تعيش الأحزاب المتمردة بأوروبا منذ الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 وضعًا أفضل لم تمر به منذ الحرب العالمية الثانية، كما تحولت شعبيتهم لسند قانوني عام 2014 بنتائج انتخابات البرلمان الأوروبي الذي يضم في عضويته 28 دولة والتي مثلت صدمة أن يشهد الاتحاد الأوروبي صعودًا للمشككين في الوحدة الأوروبية والمجاهرين بعدائهم، ما يجعل من العسير الاتفاق على جملة من القضايا.

وتلعب الأحزاب المتمردة بين يسار ويمين على غضب الناس وشعورهم بالقلق حول الهجرة، وفقدان الهوية الأوروبية واتخاذ موقف مضاد للاتحاد الأوروبي، لأنه يمنع البلدان من الدفاع عن قومياتها وحدودها أمام النازحين – ما زاد مع الأزمة السورية – ورفض إجراءات التقشف التي تفرضها الحكومة على شعبها بعدما شجعتهم على الاقتراض وتوريط البنوك فيما سمته المشروع الأوروبي على مدار خمس سنوات، دفع فيهم البسطاء الثمن من ضرائب وبطالة، والحقيقة الوحيدة هنا أن الاتحاد الأوروبي لم يجد ردا على هذه المشاكل وسط محاولات المتمردين الظهور بشكل “محترم”.

ففي سبتمبر 2015 تشكلت أول حكومة مناهضة لإجراءات التقشف باليونان مع حزب “سيريزا” اليساري المتشدد، ومنذ أول العام تتضخم المسيرات المناهضة للمسلمين بألمانيا وامتدت منها للسويد، وفي هولندا يطلق زعيم حزب الحرية على القرآن” الكتاب الفاشي”، والإسلام “دينًا شموليًّا” في حين يصمم حزب الاستقلال البريطاني على ترك الاتحاد الأوروبي، وحتى إن كان لا يبيع الوهم لما بعد الاتحاد فإن العولمة وزيادة الهجرة نتائج طبيعية للتقدم، وحتى إن تباينت أيديولوجيات الأحزاب المتمردة فيما بينها وفقا للتقاليد والمحرمات، لكن الدعوة موحدة من جميع هذه الأحزاب هي أن أوروبا المتحدة انتهت وعلى الوضع أن يتغير.

الدنمارك: حزب الشعب الدنماركي (The Danish People’s Party)


يعتبر حزب الشعب الدنماركي أكثر الاحزاب اليمينية الدنماركية تطرفًا، ولكن على عكس المعروف عن حزب يميني متطرف فقد تعاون الحزب ودعم الحكومات الدنماركية المحافظة في الماضي، كما كان أقل انحيازًا للجماعات العنصرية مقارنة بالأحزاب اليمينية المتطرفة في باقي أنحاء أوروبا، وعارض الخطابات المنادية بتسهيل الهجرة لأوروبا، ورفض تأسيس مجتمع من المهاجرين بالدنمارك وتحوله لمجتمع عولمي مثل المجتمع الأمريكي.

حسب استطلاعات الرأي، فالحزب يحقق مستوى تاريخيًّا من الشعبية وصلت حتى 20% ما جعل من الصعب استمرار وقوفه خلف الحزب الاشتراكي الحاكم بعدما اقتربت شعبيتهم، ورغم استعداد الدنماركيين للصدمة، لم يكن الائتلاف الحاكم يتوقع أنه في يونيه 2015 مع انتهاء فرز الأصوات في الانتخابات العامة؛ أن يغلب ائتلاف الأحزاب المعارضة وعلى رأسها الشعب الدنماركي بزعامة رئيس الوزراء السابق لارس لوك راسموسين، على ائتلاف يسار الوسط بزعامة رئيسة الوزراء هالي ثورنينغ شميدت، ليصبح حزب الشعب الدنماركي المعارض للهجرة، ثاني أكبر حزب في البرلمان
بنسبة 21.1%. ويبدأ سعيه بقوة القانون للسيطرة على تدفق اللاجئين
.

فرنسا: حزب الجبهة الوطنية (National Front)


يمثل الجبهة الوطنية بفرنسا حزب الأغلبية بالبرلمان بنسبة 27% وحزب اليمين المتطرف المعادي لدور الاتحاد الأوروبي وللهجرة، وقد حقق الحزب شعبية واسعة مؤخرًا وضعته بالمقدمة مع “الحزب الاشتراكي” الذي ينتمي له فرانسوا أولاند، و”حزب الاتحاد المحافظ من أجل حركة شعبية” الذي ينتمي له ساركوزي.

تشبه القصة في فرنسا نفسها في أماكن أخرى؛ فهي دولة تعاني من ارتفاع عدد المهاجرين بها ومن تدهور الوضع الاقتصادي بها نتيجة انضمامها للاتحاد الأوروبي – وهو ما يرفضه الحزب المتطرف – ما أدى لارتفاع كبير في عدد داعميه، وبعد هجمات شارلي إبدو في فرنسا أظهرت نتائج استطلاعات الرأي مخاوفَ من قدرة الجبهة الوطنية على تحقيق مكاسب سياسية بسبب معاداته للمسلمين خاصة مع حصاده الأغلبية في انتخابات البرلمان الأوروبي العام الماضي، وبروز زعيمته مارين لو بن كواحدة من أهم الوجوه في سباق الانتخابات الرئاسية عام 2017 بعدما هدأت من نبرة التطرف ضد اليهود التي استخدمها والدها جيان- ماري لو بن لسنوات.

اليونان: سيريزا (SYRIZA)


الجميع تقريبا كان يراقب أخبار اليونان منذ بداية العام بسبب إجراءات التقشف الصارمة التي فرضها صندوق النقد الدولي، ومن هنا كانت النتيجة التالية متوقعة؛ فحزب “سيريزا” اليساري الراديكالي عام 2009 كانت شعبيته 5% وصلت إلى 16% بانتخابات عام 2012، وانتهت إلى 37% في الانتخابات العامة يناير 2015، وشكل الحكومة الائتلافية الجديدة ويبدو أنهم نجحوا.

حملت الانتخابات مؤشرات ترجيح اليونانيين كفة سياسة أليكسيس تسيبراس مع بداية الأزمة اليونانية، وقوامها رفض المؤسسات والمقاومة الرمزية لأوروبا على كفة المقاومة الفعلية للاتحاد الأوروبي، مغرقا جمهوره بخطاب اشتراكي معاد للرأسمالية ويبدي دائما الغضب والتوعد والتهديد، ورفض شروط المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي.

أيرلندا: شين فين الجمهوري (Sinn Fein)


شهد حزب “شين فين” ارتفاعًا كبيرًا في نسبة المؤيدين لسياسته في السنوات الأخيرة أمام انهيار حزب العمل، ويسير الحزب اليميني بزعامة آدمز الحزب، وهو اليوم يتحدث من منصة تشريعية قوية بعدما فاز حزبه بالانتخابات العامة للمرة الثالثة بنسبة 19% وأصبح الحزب الرابع داخل البرلمان، وزاد من عدد مقاعده في الانتخابات المحلية العام الماضي مستفيدًا من انهيار حزب العمل الاشتراكي.

ويعتمد “شين بين” في خطابه على مكافحة سياسات التقشف التي يروج لها اليسار، والتقليل من قدرتها على حل الأزمة الاقتصادية لسنوات، ومناشدة الأيرلنديين ترك السياسات التي أضرت بحياتهم طويلًا.

هولندا: حزب الحرية (Freedom party)


الحياة الحزبية داخل هولندا مثيرة للاهتمام، مع انهيار كل من الوسط اليميني وحزب العمل لصالح حزب يسار الوسط المعروف باسم “الديمقراطيين 66″، وحزب “الحرية” اليميني الليبرالي المتطرف.

ويشبه حزب “الحرية” الأيرلندي حزب “الجبهة الوطنية” الفرنسي ويتبنى موقفًا معاديا للإسلام وللاتحاد الأوروبي والمهاجرين الأجانب، حتى إنه يرفض انضمام دولة مسلمة كتركيا للاتحاد الأوروبي، ويرفض القوميات ويستند منهجه إلى التراث اليهودي المسيحي بأوروبا، وجعله موقفه الداعم لزواج المثليين وحده على عكس باقي الأحزاب اليمينية بأوروبا، وحصل حزب الحرية اليميني، بزعامة غيرت فيلدرز ذي الأفكار المتطرفة ضد الإسلام؛ على أربعة مقاعد في البرلمان الأوروبي الحالي بنسبة 14.3%.

إسبانيا: بوديموس (PODEMOS)


قبل بضع سنوات لم يكن لحزب “بوديموس” وجود على الإطلاق، لكن الآن تتساوى شعبيته مع الحزب الشعبي الحاكم، فقد حقق حزب بوديموس تقدمًا بالانتخابات البلدية والإقليمية الإسبانية مايو 2015 بنسبة 15.9%، ما مكنه من ترؤس بلديتي برشلونة ومدريد وهدد بنهاية هيمنة الحزب المحافظ على الحكم وإدارة الشأن السياسي.

الحزب الإصلاحي، والذي يدرجه الكثير تحت قائمة اليسار بسبب قياداته؛ هزم الحزب الحاكم حين اهتم بمطالب الشعب، فدعا في برنامجه الانتخابي إلى تأميم القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وضمان الدولة لأجور المعيشة، وقانون يمنع الشركات الرابحة من فصل موظفيها، ومراجعة المواطنين للدين العام، وبالإضافة لهذه المطالب التقدمية فالحزب معروف أيضا بآرائه الحادة ضد العولمة وطغيان الأسواق منذ إعلانه حزبًا قانونيًّا عام 2014.

السويد: حزب السويد الديمقراطي (Sweden Democrats)


حزب السويد الديمقراطي هو حزب يميني متطرف يكافح بشكل مستمر من أجل الانتخابات العامة، وتزيد قوة داعميه كل عام حتى حقق نسبة 21.2% بالانتخابات الأخيرة وأصبح الحزب الثالث داخل البرلمان، واحتل 49 مقعدًا، ما اضطر حزب العمال الديمقراطي الاشتراكي الأول داخل البرلمان للتحالف مع الحزب المعتدل لضمان سيطرته على التشريع في البرلمان.

يعد حزب السويد الديمقراطي ليِّنًا في توجهه لكسب التأييد الشعبي، مثله مثل باقي الأحزاب اليمينية المتطرفة بالدول الإسكندنافية، فتخلى مؤخرًا عن نبرته القومية المحافظة والقريبة من النازية لكنه لا يزال رافضًا القوانين الميسرة لعملية الهجرة ويرفض الشروط التي تحكم عضوية السويد بالاتحاد الأوروبي، كما أنه دعم الرسوم المسيئة للرسول والتي نشرتها صحيفة دنماركية وحاول إعادة نشرها.

بريطانيا: حزب الاستقلال (UKIP)


نجح حزب “الاستقلال” البريطاني في التقدم بالانتخابات البرلمانية الأوروبية جنبًا إلى جنب مع الجناح اليساري واليميني الراديكالي بأوروبا، وبالمقارنة مع بعض أحزاب اليمين المتطرف الأخرى فإن الحزب أكثر اعتدالًا منهم بشكل ملحوظ، فرغم أنه مُعادٍ للهجرة ويطالب بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أن نبرة القومية والعنصرية لديه منخفضة.

يعرض حزب الاستقلال نفسه كحزب شعبي ومحافظ على حد سواء، ويشغل حاليا 22 مقعدًا في البرلمان الأوروبي ومقعديْن في مجلس العموم البريطاني، مما جاء تهديدًا لحزب العمال الحاكم خاصة مع هروبه من تصنيف “يميني فاشي خالص” ليظهر فقط كحزب يعمل على حماية الهوية الإنجليزية من مهاجري أوروبا الشرقية.

ألمانياحزب ألمانيا القومي الديمقراطي (NPD)

يأتي حزب ألمانيا القومي تحت ظاهرة النازية الجديدة حيث يعتمد في أيديولوجيته على أفكار مأخوذة من النازية، خاصة الإيمان بقيادة ديكتاتورية والنظرة السلبية إلى الأقليات والتمسك الشديد بالقومية الألمانية، فيقسم الحزب الشعوب على أساس العِرق ويتم استبعاد كل من لا ينتمي إلى هذا الشعب الألماني، مثل المهاجرين من الأفارقة والأتراك، ومثل اليهود القاطنين في ألمانيا، وكل من لا تعود جذوره إلى هذا الشعب، لأن الانتماء القومي بالنسبة إليهم يقوم على أساس رابطة الدم لا على أساس الاختيار الحر.

حزب ألمانيا القومي هو الحزب الوحيد الملاحق أمنيًّا، وحاولت الحكومة حظره عام 2003 بسبب تظاهراته العنيفة التي تثير الأمن، وعنصريتهم ضد إحياء ذكرى الهولوكوست، أو رفضهم الوقوف حدادًا على ضحايا النازية داخل البرلمان، وأنشطتهم العسكرية غير المعلنة. لكن الشعبية التي حققها لن تمنع توقف العنف وهو الآن الحزب المسيطر على مدينة درسدن، وحقق في الانتخابات الأخيرة نسبة 1.3% ومقعدًا لألمانيا داخل البرلمان الأوروبي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد