في الخامس والعشرين من مايو (أيار) عام 2020 وضع شرطي أمريكي أبيض ركبته فوق رقبة مواطن أسود يُدعى جورج فلويد ولم يرفعها إلا بعد أن لفظ الأخير أنفاسه وفارق الحياة. تسع دقائق هي المدة التي شاهد المارة فيها ذلك الرجل الأسود يُقتل بدم بارد، وعلى الرغم من اعتراض المارة وتوسلات فلويد للشرطي بأن يدعه يتنفس، إلا أن الأخير تجاهل كل هذا واستمر في عدوانه حتى تركه جثة هامدة.

أعادت تلك الحادثة إلى الأذهان ما ظن البعض خطأ أنه انتهى. فقد تساءل الكثيرون إن كان هذا الفعل الشنيع قد حدث أمام أعين المارة وعدسات الكاميرات بدافع عنصرية أفراد الشرطة الأمريكية، فماذا كان يحدث للسود في عصر لم تكن فيه العنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء جريمة ولم يكن هناك رقباء على الممارسات الوحشية التي لطالما مارسها السادة البيض ضد عبيدهم من السود؟

الحق أننا لم نكن لنعرف تفاصيل كثيرة عن الظلم والاضطهاد الذين تعرض لهما أصحاب البشرة السوداء في أمريكا لولا جهودهم في توثيق معاناتهم، فقد حرصوا على نقل حكاياتهم شفهيًا حين مُنعوا من كتابتها. وحين تمكنوا من الكتابة، وثقوا من خلال أدبهم قرونًا طويلة من المعاناة والاضطهاد وأنشؤوا كيانًا أدبيًا فريدًا احتل مكانة كبيرة في أمريكا والعالم كله.

من خلال أدبهم، استطاع السود تقديم أنفسهم للعالم الذي شهد معهم تطور مواضيع حكاياتهم من معاناة خالصة إلى بحث عن الهوية، أسفر عن اعتزاز كبير بالذات والتراث والثقافة واللون. فتقول الأديبة الأمريكية السوداء، توني موريسون: «لقد كنا دومًا نكتب عن أنفسنا.. نحن مواضيع حكاياتنا، نحن شهداء على تجربتنا ومساهمون فيها في الوقت ذاته. نحن كنا أنفسنا دائمًا ولم ننسلخ يومًا عن تراثنا أو نصبح أناسًا آخرين».

Embed from Getty Images

الكاتبة الأمريكية توني موريسون

وترى موريسون التي توفيت في عام 2019، أنه قد جرت محاولات عدة لتبييض التاريخ الأسود للعبودية والعنصرية تجاه السود في أمريكا. فقد كانت تتعجب من أن المتاحف المخصصة لعرض تلك الفترة في تاريخ أمريكا لم تكن تحتوي على نماذج للسلاسل والقيود المعدنية التي كانت تستخدم لضرب وتقييد العبيد، أو صور للحياة القاسية التي تكبدها بني عرقها لفترات طويلة، بل كانت تلك المتاحف – بدلًا من ذلك – تحتوي على صور ونماذج للمشغولات اليدوية التي أنتجها العبيد، وكأن تجاهل الأمر والتخفيف من حدته سوف يمحو هذه الفترة من أذهان الشعب أو يمنع تكرار الحوادث التي تسببها العنصرية.

سجلت توني موريسون، الأديبة الوحيدة السوداء الحاصلة على نوبل في الآداب 1993، عن مجمل أعمالها التي تناولت حياة أصحاب البشرة السوداء في أمريكا في عصور مختلفة، من خلال هذه الأعمال ثقافة بني جنسها وتاريخهم ومعاناتهم الطويلة من وجهة نظرها بوصفها أنثى تريد التحرر من سلطة الرجل الأبيض وكذلك ثقافته ومعاييره وقوانينه التي وضعها وظن أنه يستطيع أن يجبر الجميع على اتباعها.

«العين الأشد زرقة» وبحث لا ينتهي عن الهوية

حين كانت توني موريسون طفلة صغيرة، أخبرتها إحدى صديقاتها السوداوات بأنها تتمنى لو أن يكون لها أعين زرقاء حتى تصبح جميلة. وعلى الرغم من دهشة توني الطفلة حينها لغرابة الأمنية واستحالة تحقيقها، إلا أنها لم تنس ذلك الموقف واستلهمت منه حكاية روايتها الأولى «العين الأشد زرقة».

في روايتها تلك تحكي توني على لسان بطلتها الطفلة البريئة مشاق وأوجاع التفرقة العنصرية التي تختبرها تلك الطفلة، وعن خضوعها وتعرضها للأذى في كل حين لكونها أنثى وسوداء في الوقت نفسه. فهذه الفتاة كانت تكره نفسها كلما نظرت للمرآة إذ لم تكن ترى في نفسها أي معيار من معايير الجمال التي وضعها البيض، فقد كن ينعتها أصدقاؤها في المدرسة بالقبيحة، حتى أن والدتها كانت تصرح بأن الشعر الأشقر لابنة مخدومتها أجمل بكثير من شعر ابنتها التي لم تحظ بأي قدر من الجمال.

وتحمل هذه الرواية بداخلها دلالة بالغة الأهمية، وهي أن الهيمنة البيضاء والعنصرية لم تنته بعد رغم مرور عقود طويلة على انتهاء العبودية، إذ إن الرجل الأبيض لا يزال يفرض ثقافته ومعاييره على ذوي البشرة السوداء ويخجلهم من أنفسهم لمجرد عدم توافقهم مع المعايير التي وضعها. وهي تشير إلى أن النساء من السود قد وجدن أنفسهن في بحث دائم عن هويتهن الحقيقية بعيدًا عن تلك الصور النمطية للمرأة البيضاء الجميلة ذات الأعين الملونة والشعر الأشقر التي تزخر بها هوليوود والإعلانات التليفزيونية.

Embed from Getty Images

من خلال «العين الأشد زرقة» تسرد توني موريسون الهموم التي تعاني منها النساء السوداوات لظنهن أن حظهن العاثر وأن القسوة وقلة الاحترام التي يتعرضن لها إنما سببها في الأساس مظهرهن، وبالتالي لا يستطعن رؤية أي جمال في أنفسهن. وتكون النتيجة الحتمية لذلك الشعور – كما ترى توني موريسن – ضياع هوية هؤلاء النساء وانسحاقهن، بل وقد يؤدي الأمر بهن إلى الجنون كما حدث مع الطفلة بطلة الرواية.

«محبوبة».. حين يتحتم على المرء الاختيار بين الحرية أو الموت

«لقد أخذت تلك المخلوقات البيضاء مني كل شيء كنت أملكه أو حلمت به يومًا ما. لقد حطموا قلبي تمامًا. ليس هناك في العالم كله حظًا أكثر سوءًا من أن يحكمك رجل أبيض» *توني موريسون – رواية «محبوبة»

في عام 1974، وأثناء قيامها بتحرير أحد الكتب بدار النشر التي كانت تعمل بها، قرأت توني موريسون مقالًا يعود إلى عام 1856. كان هذا المقال – الذي وصفته توني بالمروع – يحكي قصة مارجريت جارنر، وهي جارية سوداء تمكنت هي وأطفالها من الهرب من العبودية في المزرعة التي كانت تعمل بها بالجنوب الأمريكي لتستقر بعدها بولاية أوهايو التي لم يكن الرق مسموحًا بها آنذاك.

وبموجب قانون الرقيق الهارب، الذي يعطي مالك الرقيق الحق في تعقب الهاربين خارج حدود الولاية، فقد استطاع صائدوا العبيد تحديد مكانها. وبدلًا من أن تستسلم مارجريت وتعود هي وأطفالها إلى حياة الرق، اختارت أن تقتلهم، فضربت اثنين منهم بمجرفة ونحرت عنق طفلتها ذات العامين. وحين اقتيدت مارجريت إلى السجن بدت هادئة تمامًا وصرحت بأنها أرادت إنهاء معاناة أطفال بسرعة قبل أن يموتوا يوميًا في حياة الرق.

Embed from Getty Images

ألهمت هذه الحكاية المروعة توني موريسون لكتابة روايتها الأشهر والأكثر إثارة للجدل «محبوبة»، التي تتناول قصة حياة سيث التي قتلت طفلتها الرضيعة لتحميها من ذل الرق. وقد حاولت من خلال هذه الرواية أن تدلف إلى نفس الأم القاتلة لتتبين ما جعلها ترى في الموت راحة، وتستحضر روح الطفلة الصغيرة التي تطارد الأم ولا تتوقف عن سؤالها عن الأسباب التي دفعتها لقتلها.

في «محبوبة» تستعرض توني موريسون الوجه شديد القبح لاستعباد البشر لبعضهم، وعن الصدمة التي تطارد كل من مر بتجربة الرق حتى وإن حصل على حريته، إذ إنه يشعر أن هناك قيودًا غير مرئية تكبله وتمنعه من الاستمتاع بحريته لأنه – ببساطة – لم يعد يرى نفسه جديرًا بأن يكون حرًا. وبذلك، يجد القارئ أن الأكثر خطورة من سرقة الحياة واستعباد الجسد هو سرقة الروح، والهوية، والذات، وإقناع الآخر بأنه لا يستحق أن يرتقي لمنزلة البشر.

إن سيث التي كانت تشعر بكراهية شديدة لذاتها لم ترض أن يكون أطفالها، وهم أعز ما تملك في دنياها، امتدادًا لها وأشفقت عليهم من ذلك الشعور الذي كان يقتلها يوميًا عدة مرات، وبذلك كان قتلها لابنتها هو – من وجهة نظرها – أعمق تعبير عن مدى حبها لها.

والحقيقة أن توني موريسون، من خلال روايتها تلك، لم تكشف فقط عن الجانب السيئ للعبودية على السود فقط، بل ألقت الضوء على التأثير المدمر الذي يتركه الإحساس بالفوقية على الرجل الأبيض ذاته. فتقول على لسان أحد شخصيات روايتها: «إن العبودية لم تغيرنا نحن فقط، بل إن تأثيرها طال البيض أنفسهم فأصبحوا أكثر دموية، ووحشية، لقد أصبحوا أسوأ بكثير مما أرادوا هم أنفسهم أن يكونوا».

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
الوجه الخفي للطب الأمريكي.. تاريخ طويل من استعباد واستغلال السود

وبذلك، كشفت توني موريسون عن أن تلك الحقبة المظلمة قد تركت تأثيرًا لا يمكن إنكاره على ذوي البشرة السوداء والبيضاء على حد سواء، وبالتالي على الهوية الجمعية لعموم الشعب الأمريكي. ولهذا السبب، شددت توني على وجوب فهم الماضي وإزالة الغطاء عن جوانبه الخفية والمظلمة لا تجاهلها حتى يستطيع أبناء الوطن معالجة ما تركه فيهم إرث العبودية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد