مقال لفالي نصر، عميد كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، ومؤلف كتاب “الأمة الاستهلاكية: السياسة الخارجية الأمريكية في تراجع”، بصحيفة النيويورك تايمز.

أشارت صحيفة نيويورك تايمز في مقال نشرته في الثالث والعشرين من شهر مايو الماضي، للكاتب فالي نصر عميد كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، إلى أن التحركات العسكرية العدوانية – بحسب وصف الصحيفة- التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأسفرت عن ضم شبه جزيرة القرم لروسيا لم تكشف عن نهج التهديدات والتضليل الروسي فحسب, وإنما كشفت الغطاء أيضًا عن ارتباك شديد بين مراكز القوى العالمية الأربعة حيال الطريقة التي تتشكل من خلالها القوة الاستراتيجية في عام 2014.

وأضافت الصحيفة أنه وبينما تتحدى روسيا خصومها بالتهديدات العسكرية تارة وبالطابور الخامس تارة أخرى, تتباين مواقف المعسكر الغربي والولايات المتحدة تجاه الدب الروسي, ففي الوقت الذي تستخدم فيه الدول الأوروبية سلاح الجزرة للحفاظ على مصالحها التجارية, تبدو الولايات المتحدة أقرب إلى سلاح العصا لكبح جماح موسكو، في الوقت الذي تتجه فيه واشنطن نحو آسيا لمواجهة التوسعات الصينية الاقتصادية التي تفرض مخاطر عسكرية جديدة على الولايات المتحدة وشركائها التجاريين.

ونوهت الصحيفة في ذات الوقت إلى أن الخطر الرئيس يكمن في الرؤى المختلفة لمراكز القوى الدولية للأهداف الاستراتيجية الدولية، سواء السياسية منها أو الاقتصادية، وهو ما يلقي بدوره بظلال من الغموض على حل النزاعات الدولية.

وفي هذا الصدد, طرحت الصحيفة العديد من التساؤلات التي تبرز المواقف المتشابكة للقوى العالمية, فهل تستطيع روسيا أن تقوم بتقسيم أوكرانيا دون أن يسفر ذلك عن حرب أهلية؟ وهل تستطيع واشنطن أن تفرض عقوبات قوية على موسكو مع تجنب إحداث أزمات اقتصادية في أوروبا؟ في الوقت الذي يمكن فيه للمصرفيين الألمان وشركات بناء السفن الفرنسية أن تجعل العقوبات دون أنياب, وهل ستقف الصين موقف المتفرج حيال السياسة الأمريكية الناعمة في أوروبا؟ أم ستفرض سيطرتها على جزر بحر الصين الجنوبي؟ وما هو موقف اليابان وكوريا الجنوبية إزاء هذه السيطرة آنذاك؟

وبحسب الصحيفة, تتباين مواقف الدول الأوروبية مع المواقف الأمريكية بشأن التجارة والأمن, ففي الوقت الذي تضع فيه أوروبا المصالح التجارية على قائمة أولوياتها وبدرجة أكبر من النواحي الأمنية, تولي السياسات الأمريكية أولوية كبرى للنواحي الأمنية, وهو ما يبدو واضحًا في الانتقادات الأمريكية المستمرة حول العجز الأوروبي عن مواجهة التهديدات الأمنية، خاصة في ظل التهديدات التي كشفت عنها الأزمة الأوكرانية، والتي باتت أوروبا عرضة لها بدرجة أعلى بكثير من الولايات المتحدة، بالرغم من نقاط القوة التي تمتلكها أوروبا على صعيد العلاقات التجارية مع روسيا والتي يمكن استخدامها للحد من التحركات الروسية.

ولفتت الصحيفة الانتباه إلى أنه بالرغم من التهديدات سالفة الذكر, تظل ردود الفعل الأوروبية تتسم باللا مبالاة – على حد وصف الصحيفة- حينما يتعلق الأمر بمستقبل أوكرانيا، في محاولة منها لتجنب الغضب الروسي، الذي قد يتجه نحو إمدادات الطاقة الروسية للقارة الأوروبية؛ مما يجعلها أكثر كلفة، ناهيك عن خطر المقاطعة الروسية للصادرات والاستثمارات الأوروبية.

وأوضحت الصحيفة كذلك أن الاستراتيجية الأمريكية تغذي وتعضد السياسات الأوروبية الروسية, مطالبة بتحقيق استراتيجية كبرى على المحور الآسيوي الذي من المتوقع أن يشكل ثلثي الناتج المحلي العالمي بحلول عام 2025، وهو ما عبرت عنه هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة بقولها أن منطقة المحيط الهادئ هي من ستحدد مستقبل القرارات السياسية.

وبالنظر إلى العلاقات الآسيوية الأمريكية ومقارنتها بالعلاقات الأمريكية الأوروبية, رأت الصحيفة أن التحالف الأمريكي الأوروبي تم بناؤه على الروابط التاريخية والثقافية، مع تشكيل جبهة مشتركة لمواجهة التهديدات الأمنية تمثل أهمية أكبر من العلاقات التجارية, بينما تبرز المصالح الاقتصادية في التحالف الأمريكي الآسيوي.

أما على صعيد الموقف الروسي, فقد اعتبرت الصحيفة أن الاستراتيجية الروسية تنبني على التضحية بالمصالح الاقتصادية في سبيل بناء مناطق للنفوذ، وهو ما يبدو منطقيًا في ظل الأوضاع التي خلفتها الحرب الباردة في روسيا من إمبراطورية مفقودة واقتصاد أجوف، باستثناء احتياطيات الطاقة الكبيرة، الأمر الذي يدفع بوتين نحو الحفاظ على روسيا كدولة ما يزال يخشاها الغير حتى وإن لم يستطع أن يمنح شعبه الرخاء الاقتصادي كما هو الحال في أوروبا.

من جانبها تسعى الصين إلى الحفاظ على معدلات النمو الاقتصادية العالية في الوقت الراهن، مع التركيز بدرجة أكبر على الاقتصاد الذي قد يدعم خططها الاستراتيجية، بالتزامن مع التحول الأمريكي نحو القارة الآسيوية، وهو تحول اقتصادي بالأساس.

وإزاء المواقف المتباينة للقوى العالمية, خلصت الصحيفة إلى أن العديد من المتاعب التي تواجهها الولايات المتحدة مع كل من روسيا والصين، تكمن خلف ما أسمته الصحيفة بالتنافر بين الرغبة الأمريكية في السماح للاقتصاد بتحريك السياسة الخارجية من جهة, وبين الحاجة الأمريكية لمواجهة الطموحات الروسية والصينية من جهة أخرى، بالتزامن مع الرغبة الأوروبية في الحفاظ على علاقة الزواج بين التكنولوجيا الأوروبية والغاز والنفط الروسي، مع الأخذ في الاعتبار المخاوف الأوروبية من الأطماع الروسية تجاه الأراضي التي كانت يومًا ما تحت سيطرة القيصر الروسي.

واختتمت الصحيفة المقال بقولها إنه في الوقت الذي قد لا تنظر الولايات المتحدة فيه إلى أوكرانيا باعتبارها أحد العناصر الرئيسة لمصالحها الوطنية, تبدو التحركات العسكرية الروسية نذير خطر للمصالح الأمريكية على الصعيد الأمني مع أوروبا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد