أعلنت السودان رسميًّا عن إطلاق سلسلة إجراءات اقتصادية، تضمنت رفع جزء من الدعم على الوقود والأدوية والكهرباء، وتعويم كامل للجنيه السوداني، الذي تهاوت قيمته المالية أمام الدولار الشهور الأخيرة لمستوى لم يصل له من قبل.

أمام هذه الإجراءات التي تزعم الحكومة السودانية أنها تهدف لتحقيق طفرة هائلة في النمو الاقتصادي، ترتفع أصوات مجموعات احتجاجية من فئات عمرية تتراوح أعمارها بين 24 و30 عامًا، تطالب بعزل رأس السلطة التي تتمثل في رئيس الجمهورية «عُمر البشير»، على خلفية انتشار الفساد، والقمع السياسي حيال كُل مُعارضٍ لسياسته.

«البشير» يُبرر إجراءات التقشف الحكومي: «السودانيين بقوا بيشربوا مياه معلبة بعد ما كانوا بيشربوا من الحفير».

بخطواتٍ مُماثلة للإجراءات التي أعلنها البنك المركزي المصري فيما يتعلق بالتعويم الكامل للجنيه المصري، أعلن بنك السودان المركزي السماح بإعادة تطبيق سياسة الحافز، القائمة على مساواة سعر الجنيه الرسمي بسعره الموازي في السوق السوداء، وخفضت البنوك قيمة العملة المحلية أمام الدولار من 6 إلى 15 جنيهًا.

كما شملت هذه الخطوات تشجيع المغتربين، المقدر عددهم بـ5 ملايين، والمصدرين للتعامل مباشرة مع البنوك الوطنية عند بيعهم أو شرائهم العملات الحرة، فيما توقع عدد من المواقع السودانية الإخبارية اتجاه الحكومة السودانية في الأيام المُقبلة إلى إلغاء الدعم نهائيًّا عن الدواء، وسط أزمة يعيشها قطاع الصحة في السودان تتمثل في عدم توفر أصناف متعددة من أدوية أمراض السكري، والتيتانوس، والصرع، والأمصال.

وشملت إجراءات الإصلاح الاقتصادي زيادة في سعر البنزين بنحو 30% للجالون، وزيادة سعر كيلو واط الكهرباء 6 قروش عند تجاوز استهلاك الكهرباء 400 كيلو واط، بجانب إجراءات تقشف في الإنفاق الحكومي فيما يتعلق بشراء السيارات ونفقات سفر المسؤولين للخارج، وحظر استيراد بعض السلع، ومنها اللحوم الحمراء والأسماك، وزهور الزينة، بجانب زيادة الرسوم على بعض السلع المستوردة للحد من استيرادها.

الرئيس السوداني عُمر البشير، تحدث لمصادر إعلامية سودانية، في إحدى الجلسات المُغلقة، عن طبيعة هذه الإجراءات التقشفية، والتي بررها متباهيًا بما وصل إليه المواطن السوداني خلال ولايته :« كم سوداني سكن في بيت كويس بعد ما كان ساكن في بيت جالوص، والسودانيين بقوا بيشربوا مياه معلبة بعد ما كانوا بيشربوا من الحفير.. وكم سوداني كانوا بيلعبوا في الدارفوري والآن بيلعبوا في ملاعب الخماسيات».

وربط «البشير» ارتفاع نسب الفقر في السودان بزيادة تطلعات الناس، نافيًا أن تكون حكومته قد أفقرت السودانيين.

كيف أدى الفساد الحكومي والانفصال عن جنوب السودان إلى هذا التأزم الاقتصادي؟

تُقدر حجم خسائر دولة السودان جراء الانفصال عن جنوب السودان، وسيطرة جيش جنوب السودان على منطقة هجليج النفطية، بأكثر من 700 مليون دولار . المنطقة النفطية التي كانت الداعم الاقتصادي الأول لخزينة الدولة السودانية بسبب وجود غالبية إنشاءات البترول الرئيسية بها، أدى فقدانها لتعثرات اقتصادية، وتراجع لحجم الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى السودان.

وتُعد منطقة هجليج من المناطق الغنية بالنفط، والمهمة بالنسبة للاقتصاد السوداني، حيث توجد بها قرابة 75 بئرًا من النفط تغذي الاقتصاد السوداني بإنتاجية تتجاوز العشرين ألف برميل يوميًّا.

أحد الأبعاد المرتبطة كذلك بالتعثر الاقتصادي الذي يعيشه الاقتصاد السوداني، هو انتشار الفساد المالي في الأجهزة الحكومية، والوزارات السيادية، بدرجة مرتفعة، خصوصًا في ظل غياب قوانين للرقابة، أو تفعيل لأدوار الأجهزة الرقابية، التي ارتبطت في ذهن المواطن السوداني بمهامها في تسهيل عمليات الفساد.

حسب التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية، حول الفساد في العالم، فقد احتلت دولة السودان المرتبة ١٦٥ من أصل ١٦٧ دولة شملها التقرير، والذي استند على بيانات تجمعها المنظمة من 12 هيئة دولية، منها البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي، بينما توضح الإحصائيات الصادرة من منظمات دولية أن 48% من الشعب السوداني يتناول وجبة واحدة في اليوم بسبب تردّي الوضع الاقتصادي، بينما ترتفع النسبة لـ80% في دارفور وكردفان.

أمام تفشي الفساد بكافة الأجهزة الحكومية ومؤسسة الرئاسة، واجه «البشير» هذا الأمر بحملات تلميع للوزارات عبر وسائل الإعلام التي تتبع السلطة، وتبرئته من وجود أي مظاهر للفساد في الدولة، بجانب إطلاق حملات اعتقال تعسفي حيال عدد من كُتاب الرأي التي تحدثت عن مظاهر فساد في الأجهزة الحكومية، ومحاربة الصحف ووسائل الإعلام التي تتحدث عن وجود مخالفات غير شرعية في البلاد.

الآثار الاقتصادية ذاتها التي تعرضت لها السودان، طالت أيضًا جارتها جنوب السودان، بشكل أعنف، حيث ارتفعت نسب التضخم فيها لتصل إلى 661.3%، والذي أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية، وزيادة في الأسعار بنسبة 77.7% في الفترة الأخيرة.

المواطن السوداني أمام خيار التقشف: ثورة جياع أمرٌ ليس ببعيد

في نهاية عام 2013، أطلقت السودان سلسلة إجراءات تقشفية تستهدف تخفيض حجم الإنفاق الحكومي، ورفع الدعم عن الوقود، والذي أدى بدوره لموجة ارتفاع في الأسعار غير مسبوقة. الإجراءات التقشفية التي أطلقتها الحكومة السودانية واجهتها تحركات شعبيّة في عشرات المدن السودانية، محتجين على السياسات الاقتصادية وغير الاقتصادية للسلطة الحاكمة.

الحل الأمني كان الخيار الأوحد للسلطة في السودان للقضاء على هذه التظاهرات، حيث أعلنت وزارة الداخلية السودانية عن اعتقال 600 شخص «لمشاركتهم في أعمال التخريب»، وسقوط 50 قتيلًا بإصابات في الرأس والصدر، والتعتيم الإعلامي على ما يجري في البلاد، وإغلاق مكاتب قناتي «العربية» و«سكاي نيوز»، اللتين قاما بتغطية هذه التظاهرات، وإجراء مقابلات مع عدد من المحتجين.

الإجراءات الجديدة التي أطلقتها الحكومة السودانية، في تحدٍ عاصف، لنسب الفقر، وارتفاع حجم الغضب الشعبي من السلطة الحالية، يعتقد المحللون أنها ربما تكون شرارة لانتفاضة كُبرى على حُكم «البشير»، الذي يساوم مواطنيه دومًا في أحاديثه الإعلامية بين بقائه في السلطة، أو الفوضى الكاملة التي تأكل الأخضر واليابس.

ما يُعزز من وقوع بعض الاضطرابات الاجتماعية، نشوء مجموعات شبابية جديدة. كـ«تحالف شباب الثورة السودانية»، و«تنسيقية قوى التغيير السودانية» التي تضم تحالف شباب الثورة السودانية، ونقابات مهنية وتحالف منظمات المجتمع المدني، والتي اكتسب زخمًا كبيرًا في وسائل التواصل الاجتماعي، ونجحت في صناعة رأي عام شعبي ضد بقاء «البشير» في السلطة، وطرحها حلول تتمثل في طرح شخصية توافقية ليكون بديلًا للبشير في مرحلة انتقالية مقبلة.

أمام استمرار السلطة الحالية في تنفيذ كافة الإجراءات التقشفية، وتجاهل الدعوات التي تطالبها بتقنين حجم الفساد الحكومي الذي يهدر ثروات البلاد، ونشوء حركات احتجاجية شبابية مدعومة من جانب الأحزاب السياسية المُعارضة، تطالب بعزل رأس السلطة، تبدو السودان على أعتاب مرحلة تغيير كُبرى تنتظرها المرحلة المُقبلة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد