اعتبر الكاتب دان بيري – في مقال نشر مؤخرًا في صحيفة واشنطن بوست نقلًا عن وكالة أسوشيتد برس – بأن حرب غزة الثالثة خلال ست سنوات فقط قد أعادت كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى حالة التعادل الصفرية، وذلك رغم الادعاءات الإسرائيلية والفلسطينية بامتلاك اليد العليا مع نهاية الحرب التي خلفت معاناة فلسطينية كبيرة في قطاع غزة.

ورصد الكاتب ما آلت إليه الأوضاع لدى الجانبين، فرغم ما حصلت عليه إسرائيل من توقف لإطلاق الصواريخ من غزة، في مقابل وعود غامضة بمحادثات مستقبلية، إلا أن الثمن الذي دفعته إسرائيل في المقابل لم يكن هينًا مع مقتل سبعين إسرائيليًا، وانهيار الموسم السياحي، وبث الرعب في نفوس المواطنين على مدار خمسين يومًا، بالإضافة إلى التأثير السلبي الذي أحدثته صور الدمار في غزة على مكانة إسرائيل الدولية، والحملات التي تعرض لها بنيامين نيتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، والتي طالبته باتخاذ خطوات أكثر صرامة في ظل سيطرة حماس على مجريات الأحداث، واستمرار إحكام قبضتها على قطاع غزة منذ عام 2007.

على الجانب الآخر، تأتي الاحتفالات الفلسطينية احتفاءً بنجاح المقاومة في غزة بمجابهة النيران الإسرائيلية، والاستمرار في إطلاق الصواريخ باتجاه البلدات والمدن الإسرائيلية، بما في ذلك تعطيل العمل في مطار تل أبيب الدولي، وصعود حركة حماس كلاعب أساسي في السياسة الفلسطينية، وغير ذلك من المكتسبات التي لم تغنِ، كما يري الكاتب، عن مقتل 1432 فلسطينيًا، بلغت نسبة الأطفال منهم 500، بالإضافة إلى التدمير الذي طال ما يقرب من سبعة عشر ألفًا من المنازل الفلسطينية بحسب تقديرات الأمم المتحدة، وتشريد مائة ألف فلسطيني.

ونوه الكاتب إلى أن اتفاقية وقف إطلاق النار التي تم توقيعها بين الجانبين تضمنت أن تتعهد إسرائيل بفتح المعابر الحدودية مع غزة. في حين تم إرجاء بقية المطالب الفلسطينية التي تشمل المطار والميناء، وإطلاق سراح السجناء إلى وقت لاحق، وسط توقعات بمطالبات إسرائيلية بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية.

ورصد الكاتب بعض الدروس الأولية التي كشفت عنها اتفاقية وقف إطلاق النار ومن أهمها:

1. التأثير المحتمل للقوة

على مدار خمسين يومًا، سعت إسرائيل نحو تدمير الترسانه العسكرية لحماس، بما في ذلك استهداف مجموعة من كبار قادة المقاومة والمباني السكنية. وبالرغم من الدعم الذي حازت علية حماس من سكان القطاع بالتزامن مع الرغبات الحثيثة لإنهاء الحصار المفروض على القطاع من قبل إسرائيل ومصر للضغط على حماس، إلا أنها قبلت في نهاية المطاف باتفاقية وقف إطلاق النار التي قد لا تختلف كثيرًا عن المبادرة المصرية التي عرضت في منتصف يوليو الماضي ووافقت عليها إسرائيل آنذاك. وفي الوقت الذي سيخضع فيه استخدام القوة المدمرة من قبل إسرائيل للنقاش الواسع في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، تشير النتائج النهائية إلى أن الاستخدام المفرط للقوة قد أتى بثماره في تحقيق الأهداف الإسرائيلية، خاصة مع ما كشفته تصريحات نيتنياهو من أن حماس قد فوجئت من شدة الهجمات الإسرائيلية في الأسبوع الأخير من الحرب.

2. عودة حكومة الوحدة الفلسطينية

ارتكزت المزاعم الإسرائيلية على استهداف المناطق المدنية على ما دعته بتمركز عناصر حماس في تلك المناطق وانعدام الخيارات أمام إسرائيل في المقابل لاستهداف تلك العناصر، مع تأكيدها على بذل الجهود لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين من خلال إطلاق التحذيرات. وعلى النقيض من مواقف إسرائيل المناهضة لحكومة الوحدة الفلسطينية التي تم تشكيلها في شهر مايو الماضي، والتي كانت مدعومة من حركة حماس في قطاع غزة وحركة فتح في الضفة الغربية برئاسة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي أكد على دعم حكومة الوحدة لمفاوضات السلام، تبدو إسرائيل حاليًا أقل تحفظًا إزاء حكومة الوحدة التي قد تفتح الباب واسعًا أمام السلطة الفلسطينية للعودة مجددًا إلى قطاع غزة، وإدارة المعابر الحدودية، والتعاطي مع ملفات إعادة الإعمار في غزة.

3. عملية السلام وآفاق مستقبلية قاتمة

في الوقت الذي تبدي فيه أغلبية إسرائيلية وفلسطينية الرغبة في إقرار السلام، وتقبل بتقسيم الأراضي المقدسة بين الدولتين، يظل الوصول إلى صفقة بين الطرفين أمرًا صعب المنال حتى الآن عندما تبرز مناقشة شروط ومطالب الطرف الآخر. كما أن هناك مخاوف إسرائيلية في الوقت الراهن من الانسحاب الكامل من أراضي الضفة الغربية بالتزامن مع مطالب فلسطينية بممارسة المجتمع الدولي ضغوطًا على إسرائيل لإجبارها على القبول بالشروط الفلسطينية، خاصة مع اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2012 بإقامة دولة فلسطينية في كل من غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. ويصف الطرف الفلسطيني الجهود المبذولة لإقرار السلام بمفاوضات الفرصة الأخيرة لإنقاذ “حل الدولتين” التي تتزامن مع رؤية مستقبلية فلسطينية لا تقبل بواقع الاحتلال، ولم يعد أمامها من خيارات سوى الانتفاضة التي تخشاها إسرائيل، أو إقامة الدولة الفلسطينية على كافة الأراضي المقدسة التي تعارضها إسرائيل بقوة باعتبارها شهادة وفاة للحلم الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد