أُختي العزيزة:

أنتِ لن تعرفيني، لكن مِثْلُكِ أنا أيضًا بريطانيّةٌ ومُسْلِمة. بعضٌ مِنْ أصدقائكِ من الممكن أن يكونوا قد رحلوا ليلتحقوا بداعش، وأنتِ تنوينَ الرّحيلَ أيضًا. وسائلُ التواصل الاجتماعيّة غامرةٌ بحكاياتٍ عن كيف أنَّ الحياةَ رائعةٌ في ظلِ داعش؛ حدَّ أنكِ ستُوْعَدِينَ بزوج، وبالفرصة لكي تؤدّي فرضكِ الدّينيّ بـالهجرة. لربّما أنكِ دائمًا ما قرأتِ قَصَصَ نساءٍ، يشرحونَ كيف أنهم أُعْطوا منازلَ مجّانيّة، استقرارًا، وأخويّة صُنِعتَ بواسطةِ نِسْوةٍ من جميع أنحاء العالَم، وأنَّ داعش تكفل الأمان. لكن، أغلبُ ما تؤمنين أنتِ به، هو أن الرّحلةَ المؤلمة بتَرْكِ والِدَيْكِ وأقرِبَائكِ لهو ألمٌ يستحقُّ التضحيةَ في سبيل رضا الرّب.

لا نيّة لدي بكتابةِ هذا الخطاب إلا أن أُخبِركِ أنه يُكْذَبُ عليكِ بألعنِ الطُّرق. فقط؛ لأن الكاذبين عليكِ مُتخفِّين في زيٍّ دينيّ – يتحدّثون لغةً دينيّة، ويدّعون أنهم يتحدّثون باسم الرّب، لا يغيّرون الحقيقة البسيطة في أنكِ يُكْذَبُ عليكِ بواسطة التلاعبِ القذر بتعاليمنا الإيمانيّة. يُكْذَبُ عليكِ بدايةً عن واجبكِ الدينيّ كمُسْلِمة، ولكن أيضًا عن حقيقة العْيشِ تحت رايةِ داعش. واعتقادُكِ المُدَمِّرِ لحياتك، من أجْلِ حزمةٍ من الأكاذيب؛ هو ما استنفرني لأكتبَ هذا الخطاب. لأنكِ تستحقّينَ أن تعلمي الحقيقة وأن تحْيَيْ حياةً سعيدةً وعامرةً بالوفاء.

ليست هناكَ فريضةٌ دينيّة أن تقومي بالهجرة أو أن تتعهدي بالبيعة للمعلنِ نفسه قائدًا الذي يدّعي كونَه خليفة. عاش المسلمون لقرون في أراضٍ ليست تحت حُكْمِ المسلمين. حتّى في عهدِ النّبي لم يطلب من المسلمين الأوائل الذين هاجروا في البداية للحَبَشَة أن يغادروا للمدينة عندما كانتِ المدينة تحتَ حُكْمِ النّبي (صلى الله عليه وسلَّم). لكنَّ هذا الُمَنصِّبُ نفسه خليفةً البغداديّ يدعوَكِ لتهاجري كما تقولين؟ لكن، أنا أسألُكِ: أيُّ نوعٍ من الخلفاء هذا الشّخص الذي هو في تعارضٍ مباشرٍ لتعاليمِ القرآنِ والرسول الكريم (صلى الله عليه وسلَّم)! كيفَ لِهذا المزعومِ خليفةً أن يُحلَّ قتلَ أُناسٍ أبرياءَ. كيف يبيحُ قتْلَ قادةٍ مُسْلمينَ وعُلماءَ يَدعون للحُبِّ والسَّلام؟ اسْتِلابُ ولو حياةُ شخصٍ واحد تُماثِلُ قتْلَ البشريّة جمعاء. هذا الخليفةُ ذاتُه، يُحِلُّ قتل المسلمينَ وغير المُسلمين علي حدٍ سواء؛ بما في ذلك الُعمّالَ المُحْسِنينَ مثل آلان هينج: رجلٌ اختارَ أن يتخلّى عن الاحتفالِ بالكريسماس مع عائلتِه، وبدلًا من ذلك يساعد الأطفال السُّوريّيّن.

قولي لي: أيَّ جرائمَ اقترفتها آلاف الفتياتِ الشّابّاتِ بالعراقِ وسوريّا لكي يُبيحَ بيعهنَّ في أسواقٍ جنسيّةٍ للعبيد، وأن يُغْتَصَبوا من مُقاتلي داعش؟ لستُ أقولُ كذِبَةً؛ منشوراتُ داعش ذاتهُا أعلنت بوضوحٍ أن هذا هو الموضوع. أخبريني، ما السببُ المُبَرّرّ لتدمير كنائسَ من قرون قديمة، ولِقتْلِ الأقلّيّاتِ الأخرى مثل اليزيديّيّن حينَ يُعلِنُها الرّبُ صراحةً “الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”. سورة الحجّ (22)

داعش تُغفِل أن تُخبركِ أنه لقرونٍ، عاش النّصارى وأقليّاتٌ أُخرى في الشرق الأوسط في تناغمٍ مع جيرانِهم المسلمين. لأن ذلك ليس مُريحًا بالنسبة لروايتهم المُسمّمّة عن الإسلام. كما يكتب الفقيه المُسلم خالد أبو الفضل، أنّ القرآن يُعلِّمُنا أنَّ فِعل التدمير أو نشر الرّوع في الأرض هو واحدٌ من أثقل الذنوب المُمكِنة. الفساد في الأرض والذي تعني أن تُفسدَ الأرض بتدمير جمالِ الخلْق، يُعدُّ أقصي فِعلُ تجديفٍ على الله.

هؤلاء الذين يُفسِدون في الأرض بتدمير الحيواتِ، والممتلكاتِ والطبيعة يُصَنَّفونَ كمُفسدين والذين يشنّونَ حربًا ضدَّ الرّب بتفكيكِ نسيجِ الوجودِ، وذلك هو ما نَذَرَت داعش نفسها إليه. الإسلام لا يتطلّع أن يفرض نفسه على الأديانِ الأُخرى. القرآن أخبر أن الله خلق الناس مختلفينَ ومُتعدّدّينَ كاختبارٍ لعلنا نصلُ أن يعرف بعضنا بعضًا، ليس ليسخرَ بعضنُا مِنْ بعض”.

التنوع البشريّ -كما يكتب فَضْل، جزءٌ من الخُطَّة الإلهيّة، والاختبار للكائناتِ البشريّة هو أن نتعايش ونتفاعل على الرغم من اختلافاتِنا.

داعش تزعم أن الفتيات يجب أن يتزوجنَ بدءًا من سِن التاسعة، وأن النساء يجب أن تظلّ “مستترةَ ومُحتَجِبَة عن المُجْتَمَع” لكنَّ هذا يبقي تناقدًا صارخًا بالنسبة لتاريخ المُسلِمين. أبرَزَ الإسلامُ بعضًا من أكثر النّساء إدهاشًا، واللاتي لم يكنَّ إلا مُحتَجِباتٍ بعيدًا عن المُجتمَع. ساهمت النساءُ المسلمات في كل حركاتِ الحياة بمن فيهنَّ فاطمة الفهريّة والتي في عام 859 ميلاديًا، أسّستْ أوّل جامعة تمنحُ درجةً أكاديميّةً بالمغرب. أسماء بنت شهاب الصُّلَيْحي (ه480/م1087) والتي حكمتْ اليمن مع زوجها كما فعلت أختها الشّقيقة أروى. كلتا القامتين الأُنثَويَّتين للدولة كانتا تُحتَرمانِ للغاية؛ حتّى أن في خُطَبِ يوم الجُمعة بالمساجد كانتا يُدعى لهما باسمَيْهِما. مُحْتَجِبات، تلك النساء لم يكُنَّ كذلك. رواية بلاد العراق والشام عن النساء تتعارضُ وتاريخَ المسلمين في الشرف الذي قد منحه الله للنساء، والإساءات لمثل هؤلاء النساء المسلمات العظيمات اللاتي كُنَّ رائدات في جميع حركاتِ الحياة.

تدّعي داعش في كونها تُطالب بتحرير المرأة، لا، لا تنخدِعنَ ؛ذلك ليس تحريرًا. هذا هو القهْر، والعبث باستقلاليّة وفاعليّة المرأة التي أنعمَ الرّب بها على النساء لكي تُستَخدَم في خدمة الإنسانيّة. الحرّيّة هي نواة جوهريّة للإسلام. داعش دائمًا ما يبدو أنها ترفضها وفقط. تقديرُ الحياة هو تعليمٌ قرآنيٌّ مُقدَّس، لكن، يبدو أن داعش تبخَسه. السّلام هو ما يدعو إليه القرآن مرارًا وتَكْرارًا، والآن، داعش فقط دائمًا ما سعتْ للحرب وسفك الدّماء. بعض النساء اللاتي يدعونكنَّ لداعش، هُنَّ نفسُ النّساء اللاتي يُمجّدون مقتل المسلمين وغير المسلمين، واللاتي يدعُنّ لسفك دماء الأطفال في وطننا، هُنا في بريطانيا.

أيُّ نوعٍ من الإسلام هذا؟ متى كانَ في جوهره إسلامًا يدعو لفعل إرساء السّلام. أين ذلك السّلام في الإصدار الداعشيّ للإسلام؟ أرى أنه لا سلام؛ فقط موت، دمارٌ وبؤس. وذلك يقف متعارضًا مع التراث الإسلامي عبر القرون؛ فهذا التراث مبنيّ على الرّحمة، والعطف، والتعدديّة، والتعايش والكرامة الإنسانيّة. لِزمًا عليكِ أن تعرفي مهما حدث، في اللحظة التي ترحلين فيها إلى هناك، فُرَصُ عودتكِ ضئيلة. النّساء الشّابات اللاتي تبيَّنَّ خطأ طُرُقِهنّ، قد حاولْنَ أن يهرُبنَ لكن، العديدات قد فشِلنْ. القدرة أن تُحقّقّنَ أي أحلامٍ راودتكنُّ ذاتَ يوم ستنتهي، عندما تكتشفن أن هُويَّتِكُنَّ، وإدارتِكُنَّ وحُرِّيّاتِكُنَّ جميعها مرفوضة ومقموعة. تتعاملُ داعش مع النساء كمواطناتٍ من الدرجة الثانية، ليس التقدير والكرامة التي يعِدُ الإسلامُ بها النساء.

في النّهاية، المرءُ يستطيع أن يهتم بشخصٍ واحدٍ والذي بدونه لم يكن لكِ أن تكوني على قيد الحياة اليوم. أُمُّكِ. أُمُّكِ التي لسنواتٍ ربّتكِ ورعتْكِ؛ كي تكوني قادرةً أن تُحَقّقّي أشياءَ عظيمة. أُمُّكِ التي كانت لتخسر طعامها من النوم ليلًا، التي اعتنتْ بكِ عندما كنتِ مريضة، والتي بإيثارٍ وضعتكِ أولًا فوق وقبل احتياجاتها الذّاتيّة. نفسُ الأُمِّ التي كانت تُضفِّرُ لكِ شعرك من أجل المدرسة كل صباح، تتأكد أن زيّكِ مكويّ، وحقيبة المدرسة جاهزة. ولهذا السبب؛ المرأة تحتلُّ مكانًا خاصًّا بالإسلام. أمُك ثم أمك ثم أمّك هو ما علمنا إيّاه النبيُّ مُحمَّد (صلى الله عليه وسلَّم) بطلبها منكِ أن تتركي عائلتكِ خلف ظهركِ؛ داعش تدعوَكِ أن تُديري ظهركِ لأُمّك.

أُختي العزيزة، لا تُدمّري حياتكِ وحيواتِ عائلتك بشراء كذبة. ستجدين العديد من أخواتكِ المُسلِمات قد رفضنَ أيضًا دعوة داعش؛ لأنهنَّ استشففنَ الأيدولوجيّة السّامة التي يُروَّجُ لها. لا تتردّدي أن تتصلي مُباشرةً إنْ أردتِ أن تقولي أكثر. وكآخرين عديدين، انضمّي لرفقتنا MakingAStand# نبني مِنبرًا لنستعيدَ إيماننا من هؤلاء المتطرّفين الذي يُشوّهون تعاليمَ الإسلام. نصنعُ منبرًا من أجل السّلام، الرّحمة، الشفقة، من أجل احترام الآخرين.

نصنعُ مِنبرًا ضد «داعش» التي بدلًا من ذلك، تدعو لسفك الدّم، الموت، الخراب، الاغتصاب. أتمنّي أن تلحقي بدعونا ضد دعواهم.

أُختُكِ في الإسلام

سارة

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد