بعد فشل اجتماع «اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)» الذي استضافته مدينة الغردقة المصرية أواخر الشهر الماضي برعاية أممية، انطلقت مباحثات الجولة الرابعة في مقر الأمم المتحدة في جنيف، والتي بدأت قبل تسعة أشهرٍ، وضمت وفدين يمثلان حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، وقوات شرق ليبيا التابعة للواء الليبي خليفة حفتر، وخلال خمسة أيامٍ فقط وقع فرقاء الحرب اتفاقًا دائمًا لوقف إطلاق النار، ودخل حيز التنفيذ قبل قليل، ويغطي كامل التراب الليبي.

التوافق الأخير في المسار الأمني من المفترض أن يقود إلى حلحلة الأزمة الليبية، دون تجاهل الصعوبات التي يمكن أن تحول دون تنفيذه. والتقرير التالي يشرح ثمانية أسئلة حول اتفاق الوقف الدائم لإطلاق النار في ليبيا وأبعاده المختلفة.

1- ما هي «لجنة 5+5»؟

في يناير (كانون الثاني) 2020 عُقد مؤتمر برلين بمشاركة 11 دولة، وتم الاتفاق على تشكيل لجنة عسكرية مشتركة باسم «لجنة 5+5»، تضم خمسة عسكريين ممثلين لقوات شرق ليبيا، وخمسة عسكريين ممثلين لحكومة الوفاق، ويعتبر عمل اللجنة ضمن مبادرة الخطوات الثلاث التي اقترحها غسان سلامة، المبعوث الأممي السابق لليبيا، لحل الأزمة الليبية في ثلاثة مسارات: عسكري، وسياسي، واقتصادي.

عقدت اللجنة العسكرية المشتركة أربع جولات: الأولى في فبراير (شباط)، عقب هدنة قصيرة توصلت لها تركيا وروسيا لوقف إطلاق النار، بعد المعركة التي أطلقها حفتر على العاصمة طرابلس، في أبريل (نيسان) 2019، وبعد الجولة الأولى وفشل الهدنة جاءت الجولة الثانية، ولكن لم تُسفر عن تغيير ميداني، وعُلقت الجولة الثالثة في مارس (أذار) 2020 لاحتجاج حكومة الوفاق على قصف حفتر لميناء طرابلس.

وفي الشهر التالي مالت الكفة في المعارك لصالح حكومة الوفاق التي استعادت السيطرة الكاملة على الغرب الليبي، وحشدت قواتها على تخوم مدينة سرت، مفتاح الشرق الليبي؛ ما دفع الأطراف الإقليمية إلى التدخل لإعادة تفعيل المسارات الثلاثة لحل الأزمة الليبية، لتبدأ الجولة الرابعة للجنة «5+5» العسكرية، وأفضت إلى توقيع اتفاق مختلف للمرة الأولى في تاريخ الصراع.

2- ماذا تحقق على الأرض في الاتفاق؟

في بث مباشر عرضته صفحة البعثة الأممية على منصة «فيسبوك» لمراسم توقيع الاتفاق في مقر الأمم المتحدة بجنيف، أعلنت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة في ليبيا، ستيفاني وليامز، عن توصل اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» إلى توقيع ما لا يقل عن ستة اتفاقات دخلت حيز التنفيذ فورًا، للتأكيد الفعلي على الدخول في إجراءات بناء حيز التنفيذ.

عربي

منذ شهرين
كيف ستتأثر مصر وتركيا باستقالة السراج؟

بمقتضى البنود المُعلنة للاتفاق، فمن المتوقع أن يلتزم الطرفان بالهدنة التي أعلنها كلٌ من فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، وعقيلة صالح رئيس مجلس نواب طبرق، منذ 21 أغسطس (آب) 2020، بالإضافة إلى بدء وضع ترتيبات أمنية لفتح الطرق والمعابر التي تحولت لثكنات عسكرية، وأغلقت بسواتر ترابية بفعل الحرب.

وتم الاتفاق أيضًا على فتح حركة الملاحة الجوية بين المدن الليبية، ووقف خطابات الكراهية والتحريض الإعلامي، والعمل على تبادل المحتجزين في العمليات العسكرية من خلال تسمية ممثلين عن المنطقتين الشرقية والغربية، كما تم التوصل لاتفاق يقضي بإعادة هيكلة حرس المنشآت النفطية بما يضمن عدم إغلاقها.

3- الوجه الآخر للاتفاق.. فيمَ أخفق المتفاوضون؟

بالرغم من أنّ نتائج اتفاق جنيف تعد حدثًا فريدًا على مستوى تقدم مفاوضات المسار الأمني أولًا، عبر إجراء لقاءات مباشرة أفضت إلى توقيع اتفاقية مُلزمة بين طرفي الصراع، إلا أنّ مُخرجات الاتفاق نفسه لم تشمل أهم البنود التي تسعى الأمم المتحدة إلى إقرارها لإنهاء مباحثات المسار العسكري.

من اللافت أن بنود الاتفاق الذي أعلنت عنه الممثلة الخاصة للأمين العام منشورة بالفعل منذ يومين على الموقع الرسمي للبعثة الأممية، ضمن تفاهمات جرى التوافق عليها سريعًا، وشملت ستة بنود تم الاتفاق عليها في بداية المحادثات التي استمرت لخمسة أيام.

وعلى الجانب الآخر لم يتوصل الطرفان إلى تسوية نهائية بشأن الترتيبات المتعلقة بالمنطقة الوسطى في ليبيا، ممثلة في مدينة سرت وقاعدة الجفرة الإستراتيجية، وتشترط حكومة الوفاق وتركيا انسحاب قوات حفتر من سرت، والجفرة، لإنجاح إنجاح الهدنة الحالية، وهو ما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للتعليق على الاتفاق قائلًا: إنه «ضعيف المصداقية، وستظهر الأيام مدى صموده».

وبالرغم من أنّ الطرفين وقّعا في الاتفاق على التعهد بإخراج المرتزقة من ليبيا خلال 90 يومًا، إلا أنّ البند نفسه مقرون بالتوصل لاتفاق نهائي بوقف إطلاق النار، وهو ما يجعل الاتفاق الحالي في صيغة التهدئة أكثر من كونه اتفاقًا حاسمًا لمفاوضات المسار الأمني.

4- من أبرز الرابحين من الاتفاق الأخير؟

وعلى عكس الامتعاض التركي المُعلن من الاتفاقية، رحبت روسيا على لسان القائم بأعمال السفير الروسي في ليبيا بالتوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، ثم تبعه بيان من الخارجية المصرية وآخر من السفارة الفرنسية في ليبيا.

وتستفيد روسيا من قرار وقف إطلاق النار – غير المُلزم حتى الآن بإخراج المرتزقة من ليبيا – في إبقاء مدينة سرت آمنة ضد محاولات إسقاطها من قبل قوات حكومة الوفاق المعسكرة على حدودها، وتحاول روسيا الحفاظ على سرت من السقوط لسعيها إلى إقامة قاعدة عسكرية دائمة في الجفرة على غرار قاعدة «حميميم» في سوريا، بالإضافة لقاعدة بحرية في سرت الساحلية تضمن لها موطئ قدم شمال أفريقيا.

أما مصر فتبدو مستفيدة عسكريًا، كون الاتفاق على وقف إطلاق النار يعني تأخر بدء معركة إسقاط سرت، المعركة التي تهدد قلعة حفتر في الشرق، والتي يعتبرها السيسي أرضًا محرمة على قوات الوفاق وتركيا.

Embed from Getty Images

وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، مع محمد الحداد رئيس الأركان العامة الليبي، في 19 أكتوبر (تشرين الثاني) 2020

أمّا على الجانب السياسي، فتفعيل الاتفاق يمهد في حال اكتماله إلى استقالة السراج، وإشراك وجوه جديدة في الحكم، بما يضبط علاقات القاهرة وطرابلس، وهو التوزان الجديد الناتج عن الدور الحالي الذي بتقوم به مصر بجمع طرفي النزاع للوصول إلى صيغة نهائية في المسارات الثلاثة.

5- كيف تؤثر الاتفاقية على بقاء حفتر؟

لم تذكر الاتفاقية بنودًا تجبر اللواء حفتر على تقديم تنازلات يخسر معها أوراقًا ميدانية وسياسية، بل قد يستفيد منها باستكمال مسارات الحل السياسي الذي ينتظر أن يكون له فيها دورٌ مستقبلي في ليبيا.

وفي المفاوضات الأخيرة التي شملت المسار السياسي لحل الأزمة، لم تكشف الأمم المتحدة، ولا طرفا النزاع عن دور حفتر في المشهد الليبي مستقبلًا، على الرغم من امتلاكه لترسانة عسكرية، وسيطرته على مناطق شرق وجنوب ووسط ليبيا.

وفي الوقت الذي اعترض فيه فريقٌ من النواب مقربٌ من السراج من إشراك معسكر طبرق في المرحلة الانتقالية المرتقبة، خاصةً بعدما خسروا معركة طرابلس، أطلقت وزارة الدفاع المحسوبة على حكومة الوفاق تحذيرًا بشأن تحركات لقوات حفتر لإعادة اقتحام الغرب الليبي، وهي الورقة الفعالة التي طالما استغلها حفتر لإفشال أية هدنة، أو لتحقيق مكتسبات سياسية، وحتى الآن ما زال أمام حفتر عدة سيناريوهات جيدة للبقاء.

6- من المتضرر الأكبر من الاتفاق؟

قبل ساعاتٍ من إعلان الأمم المتحدة عن وقف إطلاق النار، كان نائب وزير الخارجية التركي في زيارة لروسيا لمناقشة تأثير التقدم في المفاوضات على التفاهمات الميدانية بين أنقرة وموسكو في ليبيا.

لم ترحب تركيا بالاتفاق كونه يُلزمها بوقف العمليات العسكرية، دون أن يوفر لحكومة الوفاق الضمانات الكافية لعدم إخلال الطرف الآخر بالتزاماته، وسبق لتركيا أن رفضت أي قرار يشمل وقفًا نهائيًا لإطلاق النار طالما أنه لا يضمن العودة إلى خطوط عام 2015، حين كان حفتر بلا شرعية ونفوذ، والاشتراط التركي يشمل الانسحاب من سرت والجفرة.

بالإضافة لوصول منظومتي دفاع جوية روسية من نوع «بانتسير» قبل شهور إلى سرت؛ تصعَّب مهمة الطائرات التركية المسيرة، مما يضع تركيا أمام أزماتٍ ميدانية، أبرزها أنه لن يكون بمقدورها الاقتراب من الشرق الليبي بسهولة نظرًا لوجود قواعد جوية فيها، ولأن دخول الشرق الليبي سيدفع مصر إلى تحرك أكبر في الساحة الليبية.

7- هل ينهي الاتفاق وَحده الأزمة الليبية؟

الاتفاق الأخير لا يعدو أن يكون حلقة من الحلقات التي أفرزتها الاجتماعات المكثفة التي استضافتها مؤخرًا المغرب، ومصر، وسويسرا، بهدف الوصول إلى اتفاق سياسي يقضي باختيار سُلطة تنفيذية جديدة تقود الترتيبات المتعلقة بإقرار الدستور، وتدير فترة انتقالية تنتهي بالدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية.

ومؤخرًا استضافة مدينة بوزنيقة المغربية محادثات بين وفدٍ من برلمان طبرق على رأسه عقيلة صالح، ووفد من المجلس الأعلى للدولة الليبي يرأسه خالد المشري، لحسم كيفية اختيار المناصب السيادية، ونصيب أقاليم برقة وفزان وطرابلس من هذه المناصب، وآلية اختيارها، وحظي هذا الاتفاق على دعم الولايات المتحدة، التي امتنعت عن فرض عقوبات على حفتر بالتوازي مع امتناع الأمم المتحدة عن إدانة عمليته العسكرية على طرابلس.

Embed from Getty Images

عقيلة صالح، رئيس برلمان طبرق

وإلى جانب المسار السياسي، استضافت مدينة الغردقة المصرية مباحثات المسار الدستوري بشأن ليبيا، برعاية الأمم المتحدة ومشاركة وفدي مجلسي الدولة ونواب طبرق، والتي تمحورت حول إمكانية الاستفتاء على مشروع الدستور الحالي من عدمه، إلى جانب بحث الخطوط العريضة لملامح الدستور الجديد.

وبينما توصل طرفي النزاع إلى ضوء صغير في المسار العسكري، يبدو حسم الأزمة الليبية أصعب بالنظر إلى العراقيل التي تُصعّب الوصول لاتفاق مماثل في المسارات الأخرى.

8- إلى أي مدى سيصمد الاتفاق؟

يرتبط نجاح الهدنة وصمودها بمدى توافق طرفي النزاع على تنفيذ البنود التي دخلت حيز التنفيذ من جهة، إضافة إلى مدى تطور المباحثات الأخرى على الصعيد السياسي والدستوري، وتتخوف الأمم المتحدة في أنه في حال عدم التوصل لاتفاق نهائي، فستعود الأزمة الليبية إلى مربع الصفر.

وترتفعُ أصوات في طرابلس بأنّ المعسكر الغربي الذي ربح المعركة العسكرية، على وشك خسارتها سياسيًا، تزامنًا مع الاستقالة الوشيكة للسراج في 31 أكتوبر (تشرين الثاني) كما تعهد قبل شهرٍ ونصف، في ظل انقسامٍ حادٍ تشهده العاصمة الليبية حول اختيار البديل وموقفه من معسكر الشرق.

بالنسبة للمسار السياسي، فاتفاق بوزنيقة قوبل بالرفض والاعتراض من قبل المجلس الأعلى للقضاء الذي رفض المساس بسيادته، وأعضاء من مجلس نواب طرابلس وحفتر، وقيادات في قوات عملية بركان الغضب التابعة للوفاق، وشخصيات سياسية نافذة أعربت مسبقًا رفضها لنتائج المشاورات، كما أنه لا يمكن تمريره إلا بموافقة ثلثي البرلمان، بحسب المادة 15 من اتفاق الصخيرات الموقع عام 2015 الذي نتجت عنه حكومة الوفاق.

تعقيدات المشهد السياسي في ظل إضرار المصالحة الليبية بالحسابات الإقليمية المتعارضة يجعل الاتفاق اطلاق النار هو الحلقة الأضعف في دائرة الصراع، كونه سيظل يشهد اختبارًا لصموده أمام كل خلافات تفرزها اجتماعات المسارات الثلاثة.

الربيع العربي

منذ شهر
فايز السراج.. الرجل الذي يمسك ساعة إيقاف الأزمة الليبية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد