أو الـ(OSS) {لم تكن الـCIA قد تشكلت بعد}، وفي الثانية خدعت المخابرات المصرية والسورية المجتمع الاستخباراتي الإسرائيلي فجاء الهجوم من الجانبين مباغتًا، وفي الثالثة خدع تنظيم القاعدة المجتمع الاستخباراتي الأمريكي بالكامل في واحدة من أقسى حالات الفشل في التاريخ الحديث.

يوضح الجنرال (إتاي) أن على مجتمع الاستخبارات أخذ المتغيرات المدهشة الحالية في الحسبان وتغيير طريقته في التعامل مع التهديدات الخارجية لضمان نجاح أكبر، فمن ناحية نجد أن هناك عملية تفتت بالغة الاتساع في أغلب الدول العربية للهوية القومية تسبب فيها انتشار التيار الجهادي بنجاح وبشكل منتظم فكريًّا قبل انتشاره العسكري، وبالأخص بعد الصعود السريع لتنظيم الدولة الإسلامية المعروف باسم (داعش) مع احتفاظ القاعدة بتأثير ومساحة معقولين، إضافة إلى وجود التنظيمات الفرعية التي تدين بالولاء لأحد اللاعبين الرئيسيين أو في أحوال أقل تعمل بشكل منفصل، ونتيجة لعملية التفتت فإن عوامل مثل الدين (الإسلام) والعرق (العرب) وقضايا أخرى شديدة القبلية عادت للظهور على الساحة، وأصبحت عرضة للنقاش والانتشار والقبول، هذا -بحسب (إتاي)- من الممكن جدًّا أن يؤدي لاضطرابات واسعة النطاق يصعب التنبؤ بنتائجها فيما بعد.


من ناحية أخرى فإن من المتغيرات المدهشة نضوج تنظيمات المقاومة سواء في الداخل الفلسطيني أو في الخارج (تحديدًا حزب الله اللبناني)، ففي الحرب الأخيرة فاجأت المقاومة الفلسطينية وبالأخص (حماس) مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي والكيان المحتل بالكامل بقدرات عسكرية متطورة لم يعرف عنها شيئًا، قدرات كبدت جيش الاحتلال ما يفوق المائة جندي وضابط وعشرات من الآليات المدمرة في خسائر عسكرية عنيفة لم تشهد إسرائيل لها مثيل منذ عشرات الأعوام، وفوجئ الإسرائيليون بنظام معلوماتي حمساوي كامل استطاع الحصول على كم مدهش من المعلومات من قلب تل أبيب عن القواعد العسكرية ومسارات تحرك طائرات الاستطلاع؛ مما أدى إلى خفض خسائر بطاريات صواريخ المقاومة لحدها الأدنى منذ عقود، وبالتالي رفع الكفاءة الصاروخية والوصول بها لأماكن بعيدة بمئات الكيلومترات عن غزة (أو بمعنى آخر الوصول لكل شبر في فلسطين المحتلة)، فضلًا عن التنسيق المعلوماتي بين فصائل المقاومة الذي حدث في هذه الحرب لأول مرة بهذه الدقة الشديدة، ثم تحول الصف القيادي في حماس لأشباح لا يمكن الوصول إليهم وهو جدار كان يبدو مستحيلًا على الاختراق لولا أن نجح المجتمع الاستخباراتي في اختراقه بالفعل واغتيال ثلاثة من أهم قادة حماس في عملية واحدة في نهاية الحرب.

هذا النضوج الفلسطيني بالذات وضع المجتمع في مأزق حرج، المعلومات الواردة من الجبهة الحمساوية تتناقص باستمرار مقابل تسريبات كبيرة من الجدران المعلوماتية الإسرائيلية بما يعنيه هذا من حتمية تغيير نظام تعامل المخابرات الإسرائيلية مع حماس، ورفع مستوى التهديدات الواردة منها لمستوى أعلى من التقديرات الحالية، ثم متغير ثالث يتمثل في الحرب المعلوماتية وهو ما لخصه (إتاي) بقول إن الضرورة تحتم الوصول بالعلاقة بين الكفاءة المعلوماتية، وصناعة القرار لدرجة تسمح باتخاذ قرارات مثل شن ضربات عسكرية سريعة، أو القيام بهجمات إنترنتية في دقائق معدودة لاستباق التهديد وإنهائه في مهده، نتكلم هنا عن رفع سرعة الاستجابة لمعدلها الأقصى.

لا نعرف بعد إن كان مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي وعلى رأسه الثلاثة لاعبين الرئيسيين (الموساد/ أمان/ الشاباك) قادرًا على رفع كفاءته لمواجهة هذه التحديات بشكل يسمح بتحقيق انتصارات مريحة أم لا، لكن ما لا شك فيه أن المجتمع -على الرغم من إمكانياته المادية والتقنية والتدريبية بالغة الضخامة- تلقى ضربة قاسية من المقاومة في العام المنصرم، ضربة ستجعل قادته يعيدون حساباتهم بكل تأكيد.


عرض التعليقات
تحميل المزيد