لم أتعلم أبدًا أن أسخر من رأي أحدهم أيًا كان، ومهما بدا هذا الرأي غريبًا لي.
*آرثر كونان دويل، مبتكر شخصية شيرلوك هولمز، من رواية «The Captain of the Pole–Star»

يبدأ المشهد من قاعة ألبرت الملكية في مدينة لندن، حيث احتشد ما يقرب من 6 آلاف شخص، بينما تزاحم المئات على الأبواب، محاولين الدخول لتلك القاعة التي امتلأت عن آخرها بالحضور. كان الحضور في كامل أناقتهم استعدادًا لهذه الأمسية المهمة التي سوف يلتقون فيها الكاتب الشهير، آرثر كونان دويل، ليروه بأم أعينهم، ويسمعون منه أخبارًا وصفوها بالمذهلة.

في الواقع، لم تكن هذه الأمسية تختلف كثيرًا عن الأمسيات الأخرى التي اجتمعت فيها جماهير القراء لمقابلة كاتبهم المحبوب، فالسيد آرثر كونان دويل كان قد اعتاد إقامة أمسيات عدة مع قرائه في مدن كثيرة مثل نيويورك، وباريس، وميلبورن.

مجتمع

منذ سنة واحدة
تتحدث وتجري العمليات الجراحية.. تعرف إلى جمعيات «تحضير الأرواح» في الغرب

شيء واحد فقط كان يميز هذه الأمسية عن غيرها ويعطيها أهمية كبيرة، وهو أن السير آرثر كونان دويل كان قد توفي قبلها بخمسة أيام في منزله بمدينة كروبورو الواقعة بمقاطعة ساسكس في جنوب شرقي إنجلترا.

في قاعة ألبرت الملكية، انقسم الحضور إلى فريقين؛ ينتظر أحدهما حضور كاتبه المفضل الذي لم يغادر عالمنا كليًّا، وإن انتقل بجسده، أما الفريق الآخر فقد أتى فقط ليبرهن على زيف المعتقدات التي لطالما نادى بها كونان دويل في حياته وكرس جزءًا كبيرًا من وقته وأمواله للترويج لها والدفاع عنها.

في الواقع، ووفقًا لمعتقدات السير دويل، لم يكن موته يمثل عائقًا أمام حضوره للقاء جماهير قرائه؛ إذ كان من أشد المؤمنين بتحضير الأرواح، وكان يؤمن إيمانًا تامًّا بأن الموتي يتحدثون أيضًا، وأن بإمكانهم التواصل مع الأحياء عبر وسيط روحاني.

أبو شيرلوك هولمز الروحي.. من هو آرثر كونان دويل؟

وُلد آرثر إجناتيوس كونان دويل في الثاني والعشرين من مايو (أيار) عام 1859م، في مدينة إدنبرة بإسكتلندا، وينتمي آرثر إلى عائلة فنية؛ إذ كان والده تشارلز ألتامونت رسامًا شهيرًا للكاريكاتير السياسي قبل أن يستسلم لإدمان الكحوليات، مما أدى إلى تمزق عائلته وتفرق أبنائه.

قضى دويل معظم دراسته ما قبل الجامعية في المدارس الداخلية التي شعر فيها بالوحشة والاغتراب، فلجأ إلى التقليل من حدة وحدته واغترابه عن طريق قراءة الأعمال الأدبية التي يحبها وإعادة روايتها للطلاب الأصغر منه سنًّا.

وفي عام 1876م التحق بكلية الطب بجامعة إدنبرة، حيث بدأت بذور موهبته في النمو، وبدأت صورة محققه الأشهر على الإطلاق شيرلوك هولمز في التكون في مخيلته.

Embed from Getty Images

الكاتب الإنجليزي آرثر كونان دويل مع عائلته

كان الدكتور جوزيف بيل، الأستاذ بجامعة إدنبرة، هو النموذج الذي استلهم منه دويل شخصية شيرلوك هولمز؛ إذ كان شديد التأثر بذلك الأستاذ الإسكتلندي الذي يرتدي معطفًا طويلًا ويحمل في جيبه نظارة معظمة، ولديه قدرة كبيرة على ملاحظة أدق التفاصيل الخاصة بالخصائص العقلية والجسدية لمرضاه.

كانت لدى الدكتور بيل قدرة عجيبة على الاستنباط لدرجة أنه أخبر تلامذته، ومن بينهم دويل، في إحدى محاضراته أن المريض الواقف أمامهم كان جنديًّا سابقًا في الجيش البريطاني، وأنه يعاني من أحد الأمراض المدارية دون أن ينبس المريض ببنت شفة أو يخبر الطبيب عن أي من هذه الحقائق قبلًا.

شيرلوك هولمز يتجلى.. بزوغ نجم أشهر محقق في أدب الجريمة

قد يكون السير آرثر كونان دويل، ولسوء حظه، أحد الكتاب القلائل الذين طغت الشخصية التي ابتكروها عليهم هم شخصيًّا، وأضفت عليهم صفاتها وليس العكس. فلم يكن يدور بخلد السير دويل عند كتابة روايته الأولى بعنوان دراسة في اللون القرمزي عام 1878م أنه سيقع في شباك شخصية محققه، وأنه لن يستطيع الفرار منه طوال حياته.

تلت تلك الرواية سلسلة مغامرات بعنوان «مغامرات شيرلوك هولمز» نُشرت في مجلة «ستراند»، التي قفزت مبيعاتها بعد نشر سلسلة المغامرات تلك إلى أعلى المستويات، وبلغ عدد الاشتراكات بها أقصاه.

شجع هذا النجاح الساحق لمغامرات هولمز المجلة على نشر المزيد منها، فكان لهذا النجاح دور أيضًا في تشجيع دويل على كتابة المزيد من الروايات البوليسية ليحقق لنفسه الاستقرار المادي الذي كان ينشد، ولكنه كان دائمًا – وعلى الرغم من كل هذا النجاح – يخبئ بداخله رغبة وأملًا خفيًّا في أنه سوف يستطيع يومًا أن يحقق النجاح نفسه الذي حققته رواياته البوليسية، بنشر الروايات التاريخية التي طالما أحب وفضل طوال حياته.

آرثر كونان دويل ولعنة شيرلوك هولمز الأبدية

في صباح عام 1930م، وقبل مدة ليست بالطويلة من وفاته، نشر السير آرثر كونان دويل رسمًا كاريكاتوريًّا يُظهر حصانًا يبدو عليه الإعياء والإجهاد الشديدين، يجاهد في جر عربة ثقيلة تراكمت عليها مئات القصاصات الورقية التي يحمل كل منها عنوانًا يدل على المراحل المهنية والحياتية المختلفة للكاتب.

آرثر كونان دويل وشيرلوك هولمز

في ذلك الرسم الكاريكاتوري، تراكمت القصاصات التي تحمل عنوان دراسة الطب وممارسته، بجانب تلك التي تحمل عناوين روايات دويل التاريخية، وقصائده، وإسهامه العسكري، ومشاركته في حرب البوير، بينما حملت أثقل وأكبر رزمة تحملها العربة لافتة بعنوان «شيرلوك هولمز».

عبَّر دويل عن شعوره تجاه حياته وأعماله من خلال هذا الرسم، فقد عاش مثقلًا بأعماله الأدبية وعمله طبيبًا ولم تتح له الفرصة، إلا قليلًا، ليكون نفسه ويعبر عن أفكاره التي رآها الكثير من قرائه غريبة ومضللة.

حين بدأ دويل في كتابة رواياته البوليسية، لم يكن يعلم أن محققه الفذ سوف يسيطر على أعماله ومعها حياته كلها، فقد تلاشت الروايات التاريخية، والقصائد،  والمسرحيات، والسجلات الحربية التي كتبها دويل، وكان يأمل أن يتذكره الناس من خلالها، أمام مغامرات هولمز التي لم يلتفت القراء ولا النقاد لسواها.

امتد تأثير مغامرات هولمز ليشمل حياة دويل الشخصية، ويُلقي بظلال ثقيلة على معتقداته التي طالما آمن بها، إذ وجد نفسه دائمًا محط أنظار الجميع ولاقى صعوبة بالغة في التعبير عن إيمانه بالروحانية والتواصل مع الموتى والترويج لهذه المعتقدات، وكان كلما قرأ مقالًا أو سمع رأيًا يتعجب من أن هذا العجوز الخرف المؤمن بالغيبيات هو نفسه مبتكر ذلك المحقق الذي يعد مثالًا للإيمان بالعلم ودقة الملاحظة والاستدلال، شعر بأن هولمز ينظر إليه من بعيد باستهزاء وتحدٍّ، وكأنه يعلن انتصاره عليه.

منوعات

منذ شهرين
سحر الأدب البوليسي.. 6 شخصيات خيالية حازت شهرة أكثر من مبتكريها

ولذلك، في أوج شهرة مغامرات هولمز عام 1893م، قرر دويل وضع حدٍّ لحياة ذلك الرجل الذي صنعه فأتعبه كثيرًا، وبرر دويل فعلته تلك بقوله: «إنه يبعدني عن أفضل الأشياء التي أحبها».

لكنه لم يلبث طويلًا حتى تراجع عن قراره هذا، بعد أن تردت أوضاعه المادية نتيجة لتوقف جماهير القراء عن قراءة أعماله، بعد أن صُدموا لموت محققهم الأثير الذي كان مصدر إلهام لهم، وكان يبعث الأمل في نفوسهم، خصيصًا في ظل الوضع الأمني المتردي في لندن في ذلك الوقت بفعل بعض القضايا الفظيعة التي شهدتها العاصمة الإنجليزية، مثل قضية قتل بائعات الهوى التي ارتكبها عام 1888م مجرم يُدعى جاك السفاح، والتي لم تُحل حتى الآن.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد