ukraine-map-composite.jpg (1000×701)

واشنطن بوست: ماكس فيشر

ما يحدث في أوكرانيا منذ 21 نوفمبر وحتى الآن هامٌ للغاية، لكنه أيضًا يمكن أن يكون محيرًا، ومستعصيًا على فهم من يعيشون خارج البلاد ولا يعرفون تاريخ الأزمة. من أجل ذلك، نجيب على بعض الأسئلة الأساسية، بإجاباتٍ لا تمثل عرضًا شاملاً أو نهائيًّا للقصة الأوكرانية، بقدر ما تقدم فقط بعض المعلومات الأساسية، حتى يستطيع أي شخص فهم ما يدور هناك.

 ما هي أوكرانيا؟

هي بلد تمتد جذوره التاريخية إلى آلاف السنين، وتقع جغرافيًّا في أوروبا الشرقية، بين روسيا وأوروبا الوسطى، مساحتها كبيرة، تقارب مساحة تكساس، وتعداد سكانها أقل قليلاً من ضعف سكان الولاية الأمريكية، ولطالما تميزت بتقاطعاتها بين “الشرق” و”الغرب”، وهي السمة التي امتدت وصولاً إلى الأزمة الراهنة.

لأوكرانيا تاريخ طويل مع القهر على أيدي القوى الأجنبية، حتى إن ذلك انعكس على اسمها، الذي يعتقد كثير من العلماء أنه يعني “المنطقة الحدودية”، ولم تصبح مستقلة إلا في عام 1991، بعد انفصالها عن الاتحاد السوفييتي عقب انهياره.

لماذا يحتج هذا العدد الكبير من الأوكرانيين؟

اندلعت الاحتجاجات عندما رفض الرئيس يانكوفيتش التوقيع على اتفاقية تؤدي إلى مزيد من التكامل مع الاتحاد الأوروبي، وكانت الاتفاقية تحظى بتأييد شعبي خاصة في كييف، ولذلك شهدت أكبر الاحتجاجات. لكنها لا تحظى بهذا القدر من الشعبية الذي ربما سمعتَ عنه، بنسبة لا تتعدى 42-43%.

بيدَ أن الأمر أكبر من كونه مجرد صفقة تجارية؛ حيث كان يُنظَر رمزيًّا إلى قرار يانكوفيتش باعتباره انعطافًا جديدًا بعيدًا عن أوروبا باتجاه موسكو، التي كافأت أوكرانيا بمليارات تحفيزية، ووعدٍ بصادرات أرخص من الغاز, بعدما قهرتها، أو حكمتها مباشرة، لأجيال، ومن ثمَّ يمكنكَ إدراك حساسية الوتر الذي يُضرَب عليه.

لكن الأمر كذلك أكبر من مجرد الجغرافيا السياسية؛ ويتماسَّ مع سوء إدارة يانوكوفيتش وحكومته للاقتصاد منذ تولي السلطة في 2010، والنظر إليهم باعتبارهم فاسدين، بل يعود الأمر إلى 2004، حين خرجت احتجاجات واسعة ضد فوز يانكوفيتش بالانتخابات الرئاسية، في ظل شكوك واسعة بشأن التزوير، وبالفعل نجحت في عرقلة وصوله للمنصب، فيما عُرف باسم “الثورة البرتقالية”، التي اعتبرت حينها أمرًا ذا بال. لكن ها هو قد عاد..

كانت الاحتجاجات تحتضر حتى 16 يناير، حين وقع يانكوفيتش على “قانون مكافحة الاحتجاج”، الذي قيَّد بشدة حرية التعبير ووسائل الإعلام (خاصة انتقاد الحكومة)، ما أعاد الاحتجاجات بروح انتقامية هذه المرة، ليس فقط في كييف بل أيضًا في عدد من العواصم الإقليمية، التي احتُلَّت في بعضها منشآت الحكومة.

سمعتُ أن الأمر يتعلق برغبة الأوكرانيين في إنشاء علاقات مع أوروبا، لكن حكومتهم تبيع هذا لصالح موسكو، فهل الأمر كذلك؟

هذا جزء من المشهد. صحيح أن كثيرًا من الأوكرانيين يريدون أن تكون بلدهم أوروبية بدلاً من ربطها بروسيا، كما يفعل يانوكوفيتش. وصحيح أن قرابة نصف الأوكرانيين يعربون عن رغبتهم في توقيع الاتفاق الأوروبي، لكن ثلث الشعب الأوكراني يفضل الاندماج مع الاتحاد الجمركي الأوراسي الذي تسيطر عليه روسيا؛ ومن ثمَّ فهناك انقسام حول المسألة أكثر مما كنتَ تعتقد.

الشيء الذي عليكَ إدراكه أن أوكرانيا منقسمة بشدة، لغويًّا وتاريخيًّا وسياسيًّا؛ فاللغة الأم لثلث الشعب هي الروسية، التي تُستخدم عمليًّا على نطاق أوسع يوميًّا، ويعيش الناطقون بها في شطر البلد، بينما يعيش المتكلمون بالأوكرانية في النصف الآخر.

ولا يتعلق الأمر فقط ببلدٍ ينطلق شقَّاها بلسانين مختلفين، بل بتبني كل فريق من أبنائها لسياسات مختلفة، ورؤى متباينة بشأن بلدهم.

ولمعرفة حجم الانقسام اللغوي والعرقي؛ تأمَّل الخارطتين الأوليَيْن أدناه، ثم تصفح نتائج الانتخابات الرئاسية عامَي 2004 و2010 في الخارطتين التاليتَيْن، لتدرك كم هي خطوط الانقسام متطابقة.

وغالبًا ما تؤطَّر هذه الصورة بحبلٍ مربوط بأوكرانيا، تجذبه موسكو من جهة، وأوروبا من طرفه الآخر، بل يشارك الأوكرانيون أنفسهم في ذلك بنصيبٍ كبير، عبر حرب الشد والجذب التي استمرت 22 عامًا بين الشطرين والهويتين.

كيف وصلت أوكرانيا إلى هذا الحد المُرَوِّع من الانقسام؟

لقرونٍ تعرضت أوكرانيا للغزو والتقسيم بأيدي القوى المجاورة: البولنديون والنمساويون، والأهم الروس، الذين لم تقتصر رغبة قادتهم على حكم أوكرانيا، بل أرادوا جعلها روسية، صحيحٌ أن الإثنية الروسية تمثل فقط سدس أوكرانيا الآن، إلا أن البصمة الثقافية الروسية أعمق من ذلك بكثير، ولا يعود ذلك فقط إلى أن كثيرًا من الأوكرانيين يتحدثون الروسية كلغة أولى.

حينما أصبح الأوكرانيّ القوميَ، فيكتور يوشينكو، رئيسًا عام 2005، “كان قرابة 60% من البرامج التلفزيونية بالروسية، و40% بالأوكرانية”، بحسب صحيفة ك. س. مونيتور. وبحلول وقت مغادرته المنصب في 2010 “انعكست هذه النسبة تقريبًا”.

كما أن البلد منقسمة بيئياًّ، بين سهوب فائقة الخصوبة في الشرق وغابات في الغرب، وهو خط الانقسام الذي يتطابق تمامًا مع نظيره اللغوي والسياسي الموضَّح في الخرائط أعلاه.

الأمر يزداد تعقيدًا، فهل يمكننا أخذ استراحة موسيقية؟

فكرة عظيمة.. دعنا نستمع إلى ميكولا ليسينكو، الأوكرانيّ القوميّ، الذي أصبح نجمًا كبيرًا بحلول موعد وفاته في 1912، وأحبَّ دمج الألحان الشعبية الأوكرانية في مؤلفاته. كانت حياة ليسينكو تمثل امتدادًا تاريخيًّا، بطول قرنٍ من الزمان، لأزمة اليوم؛ حيث كانت أوكرانيا حينها جزءًا من الإمبراطورية الروسية التي دفعت الملحنين والموسيقيين للاقتصار على استخدام اللغة الروسية، بينما رفض ليسينكو، وكان ذلك يعني أن أعماله لا يمكن أبدًا عرضها في موسكو. ولأن مرسومًا قيصريًّا في عام 1876 حظر استخدام الأوكرانية في الطباعة، اضطر ليسينكو إلى طباعة عشرات من أعماله سرًّا في الخارج. لذلك اعتبره الأوكرانيون بطلاً حين موته، وأصبحت موسيقاه محل اعتزاز معاصريه أمثال بيوتر تشايكوفسكي.

أفهم أن روسيا حكمت أوكرانيا في الماضي، لكنها لم تعد كذلك. فلماذا أسمع الكثير حول دورها في كل ما يحدث؟

أظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدوانية شديدة في دفع أوكرانيا لرفض اتفاق الاتحاد الأوروبي، تضمنت التهديد بفرض عقوبات اقتصادية، آملا أن تنضم أوكرانيا بدلاً من ذلك إلى الاتحاد الجمركي الأوراسي بقيادة موسكو، والذي يتألف من عدد قليل من دول الاتحاد السوفييتي السابق، وفي عامَي 2004 و2006، عندما كان يوشينكو الموالي للغرب في السلطة، أغلقت روسيا صادرات الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا بسبب خلافات سياسية، ما ألحق أضرارًا جسيمة بالاقتصاد.

لكن مثلما يأخذ بوتين، فإنه يعطي أيضًا.. بعد بضعة أسابيع من رفض يانوكوفيتش اتفاق الاتحاد الأوروبي، عرض بوتين على أوكرانيا حزمة تحفيز بقيمة 15 مليار دولار، وتخفيضًا على أسعار الغاز الطبيعي الروسي نسبته 33%، وهو ما يصعب على يانوكوفيتش الابتعاد عن أحضان بوتين، لا سيما بالنظر إلى مقدار السخط الشعبي الذي يثيره فقر الاقتصاد.

لماذا هذا الاهتمام الروسي الكبير بأوكرانيا؟

هناك أسباب سطحية؛ تتعلق بعمق التواصل الثقافي، ورغبة بوتين في البقاء بالقرب من هذا البلد ذو التاريخ المشترك، وموطن هذا العدد الكبير من الروس، فضلاً عن الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية؛ كون أوكرانيا مصدرًا للغذاء ومعبرًا لصادرات الطاقة الروسية، بجانب اهتمام بوتين باتحاده الأوراسي الذي يعتبره إرثه الشخصي.

لكن ثمة أسباب أعمق؛ ذلك أن أوكرانيا ترسم، أو تكسر، صورة روسيا كقوة عظمى، التي تبدو سيئة منذ سقوط جدار برلين، أو كما كتب المحلل السياسي، دان دريزنر، في فورين بوليسي: “روسيا بدون أوكرانيا دولة، لكنها بأوكرانيا إمبراطورية”، فحتى إذا لم يتمكن بوتين من ضم أوكرانيا، فإنه يرغب في إبقائها بعيدة عن الاتحاد الأوروبي.

هناك شكوك في روسيا أن الغرب لا يمانع تدمير روسيا، وهذا جزء من أسباب معارضة موسكو لأي تدخل غربي في أي بلد آخر يمكن أن يمثل سابقة لهجوم مماثل على روسيا يومًا ما. هذا هو السبب – رغم أنه يبدو سخيفًا – الذي يجعل بعض خبراء الأمن يميلون إلى التأكيد على أهمية أوكرانيا لروسيا باعتبارها حاجزًا دفاعيًّا.

لماذا لم تُصلِح الولايات المتحدة أو أوروبا الأمر؟

بإمكان الدول الغربية الضغط على يانكوفيتش لوقف ممارساته الاستبدادية منذ بدء الأزمة، لكن معظم القوة تتركز في يد بوتين والأوكرانيين، لذلك ليس واضحًا ما يمكن للغرب القيام به. ويكمن الخطر في أن أي عمل غربي قوي بما يكفي لإحداث فرق، يعتبر مخاطرة بإحداث رد فعل عنيف من شأنه أن يجعل الأمور أسوأ. فإذا أصبح الغرب عدوانيًّا جدًّا في دفع يانوكوفيتش، ومن ثمَّ شرق البلاد، فإن النصف الذي يواجه روسيا قد يرى في ذلك تدخلاً أجنبيًّا لا يختلف كثيرًا عن التدخل الروسي.

في نهاية المطاف، تتمحور القضايا الأعمق هنا حول اقتصاد أوكرانيا المضطرب وهويتها الوطنية المعقدة، وبالطبع يمكن للدول الخارجية – بما فيهم روسيا – المساعدة في التحدي الأول، أما الثاني فالأوكرانيون وحدهم بإمكانهم تسويته.

أنا قفزتُ إلى النهاية، فما الذي سيحدث بعد ذلك؟

تراجَع البرلمان عن معظم قانون الاحتجاج الذي أغضب الناس كثيرًا، وأصدر أيضًا عفوًا شاملاً عن المتظاهرين شريطة مغادرة المباني الحكومية التي احتلوها، وبعدما وضع الرئيس الروسي مساعدات مالية بقيمة 15 مليار دولار على طاولة الانتظار، أصبح أسهل على يانكوفيتش الابتعاد عن بوتين والعودة إلى الاتفاق الأوروبي.

لكن الاحتجاجات لا تزال تنتشر بسرعة، حتى في المناطق الشرقية الناطقة بالروسية. بل إن الأزمة الراهنة تتعلق بأكثر من مجرد اتفاقٍ أوروبي أو انقسامٍ ثقافي أو حتى بقانونِ مكافحةِ احتجاج، وإن كانت كل هذه النقاط تضافرت لتصل بأوكرانيا إلى هذه النقطة.

بعد شهرين من التعامل مع الأزمة، أصبح يانكوفيتش محاصرًا في زاوية ضيقة جدًّا، وهناك ثرثرة بين المحللين، في موسكو وواشنطن، حول حرب أهلية قد تشتعل إذا ما أصيب يانكوفيتش بالذعر واستدعى الجيش لتفريق المظاهرات، وهو الاحتمال الذي يبدو بعيدًا للغاية في هذه المرحلة. أما الأكثر ترجيحًا أن تتوصل الحكومة وقادة المعارضة إلى اتفاق، وتشهد انتخابات فبراير 2015 تصويتًا ساحقًا ضد يانكوفيتش، لكن طرح احتمالية نشوب حرب أهلية على مائدة النقاش، يدل على درجة من القلق الدولي، وعدم اليقين بشأن القادم في أوكرانيا.

 ترجمة وعرض: ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد