تبدو الحجج المدافعة عن إدماج جماعة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية معروفة جيدًا. هم يلتزمون بشكل جيد بالأسس الصحيحة للممارسة الديمقراطية، وهم أول من يتبادر إلى الذهن حين الحديث عن الحركات الإسلامية المعتدلة القادرة على استيعاب واحتواء موجة المنظمات الجهادية. كما أنهم قدموا أنفسهم بقوة كأحد الطرق الإبداعية لزيادة المناعة الإقليمية في مواجهة الإرهاب. نحن نختلف مع هذه الأطروحات الثلاث طالما أن جماعة الإخوان المسلمين ترفض إدخال تغييرات عميقة وجذرية على توقعاتها لنفسها، وللمجتمعات التي تنشط فيها، وطريقة تصورها لمستقبلهم. في أحد أطروحاتنا المستقبلية حول هذا الموضوع سوف نناقش بالتحديد لماذا نختلف مع هذا الطرح، ولكن في الوقت الراهن، علينا أن نلقي نظرة على التطورات الأخيرة في النقاش داخل جماعة الإخوان المسلمين، للوقوف على المعضلة الحالية للجماعة، وكشف إذا ما كانت هناك تغييرات متصورة في المرحلة المقبلة.

من الواضح أن الأزمة السياسية التي أسفرت عن إسقاط الرئيس السابق محمد مرسي في مصر قد كشفت عن التناقضات الداخلية داخل هيكل الجماعة. الحملة التي لا هوادة فيها على كوادر التنظيم، الحظر القانوني ومصادرة الأصول، الرفض الشعبي والعزلة التي تعانيها من قبل الجمهور المصري، واعتقال أبرز القيادات؛ كل هذه العوامل جعلت بروز الأزمة الداخلية إلى السطح أمرًا لا مفر منه.

وكانت النقطة المركزية في النقاش الدائر داخل أروقة الجماعة هي محاولة تفسير كيف تم إنهاء حكم الجماعة لمصر منتصف عام 2013 بعد عام واحد فقط بهذه الخاتمة المأساوية. كان هناك وجهتان متعارضتان للنظر، نسبت إحداهما الانهيار إلى أخطاء تم ارتكابها من قبل القيادة، بينما رأى البعض أن المؤامرة كانت كبيرة لدرجة أنه لا يمكن هزيمتها. ذهب هذا الجدال مباشرة نحو مناقشة البنية الداخلية للجماعة، وعبر عن نفسه في صورة صراع أجيال بين أولئك الذين يلقون باللوم على القيادة وأولئك الذين حاولوا صياغة تفسيرات ذاتية وموضوعية للأزمة.

وسيكون من الخطأ الجسيم محاولة فهم أزمة جماعة الإخوان المسلمين في ضوء هذه المعطيات والشروط. صراع الأجيال هو تفسير مضلل. والحقيقة أن النقاش كان بين أولئك الذين يدافعون عن الطبيعة السياسية للجماعة، وبين المنادين بالعودة إلى دور الدعوة وأسلمة المجتمع من خلال العمل التربوي والاجتماعي.

طبيعة المرحلة التي تعيشها الجماعة هي التي حسمت نتيجة الجدال قبل أن يبلغ نهايته، وكان من الصعب أن يفوز الداعون للعودة إلى الدعوة في حين أن معظم الأعضاء الجدد للجماعة انضموا إليها إبان الاضطرابات السياسية وأحداث الثورة في عام 2011، وفي الوقت الذي تتعرض فيه الجماعة للقصف بنيران السلطة السياسية. في الواقع، فإن هذا هو مصير أي جدال حول دعوات عدم تسييس الجماعة.

وكان جوهر الأزمة من وجهة نظر المعسكر المنادي بالحفاظ على الدور السياسي للجماعة هو الدفاع عن استمرار المواجهة السياسية مع النظام الجديد في القاهرة، وهو الاتجاه الذي يلقى ترحيبًا لدى الصقور في مكتب الإرشاد، القيادة العليا للجماعة، الذين يدعمون خط المواجهة السياسية، ولكن من الإنصاف أن نقول أن المعنى الحقيقي للدفاع عن الطبيعة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين لم يكن يتعلق بمجرد أن تحافظ الجماعة على طبيعتها السياسية. لم يكن النقاش يتعلق بطبيعة المنظمة بقدر ما كان يتعلق باستمرار سياسات الصقور في مكتب الإرشاد.

وحتى الآن، لا تزال الجماعة تضيع أكبر فرصة لإصلاح هيكلها الداخلي، ولا تزال أوهام المعسكرين المتنازعين تطغى على القضايا الحقيقية التي ينبغي مناقشتها. لم يكن ينبغي أن تركز المناقشات حول الدور السياسي في مقابل دور الدعوة، بقدر ما كان ينبغي أن تركز على طبيعة الدور السياسي الذي لعبته الجماعة خلال السنوات الأخيرة، لتحديد الأخطاء وتشكيل مقاربة صحيحة حول طبيعة الدور السياسي الذي يفترض أن تلعبه في المستقبل. سواء أكانت ستحذو حذو حركة النهضة التونسية أو ستواصل ممارسة نفس مسار الإقصاء السياسي والاستبعاد لجميع القوى السياسية الأخرى.

بدلا من منافشة الأخطاء التي ارتكبها الجميع من القيادة سواء المتطرفون أو المعتدلون، من الكبار والصغار، منذ قرار الدعم والمشاركة في ثورة 25 يناير 2011، ولحظات الحوار مع النظام السابق، وسلسلة الممارسات الانتهازية التي يعلمها أعضاء الجماعة جيدا، تم إحباط هذا النقاش من خلال تحويله، عن غير قصد في معظم الأحيان، لقضايا سطحية مثل العمر والبيروقراطية الداخلية.

لو كان النقاش داخل الجماعة قد تعلق بتتبع تحليل خطوط سيرها المتعرجة خلال العقود الماضية ربما كانت الأخطاء الحقيقية قد تكشفت، مثل النظرة الشمولية للقيادة حول الجماعة ورسالتها. إلا أن الانحراف في طبيعة المناقشة قد نتج عنه خلل جسيم في تحديد خط المواجهة استنادًا إلى ذات النظرة.

وظهر هذا جليا في نتائج الانتخابات الداخلية للجماعة التي أجريت في نوفمبر وديسمبر الماضيين، وتم الانتهاء منها في يناير. وأسفرت نتيجتها عن تغييرات هيكلية طفيفة، شملت تحرير الخلايا المحلية من الارتباط الصارم بالأوامر التنفيذية للقيادة، وبعبارة أخرى تم إعادة تعريف دور القيادة الآن في إعطاء الأوامر العامة، بينما تترك أساليب تنفيذ هذه التعليمات لبراعة الخلايا المحلية.

تم إعطاء هذا التغيير اسمًا كبيرًا هو “اللامركزية التنظيمية”، ولكنه في حقيقته مجرد تغيير تجميلي. وكانت القيادة تعمل بالفعل بهذا الشكل لمدة عامين تقريبًا نظرا لتغييب أفرادها خلف القضبان وعدم قدرتهم على متابعة تنفيذ تعليماتهم. تم إعفاء بعض الشخصيات المثيرة للجدل من مسؤولياتهم وأحضرت وجوه جديدة إلى الواجهة، جميعهم ينتمون إلى خط المواجهة أو إلى المتطرفين في القيادة.

كان هذا واضحًا في إبعاد محمود حسين الذي كان يقود معظم أنشطة الجماعة من مقره في تركيا، وانتخاب أحمد عبد الرحمن بدلا منه. عبد الرحمن، المعروف بقربه من نائب المرشد العام خيرت الشاطر، سيرأس مكتب الأزمة الذي تم تشكيله في تركيا ويتكون من 11عضوا، 4 من داخل مصر، وثلاثة أعضاء من المقيمين في قطر، وعضوين مقيمين في تركيا وواحد من كل من السودان وماليزيا، وأعلن تشكيل المكتب في 5 أبريل.

بالطريقة الحالية التي تسبر بها الأمور، يمكننا القول أن الجماعة ليست على وشك عبور الأزمة. ومن أجل ذلك، يحتاج أعضاء الجماعة لإخضاع كل الممارسات والمواقف والسياسات المطبقة خلال العقود القليلة الماضية من قبل قادة الجماعة إلى نقد تحليلي عميق جدا.

ومع ذلك فيبدو أن نفس الخط الانتهازي لا يزال هو القائد، كما يتضح ذلك من التصريحات الأخيرة لجمال حشمت أحد القادة التاريخيين للجماعة.

وألمح حشمت مؤخرا أن الجماعة هي في الواقع أشبه ما يكون ببندقية للإيجار، وقال إننا في الواقع قلقون من تسلل الشيعة إلى مصر وبناء تجمعاتهم الخاصة (الحسينيات)، مضيفا: “إن علاقتنا بالمملكة العربية السعودية كانت دوما تاريخية باستثناء فترة الملك عبد الله، الذي أنتج سياسات لم تكن تخدم المصالح الوطنية للمملكة”.

في الواقع إن حشمت كان يعلن أن جماعته تعرب عن استعدادها ضد دور وهمي لإيران في مصر، من أجل إظهار قدرته على خدمة السعوديين. أسئلة على شاكلة رفع درجة الاستقطاب الطائفي في المنطقة يبدو أنها لم تخطر بذهنه، وكان هذا مثالًا صغيرًا حول تعرج الانتهازية السياسية للقيادة التقليدية، واستعدادها لفعل أي شيء تراه يخدم صالح الجماعة، متجاهلة أن صالح الجماعة ينبغي أن يستند إلى مجموعة من المبادئ السياسية القابلة للتغيير.

الثورة الحالية داخل جماعة الإخوان المسلمين نجحت فقط في الحفاظ على بعض الممارسات القديمة مع بعض التغييرات السطحية التي تم صناعتها لاستيعاب موجة الانتقادات الداخلية، مما أسفر في النهاية عن المأساة الحالية التي تعيشها الجماعة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد