كانت مدينة سرت الليبية شاهدة على توطيد نفوذ العباسيين في المغرب الأدنى، مثلما كانت لها الكلمة الفصل في معركة القرضابية التي وقعت عام 1915 بين الغزاة الإيطاليين والمجاهدين الليبيين، حتى لقبت بـ«أم المعارك الليبية»، وشهدت أحلك أيام البحرية البريطانية في البحر الأبيض المتوسط، في معركتين متواليتين حملتا اسمها أواخر عام 1941 وأوائل عام 1942.

من حكم الإباضية في زمن العباسيين إلى حكم داعش في عصر الفوضى، كان مقدرًا على هذه المدينة ألا تهدأ، بحكم موقعها الجغرافي على بعد 300 كلم من الساحل الأوروبي، وفي منتصف الطريق بين طرابلس، عاصمة البلاد في الغرب، وبنغازي، عاصمة إقليم برقة في الشرق.

وهي المدينة التي تعد في وقت كتابة هذه السطور «الخط الأحمر»، الذي قد يُحَوِّل المعارك بالوكالة في ليبيا إلى حرب مباشرة بين قوى إقليمية ودولية، رأسَيْ حربتها هذه المرة هما أنقرة والقاهرة.

سرت.. شاهدة على توطيد نفوذ العباسيين في المغرب الأدنى

في أيام الخليفة العباسي الثاني، أبي جعفر المنصور (714 – 775 م / 95 – 158 هـ)، عاد كبار الإباضية من المشرق عام 140 هـ، ليركزوا جهودهم في المغرب الأدنى، حيث كثُر أتباعهم وبايعوا أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري.

استطاع أبو الخطاب الاستيلاء على طرابلس، ثم سار إلى قابس فأخذها، واتجه إلى القيروان فاستولى عليها عام 141 هـ، بعد أن التقى بعبد الملك بن أبي الجعد خارجها فهزمه وقتله.

حينذاك، أرسل المنصور إلى إفريقية محمد بن الأشعث، الذي بعث طلائعه بقيادة أبي الأحوص بن عمرو بن الأحوص، فأسرع إليه أبو الخطاب والتقى به قرب سرت فهزمه، كما يروي كتاب «التاريخ الإسلامي».

لم يكن ثمة بُدُّ من أن ينطلق ابن الأشعث بنفسه صوب ابن الخطاب، والتقى به في تاورغا – على ساحل البحر بين طرابلس وسرت – عام 144 هـ، فانتصر عليه وقتله ثم سار إلى القيروان فأخذها. وهكذا توطد نفوذ الدولة العباسية في المغرب الأدنى، وزالت سيطرة الإباضيين عن القيروان.

التقى الجيشان وحدثت معركة سرت التي قتل فيها ابن الأشعث أبو الخطاب، وكانت هزيمة سرت «ذات تأثير سيئ على الإباضية»، بحسب كتاب «الخلافة العباسية وموقفها من الدول المستقلة في المغرب».

معركة القرضابية (1915).. أم المعارك الليبية ضد الاحتلال الإيطالي

وقعت معركة القرضابية بالقرب من مدينة سرت يوم 29 أبريل (نيسان) 1915، وهي أحد أشهر معارك الليبيين ضد الاحتلال الإيطالي، إذ شكلت بداية اندحار جيش الغزاة، وتشتهر بأنها «معركة الوحدة الوطنية»؛ لأن مختلف أطياف الشعب شارك فيها.

حينها زحف جيش الجنرال أمياني المكوّن من الجنود النظاميين الإيطاليين والمتعاونين الليبيين مدعومًا بالمرتزقة الأحباش والإرتريين على قوات المجاهدين بقيادة صفي الدين السنوسي، المحتشدين جنوب مدينة سرت قرب قصر بوهادي.

في البدء أطلق الجيش الإيطالي وابلًا من قذائف المدفعية التي أسقطت حوالي 150 شهيدًا من المجاهدين الليبيين، قبل أن تشتبك الأسلحة النارية مع السلاح الأبيض من سكاكين وخناجر وسيوف، وترجح في النهاية كفة المعركة لصالح المجاهدين، الذين غنموا في ذلك اليوم الكثير من المدافع والذخائر والبنادق والمؤن والإبل.

كانت الدلالات العسكرية والسياسية أغلى من الغنائم، إذ «انتصر المجاهدون نصرًا مؤزرًا على جيش عرمرم، ومرَّغوا أنف خامس قوة في العالم آنذاك في الوحل»، كما أورد العقيد صلاح الدين أبو بكر الزيداني في دراسته «رؤية عسكرية لصفحات مشرفة من ملاحم الجهاد الليبي.. معركة القرضابية».

كانت «معركة فاصلة في التاريخ الوطني الليبي»، ليس فقط لعظم الخسائر التي تكبدها المستعمر الإيطالي، وأحصاها في برقياته لإدارة المستعمرات الإيطالية، ولكن لأن بعدها تساقطت باقي الحاميات الإيطالية في ليبيا، ولم تتركز القوات الإيطالية إلا في مدينتي طرابلس والخمس.

معركة سرت الأولى (1941).. أحلك أيام البحرية البريطانية في المتوسط

كانت نهاية عام 1941 «أحلك أيام البحرية الملكية في البحر الأبيض المتوسط»، على حد وصف موقع «ريجيا مارينا» المهتم بتاريخ البحرية الإيطالية، وكان ديسمبر 1941 تحديدًا «شهرًا كارثيًا لأسطول البحر الأبيض المتوسط»​​، حسبما ورد في عدد ديسمبر 1977 من دورية «نافال هيستوريكال ريفيو» الأسترالية.

عند تمام الساعة 5:45 مساء يوم 17 ديسمبر 1941، جنوب شرق مالطا، في خليج سرت، وقع اشتباك عَرَضِيّ بين قوات البحريتين الملكيتين البريطانية (بقيادة الأميرال فيليب فيان) والإيطالية (بقيادة الأميرال أنجيلو ياتشينو) التي كانت كل منها ترافق قافلة عبر البحر الأبيض المتوسط. 

كان الجانبان يحاولان تجنب الاشتباك، لولا اعتقاد كل منهما في الوقت ذاته أن الطرف الآخر يسعى إلى إشعال معركة بحرية. فما كان من الأميرال فيان، المتخصص في المدفعية البحرية، إلا أن أخذ زمام المبادرة، وشن «هجومًا شرسًا» أجبر غريمه إياشينو على الانسحاب إلى الشمال.

وكان الجنرال الإيطالي حريصًا على تجنُّب القتال تحت جنح الظلام؛ تطبيقًا للدرس الذي تعلمه من معركة ماتابان، التي كانت بمثابة «مذبحة للبحرية الإيطالية في الحرب العالمية الثانية». حينذاك منح الظلام طواقم الطرادات الإيطالية الثقيلة «إحساسًا زائفًا بالأمان»، لكن المعركة تكشفت في النهاية عن كارثة للإيطاليين، الذين فقدوا ثلاثة طرادات ثقيلة ومدمرتين.

نعود إلى معركة سرت الأولى، لنجد أن النجاح البريطاني الخاطف أعقبته «انتكاسةً أكثر خطورة»؛ بدأت بفخ حقل الألغام الذي وقعت الطرادات والمدمرات البريطانية في شباكه، مرورًا بغارة إيطالية جريئة على الإسكندرية، وتُوِّجَ ذلك كله بخسارة البريطانيين العديد من السفن بعد هذه المعركة، بحسب كتاب «أطلس الحربين العالميتين: الأرض والحرب والسلام».

معركة سرت الثانية (1942).. هل تصل الإمدادات إلى مالطا في الوقت الناسب؟

ما زلنا في فترة الحرب العالمية الثانية، وبحلول 22 مارس (آذار) من العام التالي 1942، كانت قوة بريطانية مكونة من طرادات ومدمرات خفيفة تحاول منع الأسطول الإيطالي القوي بقيادة البارجة ليتوريو من مهاجمة قافلة محملة بإمدادات شديدة الأهمية أثناء توجهها إلى مالطا، عبر ذلك الجزء من البحر الأبيض المتوسط شمال ليبيا ​​الذي يقترب من القاعدة البحرية الإيطالية في تارانتو.

بعد مناورات بحرية ومناوشات مدفعية، انسحب الأميرال ياتشينو بأسطوله إلى الشمال الغربي، لكن القافلة التي كان يرافقها الأميرال فيان تأخرت كثيرًا عن بلوغ هدفها، إذ اضطرت إلى تغيير مسارها إلى الجنوب.

وبحلول فجر يوم 23 مارس، كانت السفن التجارية الأربع لا تزال في البحر، ووصلت سفينتان فقط إلى مالطا، حيث تعرضتا لهجوم جوي ألماني كثيف، وهكذا لم يصل سوى 5 آلاف طن فقط – من أصل 26 ألف طن من الإمدادات – إلى الجزيرة المحاصرة.

حادثة خليج سرت (1981).. «مواجهة خط الموت» بين الليبيين والأمريكيين

في خضم الحرب الباردة، أعلنت ليبيا تمديد مياهها الإقليمية 12 ميلا في خليج سرت، وهو ما دفع البحرية الأمريكية إلى إجراء عمليات حرية الملاحة في المنطقة التي سترسمها ليبيا لاحقًا وستطلق عليها «خط الموت».

كثفت الولايات المتحدة عملياتها عندما تولى رونالد ريجان الرئاسة، وفي أغسطس 1981 نشر جزءًا كبيرًا من قوات البحرية قبالة السواحل الليبية، وردت القوات الجوية الليبية بنشر عدد كبير من الصواريخ الاعتراضية والقاذفات المقاتلة.

في 19 من الشهر نفسه، اعترضت ثماني طائرات أمريكية طائرتين ليبيتين من طراز «سوخوي سو-22» كانتا تقومان بمهام استطلاع قبالة السواحل الليبية وأسقطتهما، مما تسبب في زيادة توتر العلاقات بين البلدين.

لكن اللواء طيار بلقاسم امسيك، الذي قاد المواجهة الجوية آنذاك، أشار إلى جانب آخر من القصة، إذ يؤكد أن سلاح الجو الليبي تمكن من إسقاط طائرة أمريكية «إف-14»، انتشل حطامها لاحقًا من خليج سرت، ليعرض جزء منها في متحف السرايا الحمراء بطرابلس.

حادثة خليج سرت (1986).. أولها سخرية من ريجان وآخرها محاولة اغتيال القذافي

لم تضع التوترات أوزارها بعد في خليج سرت الذي كان يعرف باسم «خليج التحدي»، ولم يتوقف انشغال ريجان الشديد بالقذافي.

كانت ذريعة التصعيد حينها مقتل جنديين أمريكيين إثر انفجار قنبلة داخل ملهى في برلين الغربية، فسارعت الولايات المتحدة لإعلان أنها حصلت على برقية سرية تكشف تورط عملاء ليبيين في الهجوم.

بعد الهجوم بساعتين فقط، كان الرئيس الأمريكي رونالد ريجان يدلي بخطاب تلفزيوني قال فيه: «عندما يتعرض مواطنونا لهجوم.. أو سوء معاملة في أي مكان في العالم، بناء على أوامر مباشرة من أنظمة معادية… فإننا سنرد طالما أنا في هذا المنصب».

كان هذا هو المبرر الذي قدمته واشنطن في مارس 1986، لتتوغل قواتها البحرية لمسافة 12 ميلًا داخل المياه الإقليمية الليبية وترسل حاملة طائرات للقيام بمناورات عسكرية استفزازية، توجت بضرب الأسطول الليبي في خليج سرت.

وفي منتصف الشهر التالي شنت 66 طائرة أمريكية – انطلق بعضها من قواعد بريطانية – غارة جوية على العاصمة الليبية طرابلس ومنطقة بنغازي ومنطقة بني عاشور – المكتظة بالمدنيين – وقصفت المجمع السكني الذي كان يقيم فيه الرئيس معمر القذافي، مما أدى إلى مقتل 45 جنديًا ليبيًا و15 مدنيًا.

معركة سرت 2011.. سقوط القذافي وإعلان «تحرير ليبيا»

حين قامت الثورة الليبية، وسقطت باب العزيزية، حصن القذافي المنيع، بيد معارضيه، لم يجد بُدَّا من الفرار إلى مسقط رأسه في سرت. لكن في 20 أكتوبر 2011، شنت طائرات الناتو غارات جوية على المدينة، تلاها هجوم للمجلس الوطني الانتقالي الليبي، ما أسفر عن إصابة القذافي واعتقاله لاحقًا قبل أن يلقى حتفه متأثرًا بجراحه.

وبحسب تقرير لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، مات القذافي ونجله المعتصم بعدما أسرهما مقاتلون من مصراتة، «في ظروف غير واضحة».

المصير نفسه لقيه وزير الدفاع الليبي السابق، أبو بكر يونس، وفي أعقاب ذلك أعلن رئيس المكتب التنفيذي للمجلس الانتقالي الليبي محمود جبريل أن «الوقت حان لبدء بناء ليبيا جديدة وموحدة بشعب واحد ومستقبل واحد»، ثم بعد ثلاثة أيام، أعلنت السلطات الانتقالية «تحرير ليبيا».

«وكأننا ملعونون».. معارك 2015-2016 لاستعادة سرت من تنظيم داعش

بعدما كانت سرت هي المرحلة الأخيرة في ثورة 2011، إذ بخطرِ جديد يُطِلّ برأسه بعد مرور سنوات، جعل أهلها يشعرون وكأنهم «ملعونون». كان ذلك حين ظهر تنظيم الدولة في مدينة سرت لأول مرة في فبراير (شباط) 2015، بعد أشهر من إعلان «مجلس شورى شباب الإسلام» في مدينة درنة ولاءهم للخليفة البغدادي في أكتوبر 2014.

وبحلول مايو (أيار) 2015، كان داعش يسيطر على سرت، لكن لم ينتهِ عام 2016 حتى استطاعت قوات المجلس الرئاسي استعادة مطار سرت ومينائه وقاعدة القرضابية الجوية، وإن طال أمد الحسم بسبب «حرب الشوارع» الشرسة التي خاضها التنظيم في أيامه الأخيرة.

معركة سرت 2020.. ماذا لو اجتيز «الخط الأحمر»؟ 

في مستهل عام 2020، كانت سرت على موعدٍ مع زائرٍ جديد، يحمل هذه المرة لقب جنرال ويسمى حفتر، شن هجومًا على قوات حكومة الوفاق، وفرض سيطرته الكاملة على المدينة الساحلية الاستراتيجية.

منذ ذلك الحين، لم تتوقف المناوشات بين القوات التابعة لحكومة الوفاق الليبية، والقوات التي يقودها خليفة حفتر. وبعد كرٍ وفر، مُني الجنرال بخسائر ثقيلة دفعت قواته إلى التراجع صوب سرت والجفرة.

وفي هذه الأثناء، يواصل الجانبان حشد قواتهما لخوض معركة جديدة للسيطرة على سرت، بينما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أنها «خط أحمر» – وهي التي تبعد ألف كيلو متر عن الحدود المصرية – إن تجاوزته قوات حكومة الوفاق الوطني فإنه سيعطي لقواته المسلحة أمرًا بـ«التدخل المباشر».

وإن كان البعض يرجح – حال لم يُنزَع فتيل الأزمة بتسويةٍ مقبولة – أن تلجأ مصر إلى دعم القبائل الليبية المتوافقة مع نهجها، ما يُنذِر بإطالة أمد الحرب، ودخولها أنفاقًا جديدة أكثر إظلامًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد