أصبح حال الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة كحال زوجين يعانيان من مشاكل زوجية حادة.  وقد تنامى العداء بينهما بشدة، حتى أن الخطابات السياسية الآن باتت فرصًا يغتنمها السياسيون من أجل الإساءة إلى مرشحّي الحزب الآخر.

بل لقد بات هذا العداء منعكسًا على دوائر النقاش السياسي بشكل عام في المجتمع، سواء بين المعلّقين السياسيين في وسائل الإعلام الأمريكية، أو مع الأسف، حتى في النقاشات السياسية بين الأهل والأصدقاء‪. لقد أصبح من المعتاد الآن أن يحقّر الناس من وجهات النظر المخالفة لهم خلال نقاشات عادة ما تتسم بالحدّة الشديدة. هذا النمط من الخصومة، مع الأسف، يشكّل خطورة على الصداقات بين الناس، وخصوصا صداقات الرجال، حيث تتصدّر السياسة والرياضة مواضيع الحديث والاهتمام بينهم.

ويبدو أن البديل الحالي لهذا الخطاب الجدلي حول القضايا السياسية هو تجنب الحديث عن السياسة تمامًا. “لنبتعد عن الكلام في السياسة!”  أو ‪“let‪’s not talk politics‪!” لكم هو مُحزِن أن يكون ذلك حالنا في الولايات المتحدة.

فإن كنت ترغب بعدم السماح للنقاشات السياسية بأن تدمّر علاقاتك الاجتماعية (خاصة الصداقة بين الرجال)، فانتبه إلى النقاط الثماني التالية المدمرة للعلاقات:

1. السخـــــريــة

قد يتقبل البعض النغمة الساخرة المقللة من شأن “الآخر” عندما يستخدمها مذيعو التليفيزيون (كراشيل مادو على MSNBC أو أورايلي على Fox) ولكنهم نادرًا ما يتقبلونها من صديق أو زوج/زوجة.

لقد أظهرت أبحاث الزواج التي يقوم بها عالم النفس جون جوتمان على سبيل المثال أن استخدام الأسلوب الساخر تجاه آراء وتعليقات الطرف الآخر هو أفضل عامل منبّئ بحدوث الطـلاق! من المخيف تأمل ذلك. إن السخرية الدائمة والتهكّم من مواقف الحزب السياسي المعارض لك لن يحظى لك بأي فوز حقيقي على أرض الواقع، ولكنه قد يتسبب في أن تخسر أحبابك.

2. الاستـــماع الممْتَــــنِع

في أي حوار صحي فعال، تجد كلا الطرفين ينصت بانتباه إلى الطرف الآخر ويستقي المعلومات والمدخلات الجديدة حتى يتطور الأمر تدريجيًا إما إلى الإجماع على نقاط ما، أو العثور على حلول مبدعة لتخطي الخلاف.

على النقيض من ذلك، عندما يستمع الناس إلى بعضهم فقط بغرض الجدال والرد على آراء الطرف الآخر، تتولّد المشاعر السلبية وتزداد تدريجيًا عند كلا الطرفين. من الكلمات التي تعكس ذلك في الحوار أن تسمع “ولكن…، ولكن…، ولكن…!”، والتي من شأنها أن تنفّر الآخرين منك لأنها تشعرهم بأنك تمحوهم تمامًا، وهو إحساس لا يحبه أحد، أيا كان انتماؤه.

3. نظام اعتـــقاد ثابـــت

لا أحد يجد متعةً في خوض حديث سياسي مع شخص متأكّد أن لديه وحده كافة الإجابـات الصحـيحة.  فكلما ترسخّت المعتقدات وتحولت إلى مجموعة من الأفكار تحيطها جدران سميكة غير قابلة للاختراق، كلما قلّت قابلية الناس على إدخال أية معلومات لا تتفق مع تلك المعتقدات وتقرّ بها. إن أي نظام اعتقاد سياسي لا يسمح بأية مدخلات أو معلومات جديدة هو نظام بلا شكّ غارق في الأوهام، منتهي الصلاحية.  في المصطلحات السياسية نطلق على ذلك النظام الثابت كلمة “أيديولوجية”.

إن النقاش بين طرفين لكل منهما أيديولوجية ثابتة لا تتقبل المدخلات لا يلبث أن يتحول بسرعة إلى لعبة شدّ حبل يتقاتل فيها كل طرف لإثبات من على حق ومن على باطل، وذلك النوع من الجدال لا يسهم إلا في زيادة مشاعر العداء بين الناس. أما النقاش الصحي الذي يستفيد ويتعلم كلا الطرفين فيه من الآخر، تتوسع فيه المدارك وتزداد قدرة كل طرف على فهم أبعاد الموضوع بشكل صحي.

4. تجنب الحديث بتاتاً (“دعونا لا نتحدث في السياسة”)، أو منع الطرف الآخر من الحديث

هذا النمط من التعامل أراه حولنا بشكل متزايد، خاصة بين الأمريكيين الأصغر سنًا، وهو عدم وجود أي رغبة في السماح للطرف الآخر بإبداء رأيه. فعندما يبدأ أحدهم في التعبير عن رأي مخالف في جلسة ما، تجد من لا يقبل رأيه يغادر المكان وهو يبدي إحساسًا بالاشمئزاز أو الخوف، أو يقاطعه بصوت عالٍ كي لا يسمح له أو لأي صاحب رأي مخالف أن يعبر عن رأيه.

إن القدرة على التسامح مع الاختلافات والتعلّم منها ضروري للحفاظ على صداقات وزيجات صحية، وعلى مجتمع حرّ.

5. تشويه ما يقوله الجانب الآخر

يقوم العديد من الجمهوريين والديمقراطيين باستخدام الوقت المتاح لهم في وسائل الإعلام لتوبيخ معارضيهم على ما يدّعون أنه آراؤهم وأفكارهم. هذا التشويه الإستراتيجي الذي يراد منه النيل من الخصم، يجعل المتحدث نفسه في واقع الأمر يبدو كشخص غير جدير بالثقة.

إن تشويه وتغيير رأي الآخر يعدّ كذبًا، مما يجعل العديد من الأكاذيب من هذا النوع تعكس طبيعة الشخص الذي يقوم بالتشويه نفسه، لا الطرف الآخر.  فعندما تستمع إلى اتهامات من ذلك النوع، اسأل نفسك ما يدل عليه ذلك بخصوص الشخص الذي يطلقها.

6. الحديث نيابة عن الآخر (“هو يعتقد أن…”)

عندما يسترسل بعضهم خلال النقاشات السياسية في الحديث عن نية الطرف الآخر ودوافعه السلبية، يدفع ذلك الأهل والأصدقاء إلى النفور منه بشدة، خاصة إذا صاحَبَ ذلك ما بدا لهم أنه “سوء تفسير” لأفكار قائد سياسي يكنون له الاحترام، فيشعرون تبعاً لذلك أن أفكارهم سيتم سوء تفسيرها أيضا، مما يفقدهم الأمان في الاقتراب أكثر من شخص من هذا القبيل.

7. الحطّ من وجهات النظر المخالفة

استخدام الألفاظ السيئة لوصف الجانب الآخر يضرّ بالعلاقات الاجتماعية ويقطع المحادثات بين الناس سريعًا.  بينما، تأمل كيف أن الاستماع إلى وجهة نظر معارضة قد يكون فيه فائدة لك أكثر من الاستماع إلى من يوافقك الرأي.  إذا دخلت في حوار مع صديق يخالفك الرأي، وقال لك على سبيل المثال: “يجب أن ترتفع قيمة الضرائب حتى نتمكن من توفير مزيد من المساعدات للمحتاجين”، من الممكن أن تبدأ ردّك بالعبارة التالية: “أتفق معك في أن الكثير من الناس في هذه الدولة بحاجة إلى المساعدة.” فكلما زادت عبارات الاتفاق في الحوار كلما زادت ثماره وأصبح أكثر جدوى.

بعد أن تبدأ بنقاط الاتفاق ثم تسترسل في عرض وجهة نظرك الخاصة في الموضوع، احرص على استخدام ألفاظ تنم عن الإضافة (“و”، “بالإضافة إلى ذلك”.. إلخ)، وتجنب كلمات الاختلاف (“ولكن”.. إلخ).

8. تصاعد حدّة العواطف في الحديث

يتسم الحوار الودّي بين الناس بالنغمة المنخفضة اللطيفة. فإذا ازداد حسّ الخصومة بينهم، ارتفعت نغمة الصوت وتسارع تدفق الكلمات. إن هذا الصوت المرتفع والحديث المتسارع يفقد الإحساس بالأمان في العلاقات بين الناس. فكلما ازدادت عاطفة الغضب في أي حوار كلما قلت قابلية كل الأطراف على الاستماع إلى أيّ مما يقال.

إن محاولة الاستماع إلى نقطة ما يقولها شخص غاضب أشبه بمحاولة شرب الماء من خرطوم أو أنبوب إطفاء. هل جربت ذلك من قبل؟ لا تفعل، فهو أمر مؤلم.

الإنسان الغاضب يجعل من الصعب على غيره الاستماع إلى ما يقول، كما أنه يصمّ نفسه عن الاستماع إلى غيره نتيجة لتأثير الغضب عليه حيث يزداد إحساسه بقدسية أفكاره وهامشية أفكار غيره، فلا يرى ولا يسمع إلا نفسه.

المغزى من القصة

إن كنت ترغب في الحفاظ على علاقاتك الاجتماعية والعاطفية مع الاستمرار في الخوض في النقاشات السياسية، فعليك أن تذكّر نفسك باستمرار وبكثرة بأهمية أن تحافظ على برود أعصابك دائمًا.

لا تغلق أذنيك:  سيساعدك حسن الإنصات على إيجاد ما هو منطقي في ما يقوله الطرف الآخر. احترم ما يقولونه وأنصت إليهم مع افتراض الأفضل في وجهات نظرهم المخالفة لك.

أضِف أفكارك الخاصة بدون الانتقاص من أفكار غيرك: حافظ على نبرة صوت تتسم بالهدوء والمحايدة. تجنّب الجدال ومحاولة إقناع الآخرين أن ما تقوله هو الصواب، أو العناد. ضَعْ أفكارك بهدوء على طاولة الحوار واكتفِ بذلك. فإمكان الإنسان أن يقود حصانًا إلى الماء ولكن لا يمكن إجباره على الشرب.

أما إن كان هدفك هو إقناع الطرف الآخر بفكرة ما، فاحرص على التالي: قلّل من حديثك، وبدلاً من ذلك قمْ بطرح أسئلة.  ومن أكثر الأسئلة فاعلية هي تلك التي تبدأ بــ”كيف؟” أو “ماذا/ما؟”. على سبيل المثال: “ما هو العامل الأكثر أهمية بالنسبة لك عند اختيارك مرشّحك الرئاسي المقبل؟ ما هو مفهومك لما سيقوم به كل مرشّح بخصوص هذه المسألة؟ كيف تشعر حيال…؟”.

عندما يشرح الناس همومهم ومطالبهم يؤدي ذلك بهم عادة إلى إعادة تقييم أفكارهم بشكل أكثر فعالية من أسلوب مواجهتهم بمعلومات من طرفك. كما أن تفهُّم ما يؤرّقهم سيساعدك أنت شخصيًا على تركيز تعليقاتك وردودك على المعلومات التي قد تُحدِث فرقاً بالنسبة لهم.

إذا كنت تخوض في نقاش سياسي وتمكّنت من أن تصل إلى استنتاجات تجعل كلا الطرفين على حقّ بشكل ما، فقد حصلت على نجمة ذهبية.  لك أن تفخر بتلك النتيجة وأن تعلم جيدًا أن مهاراتك في النقاش السياسي قد تطورت بشكل يحافظ لك على علاقاتك مع الآخرين، وأنك الآن أصبحت عضوًا مساهمًا في النظام الديمقراطي الذي يتميز به بلدنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد