في عصر تعددت فيه وسائل الإعلام بين مصادر الأخبار التقليدية من الصحف والتليفزيون إلى المواقع الإلكترونية إلى وسائل التواصل الاجتماعي إلى الرسائل التي تطاردك على هاتفك وعلى بريدك الإلكتروني، ينبغي أن تعي جيدا أن هؤلاء جميعًا يتنافسون على احتلال مساحة ما من عقلك الذي لا يجدر بك أن تتركه نهبا لكل ما يلقى إليه، هذه بعض الأسئلة ينصحك توم روزنستيل مدير مركزالصحافة الأمريكية وغيره من خبراء الإعلام بالإجابة عنها قبل أن تقرر أن تسلم عقلك لوسيلة إعلامية وتتلقى عنها الأخبار والمعلومات والتحليلات، بل حتى المعلومات وترشيحات المنتجات التي تستخدمها، هذه الأسئلة ببساطة تنقلك من دور المتلقي السلبي إلى دور المفكر الناقد الذي يقوم بتقييم الأمور وبالتالي تجعلك أقل عرضة للتضليل.

1- ما هو نوع المحتوى الذي تقرأه أو تشاهده؟

هل هو خبر مجرد أم تحليل للخبر أم مقال للرأي؟ أم رد على مقال رأي آخر؟ يحسن بك التفرقة أولًا بين المعلومات والحقائق اليقينية “الأخبار – الأحداث” وبين الآراء والتحليلات وربما أحيانًا الإعلانات المتناثرة حولها، حدد نوعية المحتوى بدقة، تعمد وسائل الإعلام كثيرًا إلى تقديم آرائها وتحيزاتها في صورة الحقائق اليقينية، وبالتالي تصدك تلقائيًا عن سماع وجهة النظر الأخرى أو الرواية الأخرى للحدث.


2- هل شاهدت الخبر في أكثر من وسيلة إعلامية؟


هذا هوالسؤال الثاني، هناك دومًا رواية أخرى للخبر أو الحدث، ابحث دومًا عن رواية الطرف الآخر في وسيلة الإعلام التي تمثله، رواية الحكومة كثيرًا ما تختلف عن رواية المعارضة، ابحث عن الطرف المقابل واستمع إلى الذي يقوله جيدًا فربما يكشف لك جانبًا خفيًا، خلاصة الأمر لا تعتمد في الإحاطة بالحقائق حول أحد الأحداث الجوهرية على رواية واحدة.

3- من يملك المحتوى الذي تقرأه أو تشاهده؟

والمقود هنا التوجهات المسبقة للصحفي أو الإعلامي الذي يقدم المحتوى سواء أكانت توجهات دينية أوأيدولوجية أو سياسية أو حتى شخصية، الأهم من ذلك هو توجه وسيلة الإعلام “الصحيفة – الموقع – القناة” سواء كان توجهًا معلنًا بتمثيل حزب أو تيار بعينه أو توجهًا مستبطنًا هو تابع بكل تأكيد لتوجهات ملاكها ومموليها، لذا اسأل دوما عمن يدفع المال، ابحث على الانترنت، وتأكد أنه في صناعة الإعلام فإن تأثير المال لا يمكن الاستهانة به مطلقًا.

 

4- هل تعرفت على الخط العام لوسيلة الإعلام التي تتابعها؟

ونعني هنا ما يلقبه صناع الإعلام بالتوجه العام أحيانًا والسياسة التحريرية أحيانًا أخرى، والمقصود أن لكل وسيلة إعلام منظور معين تتناول من خلاله الأخبار والأحداث والتغطيات والآراء، وهو خط سائد غالبًا يمكن تمييزه بسهوله في أغلب المقالات أوالبرامج، قد يكون خطًا عامًا أيدولوجيًا أو وجهة نظر سياسية أو حتى منظورًا مهنيًا، هناك وسائل إعلام مثلا تميل إلى اتخاذ خط مهني مناوئ للسلطات أو الحكومات باعتبارها مصدرًا دائمًا للفساد، المهم بالنسبة لك كمتابع أن تتعرف هذا الخط فهو يعني الكثير .

5- ما المصادر التي تنقل عنها وسيلة الإعلام؟

القناة أو الصحيفة ليست مصدرًا بذاتها، هناك دومًا مصدر للخبر أو المعلومة، أكثر المصادر وثوقا هي الدراسات والبيانات والتصريحات الموثقة التي يمكن للجميع الرجوع إليها ـ تميل الكثير من وسائل الإعلام إلى استخدام مصادر مجهولة لمعلومات وأخبار جوهرية تحت شعار “مصدر مطلع – مصدر سيادى – مصدر رفض الإفصاح عن نفسه” وهذا الأمر – وإن كان مقبولا من الناحية المهنية – إلا أنه يضعف كثيرًا من قيمة المعلومة أو الخبر، إلا إذا كانت مصادر الصحيفة أو القناة تحمل تاريخًا كبيرًا من المصداقية في أخبار وأحداث مشابهة.

معرفة المصدر يساعدك كذلك على تقييم المنظور الذي يتم تقديم الحدث من خلاله، فإذا كان المصدر جهة حكومية مثلا فإنه سيحرص على تقديم رواية لا تدين الحكومة أو تضعها موضع الشبهة، إذا كان المصدر جهة معارضة فإنها حتمًا سيقدم رواية تدين الجهات الرسمية وتصمها بالتقصير، الشخص المتضرر يحرص على المبالغة في إظهار تضرره، المتسبب في المشكلة سيكون حريصًا على التقليل من شأنها وهكذا.

 

6- ما هي الأدلة؟ وكيف يمكنك فحصها والتأكد منها؟

السؤال الأهم فيما يخص المصدر يتعلق بكيف وصل إلى المعلومة؟ هل من الطبيعى أن يصل شخص بهذه الصفة إلى معلومة بهذا المستوى؟، عندما يكون شخص ما مصدرًا لمعلومة تخص رئيس الوزراء مثلا فينبغي أن يكون على صلة به أو على الأقل بأحد المقربين إليه، عندما يكون شخص ما مصدرًا لمعلومة سرية تخص جهة أمنية أو استخباراتية أو حتى حزبًا أوشخصًا معينًا فلابد أن يكون ذا صفة أو حيثية تمكنه من الوصول لهذه المعلومة أو له على الأقل تاريخ من المصداقية مع مثل هذه المعلومات وإلا فإن أى شخص يمكنه ببساطة أن يقول أي شيء، هذا ما نعرفه بالدليل.

الدليل ببساطة هو قدرة المصدر أن يثبت أنه يمكن الوثوق بما يقدمه من معلومات، وطريقة حصوله عليها، هل شاهدها بنفسه وهل يمكنه إثبات ذلك؟ هل ينقلها عن جهة أخرى وهل يمكن الوثوق في هذه الجهة؟ هل يخمنها عبر الربط بين معلومات أخرى؟ هل يقيسها على أحداث سابقة ..

الأمر لا ينطبق على الأشخاص فقط بل حتى على التقارير، فحينما تنقل وسيلة إعلامية خبرًا وتنقله عن منظمات حقوقية مثلا، يمكنك فحص الدليل كالآتى: ما هي هذه المنظمات؟ كم عددها؟ هل تجمع على هذه الرواية؟ مصداقيتها؟ هل هي محلية أم دولية، وهكذا.

 

7- هل السردية أوالتفسير المقدم مثبت بالدليل؟

هذه هي المهمة الأصعب، قد يكون الخبر حقيقيًا والمصادر موثوقة والدليل متوفر، ولكن هذا لايعني بالضرورة أن وجهة النظر أوالتفسير أوالاتجاه الذي يقدمه المقال أو البرنامج هو الصواب، ببساطة قد تجري استنتاجات لا تدعمها الأدلة بما يكفي، فلا يعنى وقوع حدثين في نفس الوقت أنهما مرتبطين أوأن أحدهما بالضرورة نتيجة للآخر.

السؤال الذي ينبغى أن تسأله لنفسك ها هنا: هل هذا الاستنتاج منطقي أم أنه يحمل شيئًا من التعسف والخلل؟ السؤال التالي ألا يوجد استنتاج آخر محتمل؟ السؤال الثالث: هل وجهة النظر الأخرى ممثلة؟ وهل يمنح لها الوقت الكافي؟ السؤال الرابع: هل المعلومات مكتملة أم أن هناك مساحة من الفراغ يملأها الصحفي بالتحليل والتخمين؟


8- هل تزيد متابعة الإعلام من وعيك وقدرتك على تفسير الأمور وفهمها؟

هذا هوالهدف في النهاية، فليست المتابعة هدفًا في حد ذاته، تذكر دومًا أن التجزيئية أحد أهم اسراتيجيات التضليل، والتجزيئية تعني ببساطة أن تتابع يوميًا عشرات الأخبار والتحليلات المتناثرة وغير المترابطة والتي تصيب ذهنك بالتشتت، تابع الأخبار والأحداث الرئيسية وتأكد من فهمها جيدًا أولًا.

مع الوقت ينبغي أن يزيد عدد الأخبار والأحداث التي تشعر أنك قادر على فهمها وتفسيرها بنفسك، ينبغي أن تزيد قدرتك على تصنيف وسائل الإعلام أيضا فتزيد قدرتك على اختيار الوسيلة الأنسب لتغطية حاجتك إلى المعلومات في اتجاه معين، كذلك اتخاذ قرارات حاسمة بشأن وسائل الإعلام الجديرة بالمتابعة والوسائل التي لاتستحق أن تقضي وقتًا أمامها لأنك ستخرج خاسرًا من وقتك ووعيك كليهما.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد