في التاسع من سبتمبر (أيلول) الحالي، زار وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، جمهورية مالي التي لم يكن قد مر على الانقلاب فيها الشهر الواحد؛ إذ كان من المفاجئ أن يكون أوغلو من أوائل الشخصيات الأجنبية التي تُقدم على هذه الزيارة وتلتقي مع زعيم المجلس العسكري، العقيد عاصمي جويتا، وأعضاء آخرين في لجنة إنقاذ الشعب الحاكمة في البلاد.

وقد نظر في أمر لقاء جاويش أوغلو مع قادة المجلس العسكري على أنه نوع من إضفاء الشرعية على التغير السياسي الذي حدث، وأنه بعيد عن خط تشكك الدول الغربية في هذا الانقلاب، فسرعة تواصل أنقرة مع قادة الانقلاب دون أن تفعل ذلك فرنسا، التي تواصلت مباشرة مع قادة انقلاب عام 2012م، كان تحركًا حمل عدة رسائل نوعية، أبرزها أن أنقرة تعني بعدم إضاعة فرصة تعميق علاقتها مع قادة البلاد الجدد، بغية ربما الاستفادة الاقتصادية في البلاد التي تتمتع بموارد طبيعية، وتعزيز العلاقات  السياسية؛ إذ تعهدت أنقرة بمساعدة مالي على العودة للنظام الدستوري،  فتلك فرصتها لملء الفراغ الذي قد يتركه تحميل الماليين لفرنسا مسؤولية الوضع المتدهور لبلادهم. 

مالي.. بلد الانقلابات

مع حلول يوليو (تموز) 2020 «بلغ السيل الزبى» بالنسبة لسكان مالي الذين عانوا من تدهور الخدمات الاجتماعية، والفساد، وانتشار العنف بين الطوائف، ومن تفاقم عمليات الإرهاب ضدهم.

لذا عجل هؤلاء للاستجابة إلى دعوة  ما يعرف بحركة «الخامس من يونيو» (منظمة جامعة تضم عددًا من مجموعات المعارضة ويتزعمها الإمام محمود ديكو، الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى في مالي) للمشاركة في عصيان مدني هدفه الضغط على الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا،  الذي بقي على مدار سبع سنوات من توليه الحكم عاجزًا عن حل مشكلات البلاد من وجهة نظر معارضيه.

لقد كانت دوافع  الماليين للنزول إلى الشوارع كثيرة، فهم من عانوا من  سوء الإدارة والمحسوبية والفساد والفقر، وسوء التعامل مع جائحة كورونا. كانت تلك المشكلات قائمة مع أعمال العنف التي ضربت البلاد، بالإضافة لزيادة قبضة الانفصاليين على المقاطعات الشمالية.

دولي

منذ شهر
بلد الانقلابات الديمقراطية.. هل تأتي الدبابة بالحرية للمرّة الثانية في مالي؟

وبلغت الاحتجاجات الذروة مع إعلان الانقلاب في 18 أغسطس (آب) الماضي؛ إذ أجبر عدد من الضباط كيتا على تقديم استقالته عبر التليفزيون الوطني، وهو الانقلاب الذي جاء في بلد شهد أربعة انقلابات عسكرية منذ استقلاله عن فرنسا عام 1960م، واعتبرت مشكلته الرئيسة هي الأمن، فالانقلاب الذي وقع في عام 2012م – على سبيل المثال – كان بسبب تمرد الحركة الوطنية لتحرير أزواد في الشمال؛ أي إن جوهر الفشل هو عدم القدرة على استتباب الأمن في البلاد.

وقد دفع هذا الوضع الدول الأوربية نحو استثمار مواردها العسكرية، وذلك خشية من التداعيات على مستوى المنطقة بسبب تنامي عدم الاستقرار، ففي بلد يعد ثامن أكبر بلد في القارة الأفريقية، ويبلغ عدد سكانه 19 مليون نسمة، ولا يمتلك أي منفذ على البحر، بدأت بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام عملها في عام 2013م، وكذلك كان من بين القوى المساهمة مجموعة الساحل الخمسة، وهي شراكة إقليمية أنشئت في عام 2014م تضم خمسة آلاف جندي من بوركينا فاسو، وتشاد، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، وكذلك كان للولايات المتحدة الأمريكية دور صغير في مالي.

فرنسا.. المستعمر التقليدي

في 24 من مارس (آذار) عام 2019م، وبينما كان سكان قريتي «أوجوساجو» و«ويلنجارا» اللتين يقطنهما مواطنون من عرقية الفولاني في وسط مالي، يقضون وقتهم كما اعتادوا في رعي الماشية، باغتهم نحو 50 رجلًا يقودون دراجات نارية بقتل كل شيء يتحرك في المكان، وسكب البنزين على الكهوف والممتلكات والضحايا.

 الآلاف يشاركون في تجمع للمعارضة في باماكو

لقد كان مشهد الرؤوس المقطوعة والجثث المتفحمة الأكثر دموية منذ بدأ الصراع في مالي، قتل 115 شخصًا على الأقل من النساء والرجال والأطفال والشيوخ على يد هؤلاء المسلحين الذي ارتدوا زي صيادي الدوجون، لتسجل هذه المجزرة الحلقة الأكثر فتكًا في حلقة العنف الممنهج ضد رعاة الفولاني، الذين أُجبروا على الفرار من أراضيهم، ومن جهة أخرى تأكد الماليون من أن قضاء الفرنسيين ثماني سنوات في بلادهم تحت مسمى «مكافحة الإرهاب» لم يفد بلادهم؛ إذ استمر العنف مع  الوجود الفرنسي وأصبحت مالي مأهولة بالعديد من المجموعات المختلفة التي استغلت الوضع في أن تجعل القتال أكثر صعوبة.

يعود الوجود الفرنسي في مالي إلى ما خلفته محاولات الطوارق العرقيين في صحراء مالي الشمالية  والجماعات العربية بتأسيس دولة انفصالية في العام 2011م؛ إذ أخذ نطاق وصول هذه الجماعات يتسع في جميع أنحاء مالي حتى أصبح الشمال ملاذًا للجماعات المتطرفة دينيًّا، وهو ما مهد إلى انقلاب ربيع عام 2012م، الذي أطاح الرئيس أمادو توماني توري، وأتاح لفرنسا أن تكون أول دولة تقيم روابط مع الإدارة الجديدة في البلاد.

دولي

منذ 10 شهور
حرب السنوات السبع المنسية.. ماذا يفعل الجيش الفرنسي في مالي؟

عجلت باريس حينها نحو استثمار مواردها العسكرية في مالي لمكافحة الإرهاب في شمال البلاد، ثم في عام 2013م كان التدخل العسكري اللاحق لباريس في البلاد، والمتعلق بعملية «سيرفال»، التي كانت نتيجة لقرار أممي  بإعلان الحرب على المتطرفين والانفصاليين في مالي، والتي ارتفع فيها عدد الجنود الفرنسيين فوق 5800 جندي، ولم يحقق هذا الوجود الفرنسي أي استقرار للبلاد، بل عجت البلاد بالأسلحة، وزاد نشاط  الحركات الدينية والعرقية المسلحة في الشمال، وهو وضع دام حتى بعد توقيع اتفاق السلام عام 2015م بقرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمساعدة حكومة مالي المؤقتة؛ إذ تدخلت فرنسا في عملية التوصل إلى اتفاق سلام بين الحكومة والجماعات المسلحة الشمالية.

نتيجة لما سبق، تفاقم شعور السكان بأن باريس تعد بلادهم محمية فرنسية، وأنها تعتمد استعمارًا جديدًا مقنَّعًا في صورة تدخل إنساني، ونظروا إلى تحركاتها بوصفها أدوات لإعادة ترسيخ نفسها بصفتها قوة دولية في منطقة الساحل والصحراء من خلال البحث عن فرص لإنشاء قاعدة عسكرية، وقد كان شعور فرنسا بكره الماليين لها هو السبب في عدم تدخلها في حماية كيتا إثر الانقلاب.

الآن، تواجه فرنسا، التي أكدت أن عملية «برخان» التي تقودها قواتها في مالي لمحاربة الجماعات المسلحة في الساحل مستمرة بعد الانقلاب، عدة تحديات، أولها احتمالية أن يتسبب الوضع السياسي المجهول في ردع أي دعم إضافي من الدول التي حرصت باريس على انخراطها في عمليات  الساحل، وكذلك عدم معرفة  ميول اللجنة العسكرية التي نفذت الانقلاب، خاصة في ظل تأكيد وجود ضباط معارضين لسياسة فرنسا التي دعمت كيتا.

وتذكر «لوفيجارو» الفرنسية أن: «الضربات التي يمكن أن تلحق بالفرنسيين هناك قد تكون موجعة للغاية؛ لأن الوجود الفرنسي غير مرضيٍّ عنه، وقد انتُقد مرارًا، مع تنامي المشاعر المعادية للفرنسيين التي يغذيها الشك في أن المستعمر السابق يتدخل في شؤون البلاد»، وتابعت الصحيفة: «الانقلاب السياسي في باماكو يمثل نكسة للعملية الفرنسية، وبالتالي يجب إعادة النظر في استراتيجية باريس بأكملها، لأن النجاحات التي تحققت الأشهر القليلة الماضية معرضة للضياع، بعد أن عبأت فرنسا الدول الأفريقية – ومالي في مقدمتها – من أجل الحرب ضد  الجماعات الإرهابية».

هل تستطيع تركيا أن تأخذ محل النفوذ الفرنسي؟

بقي كيتا يحسب على أنه حليف للفرنسيين برغم عدم رضاهم عن أدائه السياسي، وبرغم ذلك كان عهد هذا الرئيس المالي محطة جيدة للعلاقة بين باماكو وأنقرة؛ إذ افتتحت تركيا سفارتها في العاصمة المالية عام 2010م، وزار الرئيس التركي طيب رجب أردوغان البلاد للمرة الأولى في عام 2018م.

أوردغان يحمل أصغر أبناء سفير مالي في أنقرة محمد علي إبراهيم

لكن ما سبق لن يعني أن أنقرة منحت تاثيرًا كذلك الذي لباريس في مالي؛ إذ ظلت جهودها مقيدة بسبب عدم حصولها على نفوذ داخل المؤسسة الحاكمة المالية والمجتمع المدني، وكذلك لم تملك أنقرة أي نفوذ خاص بها  في مؤسسة الجيش المالي، فقد اقتصرت مساهمتها في أمن البلاد على ضابطي شرطة فقط.

الأهم، أنه بعد الانقلاب الأخير في مالي، أثيرت قضية علاقة تركيا بالإمام محمود ديكو، صاحب النفوذ الواسع الذي اندلعت الاحتجاجات المالية بعد توجيهاته، وأظهر عداءه الواضح للفرنسيين، بينما تعده باريس، بسبب تعليمه الوهابي، وهابيًّا يقبل بالتحاور مع المتطرفين.

عربي

منذ شهرين
إعادة نظر لما حدث.. إليك خريطة النفوذ الأجنبي في لبنان

 ويذكر تقرير موقع «المونيتور» الأمريكي أن: «المزاعم بشأن دورٍ لتركيا في انقلاب مالي استندت إلى علاقات لديكو مع تركيا، على اعتبار أن ديكو ساعد أنقرة في تأمين قطعة أرض لها في باماكو لبناء مسجد تشرف عليه تركيا، كما أن لدى الإمام علاقات مع حركة (الرؤية الوطنية) الإسلامية في تركيا، والتي سبق أن أشاد بها الرئيس أردوغان».

ويضيف الموقع: «أنه ليس ثمة علاقات واضحة بين قادة الانقلاب العسكري في مالي وتركيا، فقد تلقى قائد المجلس العسكري الذي تزعم الانقلاب، العقيد أسيمي جويتا، تدريباته العسكرية في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، وعندما اختطفت ميليشيات مسلحة جويتا في 2012م، كان للإمام ديكو دور في إطلاق سراحه، وحتى يقال إن جويتا أحد مريدي الإمام ديكو».

يقول الباحث في الشأن الأفريقي، عباس محمد صالح لـ«ساسة بوست»: «هناك موجة تكالب جديدة على النفوذ والهيمنة بين القوى الكبرى، يمكن قراءة سياق صراع بين قوى استعمارية تقليدية، وهي فرنسا، وبين قوة صاعدة، وهي تركيا، التي غدا صعودها رُهابًا حضاريًّا لكافة القوى الغربية وترى فرنسا أنها تقود صراعًا بالوكالة عن أوروبا لعرقلة ذلك الصعود التركي.

دولي

منذ 8 شهور
«تسقط فرنسا».. لماذا تتصاعد المشاعر المعادية لباريس في أفريقيا؟

ويوضح عباس أنه بالنسبة لفرنسا فإن النفوذ التركي المتصاعد في أفريقيا يشكل تهديدًا وتحديًا راهنًا ومستقبلًا، سيما وأن تركيا بدأت في نمط انخراط يهدد ثوابت المصالح الفرنسية، ألا وهو دخول سوق التسلح في الدول الفرانكفونية، كما في النيجر مؤخرًا، حيث تلعب تجربة التدخل العسكري في ليبيا لمساندة حكومة الوفاق، عاملًا مهمًّا في استعراض القدرات والخبرة العسكرية التركية أمام بلدان تلك المنطقة التي تحصد فشل الرهان والاعتماد على فرنسا. 

ويضيف عباس: «فضلًا عن الصراع بين أنقرة وباريس في ميادين أخرى، مثل ليبيا في شرق المتوسط، فهذا الأمر يجعل صراع النفوذ التركي – الفرنسي ينتقل إلى الساحل الكبير، حيث الارتباط الوثيق بين تحركات تدخلات البلدين ونتائجها يبدو شديد الوضوح».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد