في خطاب هو الأوّل من نوعه لرئيس أمريكي أمام الجمعية العامّة للاتّحاد الإفريقي، دعا الرئيس باراك أوباما، في 27 من يوليو الماضي، قادة وزعماء الدّول الإفريقية “المخضرمين” إلى التّنحي عن السّلطة بعد انتهاء ولايتهم، واحترام قواعد الديمقراطية وعدم تعريض بلدانهم للخطر، وقال أوباما بأن: “لا أحد يجب أن يبقى رئيسًا مدى الحياة”.

حديث أوباما، الذي تزامن مع انتخابات بوروندي، التي شهدت إعادة انتخاب بيير نكورونزيزا رئيسًا للبلاد لولاية ثالثة، خلّف موجة استياء عارمة في صفوف “ديناصورات السّياسة” في القارّة السّمراء، الذين رأوا فيه تدخلًا سافرًا في شؤون الآخرين وجهلًا فظيعًا بخصوصيّة كل بلد على حدة، ومن هؤلاء الزعماء أصدقاء مقربون من الولايات المتحدة والغرب عمومًا.

في هذا التقرير نضع بين يدي القارئ قائمة تضم أبرز تسعة رؤساء أفارقة حكموا بلدانهم لأكثر من عقدين من الزمن، وفيهم من لم تعرف البلاد رئيسًا غيره، وقد صنفتهم المنظمات والهيئات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان في مراتب متدنّية كأكثر الأنظمة فسادًا وانتهاكًا للحريات.

1- تيودورو أوبيانغ نجيما مابوسو: (غينيا الاستوائية)

 

 

يأتي رئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نجيما على رأس القائمة، ليحلّ محلّ الزّعيم الليبي المقتول معمر القذافي (أمضى 42 سنة في الحكم)، نجيما يحتفل هذا العام بمرور الذكرى 36 لتوليه مقاليد حكم المستعمرة الإسبانية السابقة، بعد إطاحته بنظام الحاكم السابق، وأول رئيس لغينيا الاستوائية بعد استقلالها عن إسبانيا، فرانسيسكو ماسياس نغوما سنة 1979 في انقلاب دموي انتهى بإعدامه رميًا بالرصاص.

تحول نجيما، مع مرور السنوات، إلى ديكتاتور شرس لا يتورّع عن قمع معارضيه ورميهم في غياهب السجون دون محاكمات، بالإضافة إلى سجلّه الأسود فيما يتعلق بحقوق الإنسان والتضييق على حرية الصحافة والفساد الإداري، ليُصنّف حسب المراقبين والمهتمّين بالشّأن الإفريقي كأحد أسوأ أنظمة الحكم في إفريقيا وأكثرها فسادًا.

يتهمه خصومه باختلاس مبالغ مالية كبيرة فاقت 700 مليون دولار من المال العام، هي في الأصل عائدات بيع النفط الخام الذي تتوفر عليه البلاد بكميّات معتبرة، وقد تم تحويلها بإشراف شخصي منه إلى حسابات سرّية في بنوك أجنبية من خلال شركات وهمية أسّسها لهذا الغرض. وقد تم إنفاق مبالغ هامة منها في شراء عقارات في أوروبا وأمريكا، بالإضافة إلى سيارات فخمة وطائرة.

وكانت السلطات الفرنسية قد حجزت سنة 2011 مجموعة من السيارات الفارهة، كانت بحوزة ابن الرئيس تيودورين، قُدّرت قيمتها بحوالي 17,8 مليون يورو، في حين يعيش المواطن الغيني في فقر مدقع بدخل يومي لا يتعدى دولارين اثنين، في ثالث بلد منتج للنفط الخام إفريقيًّا بعد نيجيريا وأنغولا، والذي يفترض أن تقارب فيه حصة الفرد من الناتج الداخلي الخام نظيرتها في إسبانيا.

 

2- جوزيه إدواردو دوس سانتوس: (أنغولا)

 

استلم حكم أنغولا سنة 1979، بعد أربعة أسابيع فقط على تولي نجيما حكم غينيا الاستوائية، ليكون بالتالي ثاني أقدم رئيس في القارة.

 

ما يجمع بين الاثنين هو توفر بلديهما على احتياطات كبيرة من النفط الخام، تتولى استغلاله شركات أمريكية وأخرى صينية. وهو ما سمح للرئيس دوس سانتوس بتثبيت أركان حكمه في بلد عاش حربًا أهلية ضارية دامت 27 سنة، خرجت منها البلاد منهكة اقتصاديًّا واجتماعيًّا. يعد المسؤول عن تعيين مجلس الوزراء والوزراء. كان الرئيس ينتخب بدون منافسين في ظل نظام الحزب الواحد، ليتم تعديل الدستور سنة 1992 الذي حدد ولاية الرئيس في خمس سنوات قابلة للتجديد. وتم إجراء أول انتخابات تعددية في تاريخ البلاد، آلت نتائجها لصالح دوس سانتوس.

ينتهج دوس سانتوس سياسة قمعية رهيبة عبر فرض قيود صارمة على التجمعات والمظاهرات ولا يتردد في اللجوء إلى القوة والعنف لردع معارضيه حسب ما جاء في تقرير لمنظمة العفو الدولية: “فُرضت قيود على حرية الاجتماع في شتى أنحاء البلاد، واستخدمت الشرطة القوة المفرطة في بعض الحالات لتفريق المظاهرات والقبض بصورة تعسفية على متظاهرين وصحفيين”.

وتشهد البلاد، منذ سنة 2011، حركة احتجاجية مستمرة للتنديد بسياسة الرئيس القمعية والأوضاع الهشة التي تعيشها البلاد لكنها غالبًا ما تنتهي بسرعة بسبب اعتماد النظام على شرطة فعالة وسريعة لمنع كل محاولة للتظاهر في أنغولا.

3- بول بيا: (الكاميرون)

 

 

يحكم بيا قبضته على الكاميرون منذ سنة 1982، بعدما تمكن من السيطرة على المعارضة وإقصائها من المشهد السياسي الكاميروني. قام بتعديل الدستور لمرتين (1972 و1996) حتى يضمن لنفسه الاستمرار في رئاسة البلاد.

يمضي معظم وقته في الخارج بعدما تمكن من مراكمة ثروة طائلة فاقت 200 مليون دولار، رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد، التي تصنف ضمن البلدان الأكثر فسادًا في العالم حسب منظمة الشفافية الدولية. أعيد انتخابه سنة 2011 لولاية سادسة بنسبة أصوات بلغت 77,9 بالمائة قابلها معارضوه بالتشكيك في نزاهتها ومصدقيتها.

4- يوري موسيفيني: (أوغندا)

 

جاء إلى الحكم على ظهر دبّابة سنة 1985، بعد إطاحته بحكم الجنرال تيتو أوكيلو. ومنذ ذلك التاريخ وموسيفني هو كل شيء في أوغندا، فهو: رئيس البلاد ووزير الدفاع وقائد الجيش. أعيد انتخابه سنة 1996 ومع قُرب نهاية ولايته القانونية المحددة في دستور 1995، قام سنة 2005، بتعديل المادة التي تحدد فترة حكم الرئيس في ولايتين لتصبح فترة غير محددة، وبالموازاة قام بإقرار نظام سياسي تعددي لإسكات معارضيه وذر الرماد في عيونهم.

خلال فترة حكمه تفشت ظاهرة الفساد على أعلى المستويات، مما أثار قلق المانحين الدوليين وعلى رأسهم البنك الدولي الذي نبه سنة 2011 إلى المشاكل المتربصة بالاقتصاد الأوغندي، والتي قد تكلفه كثيرًا، بسبب سوء الإدارة والفساد.

 

 

 

 

 

 

 

 

5-     روبرت موغابي: (زيمبابوي)

يعد هذا الشيخ التسعيني، ثاني رئيس للبلاد منذ أن نالت استقلالها سنة 1980، جاء إلى الحكم يجُرّ خلفه تاريخًا نضاليًّا مشرفًا في الدفاع عن استقلال البلاد عن بريطانيا، والقضاء على التمييز العنصري وإعادة توزيع أراضي البيض على السكان الأصليين. لكن توالي السنوات التي قضاها في الحكم سرعان ما حولته إلى طاغية من العيار الثقيل، بعدما قام بإبادة أزيد من 2000 شخص ينتمون لأقلية ندبيلي Ndebele في ثمانينات القرن الماضي، بعدما اتهمهم بالانشقاق عن سلطته.

 

استطاع مراكمة ثروة مالية بلغت 10 مليارات دولار، حسب ما أورده موقع ذا ريتشست، بفضل سرقته لمخزون الماس في بلاده، التي تعد أفقر دولة إفريقية بعد الكونغو الديمقراطية. يصفه خصومه بغريب الأطوار والمهرج بسبب تصرفاته وطريقة لباسه المبتذلة.

تم انتخابه لولاية سادسة قبل عامين، ويشغل الآن منصب رئيس الاتحاد الإفريقي، رغم اعتراض بعض الأعضاء على ترشيحه نظرًا لتوتر علاقته مع الغرب، بعدما تم منعه سنة 2002 من ولوج دول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى العقوبات الأمريكية المفروضة على حكومته منذ سنة 2003 بدعوى ممارسة العنصرية، وفي نفس العام تم تعليق عضوية البلاد في منظمة الكومنولث.

 

 

 

6- عمر حسن البشير: (السودان)

 

هو الزعيم العربي الإفريقي الوحيد ضمن قائمة الديناصورات الأكثر تمسّكًا بالحكم. لم تعرف السودان طيلة فترة حكمه التي جاوزت الربع قرن، أي نهضة اقتصادية أو اجتماعية تذكر، إنجازه الشخصي الوحيد هو احتفاظه بمنصبه على رأس الدولة، في حين كانت المنطقة تعيش في أتون ربيع عربي حارق أتى على أنظمة شمولية عتيدة، لم يتوقع لها أكثر المتفائلين أن تصير إلى ما صارت إليه، كما حصل لنظام القذافي في ليبيا، وبن علي في تونس، ومبارك في مصر.

تعامل بوحشية مع المتظاهرين الذين خرجوا للمطالبة برحيله في مسيرات حاشدة سنة 2013، فسقط منهم 200 قتيل برصاص أجهزة الأمن، ليطل الزعيم، الذي لا يمل من الرقص بعصاه، ليقول للعالم قولته الشهيرة: “لا ربيع عربي بالسودان”.

في عهده شهد السودان حروبًا أهلية عدّة، خصوصًا في الجنوب عام 2005 ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق، انتهت بتوقيع اتفاقية نيفاشا التي مهدت لتفتيت البلاد وميلاد دولة جديدة حملت اسم دولة جنوب السودان في التاسع من يوليو عام 2011.

دون أن نغفل أيضًا المعارك الطاحنة بإقليم دارفور التي قتل فيها أزيد من 300 ألف شخص وتشريد مليونين آخرين عن ديارهم. وهو ما جعل المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو أوكامبو، يُصدر في حقه مذكرة توقيف دولية في 14 يوليو 2008، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة، كما اتهمه أيضًا باختلاس مبالغ مالية تصل إلى 9 مليارات دولار من أموال الدولة أودعها في حسابات أجنبية. ليكون بذلك أول رئيس مطلوب للعدالة وهو في سدة الحكم.

أعيد انتخابه شهر أبريل الماضي لولاية أخرى مدتها أربع سنوات.

7- إدريس ديبي: (تشاد)

 

رابع رئيس لدولة تشاد، تولى السلطة سنة 1991، بعد أن قام بطرد سلفه حسين حبري، الذي عمل مستشارًا له للشؤون العسكرية، وقبلها قائدًا عامًا للقوات التشادية.

يوصف ديبي بالديكتاتور الدّاهية، بسبب النهج الذي يسلكه في تعامله مع خصومه ومعارضيه الذين تمكّن من احتوائهم عبر مبادرات الصلح أو من خلال إغراء ممثليهم في العواصم العالمية، إذ يقربهم ويغدق عليهم المال ثم يتخلى عنهم لتشويه سمعتهم وبالتالي تسقط قيمتهم في أعين الشعب.

يعد حليفًا إستراتيجيًّا لفرنسا في المنطقة، خصوصًا مع تنامي مد الإسلاميين جنوب الصحراء، فكان خير نصير للقوات الفرنسية، بعد إرساله لحوالي 2400 جندي للمشاركة في العمليات العسكرية في مالي سنة 2013، كنوع من رد الدين بعدما سبق للجيش الفرنسي أن تدخل لصالح ديبي سنة 2008 ضد مليشيا المعارضة التي كانت على مشارف القصر الرئاسي.

انتخب لفترة رئاسية رابعة سنة 2011 وسط رفض شعبي واسع توّج بإطلاق تحالف  «Trop c’est trop»  احتجاجًا على سوء إدارته للبلاد وتردي الأوضاع المعيشية للمواطن التشادي.

 

8- أسياس أفورقي: (إريتريا)

 

لم تعرف إريتريا غيره رئيسًا منذ أن نالت استقلالها عن إثيوبيا سنة 1993، يستمد مشروعيته من نضاله الطويل ضد الاحتلال، الذي دشنه في ستينيات القرن الماضي لدى عودته من أديس أبابا وتأسيسه للجبهة الشعبية لتحرير إريتريا سنة 1977 بعد الانشقاق عن جبهة التحرير الإريترية.

 

سجله كديكتاتور حافل بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتضييق على الحريات، فهو لا يسمح بتنظيم انتخابات ولا يؤمن بالتعددية الحزبية، ويعد حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحاكم هو الحزب الوحيد في البلاد منذ الاستقلال، ولم تجر أي انتخابات حتى الآن. ولا يوجد برلمان ولا نقابات ولا أي مؤسسة من مؤسسات الدولة الحديثة.

اتهمته منظمة “مراسلون بلا حدود” بتحويل إريتريا إلى أكبر سجن في العالم، احتفالًا باليوم العالمي للصحافة سنة 2013.

9- حيى جامع: (غامبيا)

 

 

هو رئيس أصغر دولة من حيث المساحة، وصل إلى الحكم عن طريق انقلاب أطاح بأول رئيس للبلاد بعد الاستقلال داودا جاوارا سنة 1994. ظل على رأس مجلس عسكري لمدة سنتين، لينتخب رئيسًا سنة 1996، ومنذ ذلك الحين وهو يُجدّد في منصب رئيس الجمهورية.

تعرض في 30 من ديسمير الماضي لمحاولة انقلابية فاشلة، نفذها نقيب سابق في الجيش الغامبي يدعى لامين صانع، عمل رئيسًا سابقًا للحرس الرئاسي. وقد تمكنت القوات النظامية من السيطرة على الوضع وتصفية منفذي العملية وعقلها المدبر.

يحتل جامع المركز 16 كأكثر الحكام استبدادًا في العالم حسب تقرير لمجلة فورين بوليسي الأمريكية سنة 2010.

 

المصادر

تحميل المزيد