ربما يتم تخليد الشهر الماضي في الذاكرة باعتباره اللحظة التي فقدت فيها الولايات المتحدة دورها بوصفها ضامن للنظام الاقتصادي العالمي. صحيح أنه قد مرت على الولايات المتحدة العديد من فترات الكساد من قبل، وفي أكثر من مرة كان سلوك الولايات المتحدة متعدد الجوانب، مثل صدمة نيكسون 1971 التي قضت على قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. ولكن لا يمكن تذكر أي أحداث منذ حادثة بريتون وودز تشبه الجهود الصينية لإنشاء مؤسسة كبرى جديدة، وفشل الولايات المتحدة في إقناع العشرات من حلفائها التقليديين، بدءًا من بريطانيا، بعدم التجاوب مع جهود الصين.

هذا الفشل الاستراتيجي والتكتيكي كان متوقعًا منذ وقت طويل، وينبغي أن يؤدي إلى إجراء مراجعة شاملة للنهج الذي تتبعه الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي. ومع منافسة حجم الاقتصاد الصيني مثيله في الولايات المتحدة، وبينما تمثل الأسواق الناشئة ما لا يقل عن نصف الناتج العالمي، فإن البنية الاقتصادية العالمية تحتاج إلى تعديل جوهري. فقد أدت الضغوط السياسية المفروضة من جميع الجهات في الولايات المتحدة إلى اختلال تلك البنية بشكل متزايد.

وبسبب المقاومة من اليمين، تقف الولايات المتحدة وحدها في العالم في عدم الموافقة على الإصلاحات الحكومية التي أقرها صندوق النقد الدولي والتي روجت لها واشنطن بنفسها في العام 2009. وباستكمال موارد صندوق النقد الدولي، فإن هذا التغيير قد عزز الثقة في الاقتصاد العالمي. الأهم من ذلك، فإنه يقترب من إعطاء دول مثل الصين والهند حصة من الأصوات في صندوق النقد الدولي بما يتناسب مع زيادة ثقلها الاقتصادي.

وفي الوقت نفسه، أدت الضغوط من اليسار إلى فرض قيود واسعة النطاق على مشاريع البنية التحتية الممولة من خلال بنوك التنمية القائمة، التي انحسر دورها كممول للبنية التحتية نتيجة لذلك، وذلك حتى مع إدراك العديد من البلدان النامية أن تمويل البنية التحتية هو مصدر الحاجة إلى التمويل الخارجي الرئيسي بالنسبة لها.

ومع عدم وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها، بدعمها السياسات التي تمنع أنواع التمويل الذي ترغب الدول الأخرى في توفيره أو تلقيه من خلال المؤسسات القائمة، كان الطريق واضحًا بالنسبة للصين لإنشاء بنك الاستثمار في البنية التحتية الآسيوية. هناك مجال للجدل حول الخطة التكتيكية التي كان ينبغي اتباعها عند طرح تلك المبادرة، ولكن السؤال الأكبر الآن يتعلق بالاستراتيجية. فيما يلي ثلاثة مبادئ يجب على قادة الولايات المتحدة وضعها في الاعتبار.

أولاً، يجب أن تحوز قيادة الولايات المتحدة على موافقة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتبتعد عن النفاق وتتحلى بضبط النفس في السعي لتحقيق المصلحة الذاتية. فطالما أن أحد الأحزاب الرئيسية يعارض أساسًا جميع الاتفاقيات التجارية والآخر يقاوم تمويل المنظمات الدولية، فإن الولايات المتحدة لن تكون في وضع يمكنها من تشكيل النظام الاقتصادي العالمي.

يتملك البلدان الأخرى إحباط مشروع عندما يطلب المسؤولون الأمريكيون منهم تعديل سياساتهم، للإصرار فقط على أنهم غير قادرين على السيطرة على المشرعين على مستوى الدولة، والوكالات المستقلة والإجراءات القضائية بعيدة المدى. وهذا ينطبق بشكل خاص عندما تؤكد العديد من الشركات الأجنبية أن تصرفات الولايات المتحدة تثير مشاكل حقيقية مع سيادة القانون.

إن شرعية قيادة الولايات المتحدة تعتمد على قدرتها على مقاومة إغراء إساءة استخدامها في السعي وراء المصلحة الضيقة حتى عندما يبدو أن تلك المصلحة ملحة. فلا يمكننا أن نتوقع الحفاظ على الدور الأساسي للدولار في النظام الدولي إذا اتسمنا بالعدوانية المفرطة في الحد من استخدامه سعيًا لتحقيق أهداف أمنية معينة.

ثانيًا، في السياسة العالمية وكذلك المحلية، الطبقة الوسطى هي الأكثر أهمية. ويبدو في بعض الأحيان أن جدول الأعمال العالمي السائد يجمع بين اهتمامات النخبة حول مسائل مثل الملكية الفكرية وحماية الاستثمارات والتنسيق التنظيمي مع المخاوف الأخلاقية حول الفقر والأجيال القادمة في حين أنه يقدم القليل لمن هم في الطبقة الوسطى. ومن غير المحتمل أن تنجح الأساليب التي لا تخدم الطبقة العاملة في البلدان الصناعية (وتزايد عدد السكان في المناطق الحضرية في البلدان النامية) بشكل جيد على المدى الطويل.

ثالثًا، ربما نكون على أعتاب عالم يتوفر فيه رأس المال، وتزداد الضغوط الانكماشية ويقل الطلب على العرض لبعض الوقت. ومن غير المحتمل أن تزيد أسعار الفائدة الحقيقية بشكل كبير عن الصفر في عام 2020 في أي بلد صناعي أو تحقيق أهداف التضخم. وفي المستقبل، يجب أن تكون الأولوية لتشجيع الاستثمار، وليس فرض التقشف. يضع النظام الحالي عبء تعديل الأنظمة الاقتصادية على البلدان المقترضة. فالعالم الذي نعيش فيه الآن يتطلب نظامًا مماثلاً يفرض الضغوط على البلدان ذات الفائض كذلك.

هذه المبادئ هي مجرد بداية. وهناك أسئلة حول السلع العامة العالمية، وحول التصرف بالسرعة والوضوح المطلوبين في العصر الحالي، وحول التعاون بين الجهات الحكومية وغير الحكومية وغيرها. المهم الآن هو أن أحداث الشهر الماضي سينظر إليها المؤرخون في المستقبل ليس كنهاية لحقبة ما، ولكن بوصفها دعوة للاستيقاظ.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد