هل يمكننا تخيل العالم دون اكتشاف النار أو اختراع العجلة؟ بالمثل، هل يمكننا تخيل كيف سيكون المسرح في العالم بأسره دون إسهامات هنريك إبسن؟

كان هذا سؤالًا طرحه الكاتب والناقد الإنجليزي مايكل ماير في مستهل السيرة الذاتية التي كتبها عن المسرحي النرويجي هنريك إبسن.

إن كنت لا تستطيع تخيل شكل العالم بدون تلك الاكتشافات والاختراعات العلمية الهامة التي قد غيرت وجهه إلى الأبد؛ فيكفينا أن نعرف أنه كان لإبسن مثل هذا التأثير على المسرح. قبل إبسن كانت المأساة المسرحية لا تحدث إلا في قصور وقلاع الملوك والأمراء؛ فمثلًا كانت تحدث المأساة لأمير شاب مثل هاملت، أو لملك عظيم كالملك لير، أو على أقل تقدير لأفراد العائلات النبيلة كعائلتي مونتاغ وكابوليت اللتين ينحدر منهما بطلا مسرحية شكسبير التراجيدية الشهيرة روميو وجولييت.

المسرحي النرويجي هنريك إبسن

كانت إضافة إبسن الأبرز للمسرح العالمي هي أنه قد استطاع نقل المآسي من ردهات القصور والقلاع الفارهة إلى غرف المعيشة البسيطة لأفراد الطبقة المتوسطة. وبذلك استطاع إبسن أن يجعل من الناس العاديين أبطالًا تراجيديين وانتزع صفة البطل التراجيدي من علية القوم؛ فهو قد واجهنا – نحن القراء العاديين – بمآس حقيقية كتلك التي نعيشها ونخوض غمارها يوميًا وجعلنا نشعر بنفس حيرة أبطاله وبطلاته وهم يبحثون عن ذواتهم الحقيقية وما يبغونه حقًا لا ما يفرضه عليهم المجتمع، والأهم من ذلك أنه قد استطاع أن يحثنا على المواجهة وعلى إعادة النظر في علاقاتنا بمن حولنا والتمسك بما نحن عليه لا تلك الصورة التي يريدنا الآخرون أن نكون عليها.

وقد كانت تلك الدعوى لاكتشاف من نحن وماذا نريد ، والسعي نحو التحرر من التقاليد البالية والأعراف الاجتماعية الظالمة هي ما ميز إبسن عن غيره من كتاب جيله، وهي أيضًا ما أثار عواصف عاتية من النقد ضده في القرن التاسع عشر؛ فما كان يجرؤ كاتب مسرحي على إثارة القضايا الشائكة التي تناولها إبسن في مسرحياته، خاصة قضية تحرير المرأة، على خشبة المسرح أمام الجماهير العريضة.

وعلى الرغم من أن الروائيين كفلوبير وتولستوي قد تناولوا قضايا المرأة في أعمالهم الروائية، إلا أن إبسن قد راهن على أن المسرح هو الوسيلة الأنسب لاستشارة الحشود والتأثير عليها لأمثال هذه القضايا؛ أكثر مما تستطيع الروايات أن تؤثر على قرائها الذين يقرأونها في الغرف المغلقة.

والجدير بالذكر أن إبسن إن لم يكن قد لاقى النجاح المرجو وقتها واستطاع تغيير تلك الأعراف وكسر تلك القيود المجتمعية، إلا أنه قد نجح على الأقل في استثارة الرأي العام وإثارة العديد من الأسئلة حول مدى إنصاف القانون للنساء، ووضعهن الاجتماعي ومدى حريتهن في اتخاذ قرارات مصيرية تخصهن وأسرهن.

4 أدباء مشهورين لم يعرفهم العالم إلا بعد وفاتهم

نورا هيلمر وانتهاء عصر المرأة «الدمية»

هي امرأة عادية، زوجة لرجل مرموق وأم لثلاثة أطفال. وكانت حياتها عادية للغاية؛ فهي زوجة لطيفة جميلة مطيعة لزوجها الذي ربما يحبها وربما لا، ولكنه بالتأكيد يعتبرها إحدى أغلى ممتلكاته.

وهي امرأة سعيدة بحياتها – أو هكذا تظن- لأن علاقتها الهادئة بزوجها لم تمر بأي اختبار حقيقي. ولكن حين جاء وقت الاختبار انكشف زيف هذا الحب الذي يزعم زوجها دومًا بأنه يكنه لها؛ فهي «غاليته، وطفلته، وعصفوره المغرد» مادامت لم تخالف أوامره ولم تتخط الحدود التي وضعها لها. وهكذا ينكشف لنورا بالنهاية أن حب زوجها،تورفالد هيلمر، مرهون بكون نورا تلك «الدمية الجميلة» التي يحركها كيف يشاء حتى استطاعت هي فك تلك القيود وإعادة النظر في علاقتها بزوجها، بل وفي حياتها برمتها.

المصدر

للوهلة الأولى تبدو نورا امرأة سعيدة للغاية بها شيء من السذاجة التي لا تخفى على المحيطين بها؛ فالكل من حولها يراها تلك المرأة المدللة التي لم تختبر صعوبات الحياة، ولكن ما من أحد استطاع رؤية نورا الأخرى التي استطاعت اتخاذ قرارات مصيرية لإنقاذ زوجها وعائلتها.

فخلف نورا ذات الشخصية الطفولية المرحة، كانت تقف امرأة أخرى واعية معتزة بنفسها وما قدمته من تضحيات لإنقاذ حياة زوجها الذي زورت لأجله السند النقدي الخاص بأبيها، كي تحصل مقابل ضمانه، على قرض يخرجه من محنته الصحية حين أخبرها الأطباء بضرورة سفره إلى مكان دافئ إذ إن الطقس النرويجي البارد يزيد من اعتلال صحته؛ فتقرر أن تسافر معه إلى إيطاليا مدعية بأنها تبغي القيام بالسياحة هناك بالمال الذي ورثته من والدها الراحل.

في فخر تُخبر نورا صديقتها بتضحيتها الكبيرة تلك وترجوها ألا تخبر أحدًا بهذا الأمر إذ إنها تنتظر اللحظة المناسبة التي تخبر فيها زوجها بالحقيقة. لقد كانت نورا تنتظر ذلك اليوم الذي يذهب عنها فيه شبابها ويزوي جمالها لكي تخبر زوجها بتضحيتها من أجله، الأمر الذي يعكس شعورًا خفيًا لديها بأن زوجها لا يحبها حبًا حقيقيًا؛ فأي حب هذا تشعر المرأة بأنه سوف يذهب بذهاب جمالها وشبابها، وبالتالي تعلن عن رغبتها في الاحتفاظ بسرها حتى يأتي وقت يذهب عنها فيه جمالها ورونقها، وهنا ربما يشفع لها حسن صنيعها عنده مما يجعله محبًا ومخلصًا لها للأبد.

تضحية كبيرة أم عار أبدي؟

لم تكن نورا تدرك مغبة فعلتها في زمن لم يكن يسمح فيه القانون للزوجة بأن تعقد قرضًا بدون موافقة زوجها، ولذا فإنها تعيش أزمة حقيقية حين هددها السيد كروجشتاد – الذي يعمل موظفًا في البنك الذي يرأسه زوجها، والذي اقترضت منه النقود بسند أبيها المزور – بأنه سوف يعلن عن هذا السند المزور لزوجها ويساومه بأنه سيقدمه للمحكمة إن أصر على طرده من وظيفته بالبنك.

عبثًا حاولت نورا إقناع زوجها بالإبقاء على كروجشتاد في وظيفته؛ إذ لم تزده محاولاتها لإثنائه عن قراره إلا تصميمًا على طرده؛ وبالتالي أصبحت نورا ممزقة بين تهديدات كروجشتاد بتدمير أسرتها وبين تزمت زوجها الذي يرفض عودته.

وهكذا يتأزم الصراع الداخلي الذي تعيشه نورا حتى يصل إلى ذروته في الفصل الثالث والأخير من المسرحية؛ حين يكتشف زوجها فعلتها ويتحول فجأة من زوج محب يتغنى بجمال ورقة زوجته ويناديها بكنزه الثمين إلى رجل ساخط يرى فيها امرأة طائشة لا تقدر المسئولية، حتى أنها غير جديرة بأن تكون أمًا وربةَ عائلة. لقد رأى هيلمر أن نورا جلبت له العار الأبدي بفعلتها تلك؛ لأنها جعلته في قبضة ذلك الشخص المحتال الأفاق الذي يُدعى كروجشتاد، والذي سيفعل به ما يشاء ويطالبه بما يشاء حتى لا يقدم السند للمحكمة، ونسي ببساطة أنها فعلت ذلك لأجله.

في خضم ثورة هيلمر وغضبه أخبرته نورا أنها أحبته بصدق، أحبته أكثر من أي شيء في الوجود؛ فجاء رده: «دعينا من تلك الحجج السخيفة، دعينا من الحركات المسرحية من فضلك. ستبقين هنا لنستمع إلى تفسيرك للموضوع. أتدركين مغبة عملك؟.. ثماني سنوات وأنا أعقد عليها أملي في الحياة، وأنظر إليها بخيلاء فإذا بها منافقة كاذبة، بل أسوأ من هذا؛ مجرمة.. يا للعار! ياللعار!».

مشهد من المسرحية أثناء عرضها في مسرح Old Globe/ المصدر

في هذه اللحظة بالذات كانت نورا قد أدركت حقًا مغبة عملها، لقد أدركت نورا أخيرًا بأنها لم تسيء إلى زوجها وأسرتها حين زورت سندًا ماليًا لتستطيع حمايتهم، ولكنها قد أساءت إلى نفسها إساءة بالغة حين غضت الطرف عن نظرة زوجها لها كإحدى ممتلكاته الثمينة، وليس باعتبارها امرأة لها رأي وكيان، وقد أدركت أخيرًا أنها هي وحدها من كان الطرف المحب المتفاني المضحي في علاقتها بزوجها، لا هو. وقد كانت تلك هي اللحظة الحاسمة التي اكتشفت نورا فيها أن زواجها لم يكن سوى خدعة كبيرة، وأن بيتها وعشها الدافئ هذا لم يكن سوى بيت لـ«الدمية» التي قررت أن تخلع عنها ردائها.

وفي تلك اللحظة تثور نورا على كل شيء ابتداء من القانون الذي يمنعها من إنقاذ حياة زوجها المريض وحتى الأعراف الاجتماعية التي ترفض كونها شخصًا مستقلًا قادرًا على إنقاذ أسرته واتخاذ قرارات مصيرية بشأن حياته وتصر على كونها تابعًا لزوجها ولأبيها من قبل.

وعلى الرغم من أن كروجشتاد قد ندم على تهديداته وأعاد لنورا الورقة المزورة مما هدأ من غضب زوجها وجعله يسامحها بما أن الخطر قد زال، إلا أنها كانت قد رأت الحقيقة جلية بحيث لا يمكنها أن تغض الطرف عنها ثانية. لقد كشف هذا الاختبار الذي مر به زواجها عن حقيقة هامة جدًا عمدت نورا أن تخفيها عن نفسها لثمانية أعوام، وهي أن زوجها يراها أي شيء إلا امرأة راشدة تستطيع أن تفكر وتحدد اختياراتها في الحياة مثله تمامًا.

لقد مرت ثماني سنوات كانت نورا تعتقد فيها أنها سعيدة، ولكن يومًا واحدًا كان كفيلًا بإظهار حقيقة كل شيء، لقد كشف ذلك اليوم عن حقيقة ظلت نورا طوال عمرها تتهرب منها، وهي أنها لم تكن سوى «دمية» في يد زوجها وأبيها من قبل. وكانت النتيجة أن وقفت نورا قبالة زوجها قائلة في صوت واثق أنها لا تريد الاستمرار في هذه التمثيلية السخيفة، لقد قررت أن تترك المنزل قائلة: «أخلع عن نفسي ثوب الدمية»، لقد واجهته بحقيقة أنه لم يفهمها أبدًا وأنه مذنب في حقها حتى وإن أبدى حبًا وملاطفة لها في معظم الأوقات. لقد صارحت زوجها بأنه لم يحبها أبدًا، بل راق له أن يقع في حب امرأة جميلة، هذا كل ما في الأمر.

المصدر

وهكذا تكشَف للمشاهد أن حياة نورا التي تبدو عادية للغاية بلا أي مشاكل تُذكر تحمل في طياتها مأساة حقيقة تكمن في عدم قدرتها على التعبير عمن تكون وعلى كونها إنعكاس لأبيها وزوجها لا شخصيتها الحقيقة، وهذه هي الحقيقة السافرة التي تحكيها نورا كما يلي: «كان أبي فيما مضى يسير إلي برأيه في كل صغيرة وكبيرة، فنشأت أعتنق نفس آرائه، وإذا حدث أن كونت لنفسي رأيًا مخالفًا كنت أكتمه عنه خشية أن أضايقه».

وتضيف: «كنت في نظره عروسًا من الحلوى ؛يدللني كما كنت أدلل عرائسي ولعبي.. كل ما أعنيه أنني انتقلت من يد أبي إلى يديك. ووجدتك تنظم الكون من زاويتك الخاصة، فتبعتك في الطريق المرسوم، والآن يخيل إليَّ أنني لم أكن أزيد عن عابرة سبيل. كانت وظيفتي أن أسليك. أنت وأبي جنيتما عليَّ».

إلى جانب إحساس نورا بعمق مأساتها وضياعها من نفسها، أصابها كلام زوجها الجارح فيما أسماه «فورة غضب» بخيبة أمل كبيرة لها لم تستطع أن تتخطاها؛ فهي لم تستطع أن تنسى ما قاله – رغم أنه رجاها أن تنساه – لأنها كانت تعلم أنه كان يقول الصدق. لقد كان تورفالد هيلمر خائفًا حقًا، ولكن لم يكن خوفه عليها، بل على نفسه ومركزه الاجتماعي الذي كان يهمه أكثر من شيء آخر. لقد أرتها هذه المحنة زوجها على حقيقته، وكشفت لها عن مدى جبنه وحبه لذاته؛ لذا كان لزامًا عليها أن تعلن بأنها لم تعد تحبه؛ لأنه لم يستطع أداء دوره كرجل، رجل حقيقي يحمل عنها وزر المسئولية قائلًا: «أنا المذنب».

ولما لم تجد نورا مقابل تضحيتها الكبيرة أية تضحية أو حتى تقدير، كان لزامًا عليها أن تعلن بأنها لن تستطيع الاستمرار في هذه الحياة أكثر من ذلك، وبمنتهى الإصرار والعزم وقفت مقابل زوجها لتعلن بأنها ستترك بيت «الدمية» ضاربة بالأعراف المجتمعية والتعاليم الكنسية التي تحظر على المرأة ترك بيت الزوجية عرض الحائط. وكيف تستطيع امرأة أن تبقى في بيت رجل بات غريبًا عنها لم تعد تعرفه ولم يعد يعرفها، إذ إنها أجزمت بأنه لن يستطيع أن يجعل من نفسه الرجل الآخر الذي يقسم بأنه سيكونه، إلا بعد أن تُؤخذ دميته منه، وهكذا مضت نورا هيلمر وحدها ليلًا وهي حاملة حقيبة ملابسها تاركة بيت الزوجية إلى مكان آخر تستطيع فيه اكتشاف نفسها. لقد رحلت نورا تاركة باب البيت يوصد من خلفها معلنة عن انتهاء عصر الدمية.

هل انتصرت «بيت الدمية» للمرأة أم للإنسانية؟

في 21 ديسمبر (كانون الأول) عام 1879، جلس الجمهور في المسرح الملكي بمدينة كوبنهاجن عاصمة الدنمارك متسمرًا في مكانه فاغرًا فاه وهو يشاهد المشهد الختامي لمسرحية «بيت الدمية»؛ فبعد أن مضت نورا تاركة صوت الباب وهو يصفق ليكون آخر صوت يسمع على المسرح، فوجئ الجمهور بإسدال الستار الذي أعلن عن انتهاء المسرحية عند هذا المشهد.

لقد خيمت الدهشة على الجمهور الذي رأى – لأول مرة على المسرح – امرأة تمضي بإرادتها الحرة تاركة خلفها زوجها وأطفالها لتبحث عن ذاتها كما أعلنت لزوجها، ولكن سرعان ما أعقب هذه الدهشة الكبيرة غضب واحتجاج كبيرين؛ فكيف يجرؤ كاتب على انتقاد القوانين الظالمة للمرأة في ذلك الوقت، والأهم من ذلك كيف يجرؤ على تشجيع النساء على البحث عن ذواتهن الحقيقية وترك المنزل الذي لا يشعرن بالسعادة فيه، وبالتالي يهدمن أسرهن.

المصدر

وهكذا كان لهذا الفعل الذي دوي على المسرح – عندما مُثلت المسرحية لأول مرة- صدى تردد في جميع أنحاء أوروبا؛ فقامت الدنيا ولم تقعد بسبب هذه الزوجة التي تبحث عن الاستقلالية والتي تجاهر بمعارضتها، بل رفضها للأعراف الاجتماعية السائدة وقتها. وطولب إبسن مرارًا بتغيير نهاية المسرحية، وذلك بأن يجعل نورا تمنح فرصة ثانية لزوجها.

وعلى الرغم من أنه رفض رفضًا قاطعًا تغيير نهاية المسرحية في أول الأمر، إلا أن الضغوط كانت بالغة الشدة عليه فاضطر إلى وضع نهاية أخرى تمنح فيها نورا فرصة ثانية لزواجها، ولكن سرعان ما نُسيت هذه النهاية، التي أُرغم عليها الكاتب، وجاءت إلينا حكاية نورا كما كتبها في أول الأمر.

لقد ثار الكثير من الجدل حول المغزى الذي أراد إبسن إيصاله من هذه المسرحية؛ فحين أصر بعض النقاد على أن هذه المسرحية ما هي إلا عملًا نسويًا خالصًا وضع إبسن في مصاف الكتاب الذين يسعون لكسر القيود المجتمعية والثورة عليها، أكد آخرون على أنها إنما تعني بإلقاء الضوء على معاناة البشر جميعًا ومحاولاتهم الحثيثة لإيجاد ذواتهم الحقيقية.

ويستشهد أنصار الرأي الثاني بما قاله إبسن عن هذه المسرحية في المأدبة التي أقامتها له رابطة حقوق المرأة النرويجية في السادس والعشرين من مايو (آيار) عام 1898 بمناسبة عيد ميلاده السبعين: «أشكركم جميعًا.. ولكنني ينبغي ألا أدعي شرفًا لم أقم به، وهو شرف العمل الواعي من أجل حركة حقوق المرأة. لقد كنت كاتبًا أكثر من كوني فيلسوفًا اجتماعيًا كما يعتقد البعض. ما كتبته كان بدافع إنساني. كان هدفي وصف جانب إنساني يضيف إليه القارئ أو المشاهد مشاعره ومزاجه الخاص تبعًا لشخصيته».

وهكذا يتضح من قول الكاتب أن الصراع الذي خاضته نورا في «بيت الدمية» كان صراعًا يحمل قضايا أعمق وأبعد من قضية المرأة، ولكن الغالبية الساحقة من النقاد والقراء قد اختزل هذه المسرحية في قضية المرأة لأن بطلتها كانت امرأة تحاول فك قيودها وتسعى جاهدة لاكتشاف نفسها.

وهذا ما يؤكده الناقد الأمريكي إينار هاوجين حين قال: «إن نورا ليست مجرد امرأة تجاهد من أجل تحرير نفسها؛ فهي تمثل ما هو أبعد من ذلك. إنها هي التجسيد الحي لكل ما تحمله الحياة الحديثة من المضحكات والمبكيات». وهكذا استخدام إبسن شخصية نورا ليدعو من خلالها إلى الحرية الفردية للكل على حد سواء – سواء كان رجلًا أو امرأةً – لأن أزمتها، بالنسبة إليه، كانت أزمة هوية.

وقد كشفت المناقشة الطويلة التي حدثت بين نورا وزوجها في الفصل الثالث والأخير من المسرحية عن مدى فهم كاتبها للنفس البشرية وتعقيداتها التي صاغها في حوار سلس جريء مثل صفعة لأوروبا في القرن التاسع عشر.

لقد هاجم إبسن القيود الاجتماعية الخانقة والفساد الذي عم أوروبا كلها في ذلك الوقت على لسان أبطال مسرحياته. وسواء كانت «بيت الدمية» عملًا أدبيًا معنيًا بقضايا المرأة أو بقضايا الإنسانية عمومًا، فإنها قد استطاعت أن تُحدث تغييرًا كبيرًا في العالم بأسره الذي لم يعد كما هو بعد أن صفقت نورا الباب ومضت.

«وراء كل عظيم مجهول».. 4 عظماء مغمورين كانوا السبب في نجاح غيرهم

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!