يبدو أننا متجهون لمعركة جديدة، وذلك مع قيام تركيا بالتكشير عن أنيابها مرة أخرى بعد سنة من الهدوء على حدودها الجنوبية، إذ أشارت مصادر خاصة لـ«ساسة بوست» من داخل المنطقة السورية، إلى تعزيزات عسكرية تركية وأيضًا للـ«جيش الوطني السوري» للبدء بعملية عسكرية على مدينة عين عيسى الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» والتي تعتبر ذات أهمية إستراتيجية كونها بمثابة عاصمة الإدارة الذاتية التابعة لها.

مؤشرات عديدة أكدت أن هناك نية واضحة لأنقرة للقيام بعملية عسكرية في عين عيسى، وذلك أنها منذ أكثر من شهر كثفت من قصفها على المدينة ومحيطها، هذا القصف لم يكن كسوابقه الذين كانوا في غالب الأحيان على شكل تحذير، أما الآن فإنه بات من الواضح أنه مركز ويستهدف مواقع «قسد» العسكرية، ويأتي بشكل متواصل، ويتصاعد بشكل يومي؛ ما ينذر باقتراب موعد المعركة.

لم تتوقف التهديدات التركية على مدى سنوات الثورة السورية المرسلة إلى قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، والتي تعتبرها تركيا مجموعة «إرهابية» ترتبط بشكل مباشر بحزب العمال الكردستاني، وشنت تركيا ضدها عمليتين عسكريتين هما (نبع السلام وغصن الزيتون)، ولكن الآن ما الذي جعل هذه التهديدات مترجمة على أرض الواقع بقذائف وصواريخ تنهمر على مواقع «قسد»، بعد أن كانت تهديدات كلامية فقط؟

هناك عدة أسباب تدفع تركيا للقيام بعمليتها العسكرية في هذا الوقت وبشكل سريع، والتي سنناقشها في هذا التقرير بشكل موسع، كما سنتحدث عن المؤشرات التي تؤكد اقتراب العملية العسكرية التركية، وهل هناك إمكانية لإيقافها من قبل روسيا أم أن تركيا قد دفعت الثمن مسبقًا للقيام بها؟

هل هذا الوقت مناسب لعملية تركيا العسكرية؟

تعتبر أنقرة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» تهديد قومي وأمني لها، إذ تتخوف من قيام دولة أو كيان كردي معادي على حدودها الجنوبية، وهذا بالذات ما تسعى لمنعه بشكل أساسي حتى لا تحدث حركات ودعوات انفصالية في المناطق الكردية داخل تركيا، قد تتطور في وقت لاحق لعمليات مسلحة ضد الجيش التركي وتكون مدعومة بشكل أساسي من «قسد» وحزب العمال الكردستاني، ومن الواضح أن تركيا لا تألو أي جهد في سبيل منع ذلك، حتى لو كان ذلك يهدد مصالحها السياسية وأيضًا الاقتصادية القريبة.

في كل عملية عسكرية تشنها تركيا ضد «قسد» نسمع أصواتًا عالية من الاتحاد الأوروبي وأمريكا وأيضًا بعض الدول العربية، تطالب أنقرة بوقف عملياتها على الفور وعدم التدخل في سوريا، بالإضافة بالطبع لاتهامها بالعديد من الاتهامات، وهل الأشياء التي لم تمنع تركيا من تنفيذ أي من عملياتها العسكرية، والآن يبدو أننا على موعد مع عملية عسكرية جديدة، فهل هذا الوقت مناسب لها؟

Embed from Getty Images

ما تزال أمريكا في حالة انتقالية بين ترامب وبايدن، وانشغالهم ولم يزل هذا الموضوع إعلاميًا وأيضًا قضائيًا هو شاغل أمريكا الأساسي، وعلى الرغم من ذلك، تتم في هذه الفترة التجهيزات لعملية انتقالية كي يتسلم بايدن مفاتيح البيت الأبيض، لتشكيل سياستها الخارجية، والتي غالبًا ما ستكون تصادمية مع أنقرة، خاصة بعد وصفه لأردوغان بالمستبد وهدد بدعم المعارضة التركية، وهو ما يعني تسريع تركيا في عمليتها العسكرية المرتقبة في عين عيسى، تخوفًا من قيام الإدارة الأمريكية الجديدة بوضع عراقيل وعقوبات قد تجبرها على إلغائها.

ثالثًا كانت السعودية، ومصر، والإمارات تشكل تكتلًا ضد التوجهات التركية، وعلقوا على تدخل أنقرة المباشر في سوريا في أكثر من مناسبة، كما قدمت السعودية دعم مالي وسياسي وزار قيادات عسكرية سعوديون وإماراتيون المناطق الخاضعة لسيطرة قسد عدة مرات، ولكن هذا الدعم ربما لن يستمر خاصة بعدما أصبحنا على أعتاب الاتفاق على إنهاء الأزمة الخليجية، وهو ما رحبت به أنقرة، والجدير ذكره أن الحديث عن اتفاقية الكويت للمصالحة أتى بعد بضعة أيام من زيارة قام بها الأمير القطري تميم آل ثاني إلى أنقرة وتوقيعه 10 اتفاقيات في المجالات العسكرية، والأمنية، والاقتصادية.

وبالطبع انتهاء الأزمة الخليجية يصب في مصلحة تركيا التي تريد دعم عربي لها في توجهاتها بسوريا والمنطقة، وذلك من خلال مؤشرات رآها محللون أنها إيجابية من خلال التقارب والوحدة التي دعا لها أردوغان مؤخرًا، وأيضًا المؤشرات الإيجابية بين تركيا والسعودية التي يعتقد أنها بداية ذوبان جبل الجليد بينهما، وعودة العلاقات الودية بين الجانبين، وهذا التقارب وإن كان في بدايته فهو يعتبر ورقة مهمة لتركيا للبدء في عمليتها العسكرية سريعًا.

مؤشرات اقتراب العملية العسكرية

للأتراك حساباتهم المعقدة في سوريا، خاصة مع التواجد العسكري الأمريكي، والروسي، والإيراني، المباشر، وأي تحرك لها لا بد أن يمر عن طريق هؤلاء والتنسيق معهم، وتحاول تركيا كسب الأوراق لتشكل قوة ضغط خلال مفاوضاتها مع الأطراف، ومن ثم وضعها على الطاولة كي تقوم بخطوتها التالية وفي الوقت المناسب لها، وربما لن تجد تركيا وقتًا مناسبًا لشن عمليتها العسكرية الجديدة بأفضل من هذا الوقت.

Embed from Getty Images

قال مصدر خاص لـ«ساسة بوست» حضر اجتماعًا بالعاصمة التركية أنقرة في تاريخ 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، برفقة قيادات عسكرية في الجيش الوطني السوري، وأيضَا عدد من الإعلاميين السوريين، أن تركيا تستعد لشن عملية عسكرية سريعة في منطقة عين عيسى ومحيطها بريف الرقة الشمالي.

وأكد المصدر، الذي طلب عدم كشف اسمه، أن الاجتماع جرى بحضور ضباط أتراك، وجرت فيه مناقشة مطالب قيادات الجيش الوطني والمعدات التي يحتاجونها للتجهيز لعملية عسكرية مرتقبة، كما تم إعطاء وعود للإعلاميين السوريين بتقديم دعم لوجستي (معدات تصوير، وموبايلات، وإنترنت، وأيضًا رواتب) حتى يقوموا بتغطية الأحداث والمعارك.

وأشار المصدر الخاص أن «قرار المعركة يبدو أنه قد أٌخذ، ولكن وضع التوقيت لم يتم بعد، وأن ما جرت مناقشته في الاجتماع هو مجرد مطالب سيتم رفعها إلى وزارة الدفاع للموافقة عليها، ولم يتم إعلامنا بموعد العملية، أو حتى تأكيدها لنا، وكل ما في الأمر أن الأتراك يقومون حاليًا بتهيئة الأجواء للمعركة».

هذه التهيئة على ما يبدو يتم ترجمتها على الأرض، بقصف تركي عنيف، إذ أكدت شبكة «فرات بوست» أن تركيا قصفت في الخامس من ديسمبر 2020 على مواقع قسد بأكثر من 200 قذيفة، وردت الأخيرة باستهداف مواقع للأتراك و«الجيش الوطني» في منطقة نبع السلام، هذا القصف يعتبر الأعنف منذ بدأ التوتر في المنطقة منذ أكثر من شهر.

إلى جانب ذلك فقد أشارت قسد في بيان رسمي لها أن «الجيش التركي كثف من قصفه المدفعي على خط عين عيسى وقرى ريف تل أبيض، وأكدت وجود تحشدات كبيرة للجيش الوطني السوري في محيط قرية المالكية بريف عين عيسى، ووضع قواعد بالقرب من الطريق الدولي إم 4 وسط استعداداته لشن هجمات»، وعلى الجانب المقابل فإن قسد أيضًا أرسلت بتعزيزات عسكرية كبيرة من قواتها وعتادها، وذلك في انتظار انطلاق المعركة التي يعتقد أنها إذا ما وقعت فلن تصمد أمامها كثيرًا.

المؤشر الأهم الذي يؤكد أن العملية العسكرية التركية باتت قريبة، هو ما نشرته شبكة الخابور المتخصصة في أخبار المنطقة الشرقية وخاصة مناطق النفوذ التركي، عن مراسلها، والذي قال إن دوريات روسية وعددًا من جنود النظام السوري قد انسحبوا من اللواء 93 في منطقة عين عيسى إلى النقطة الروسية في بلدة تل السمن في ريف الرقة الشمالي، حيث أتى هذه الانسحاب وسط تواصل القصف التركي على مناطق قسد؛ ما فهم منه أنه توافق بين الجانبين.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال بتاريخ الثالث من أكتوبر 2020: إن «تركيا ستعمل على تطهير أوكار الإرهاب في سوريا بنفسها إن لم يتم الوفاء بالوعود المقدمة لها، في إشارة إلى وعود أمريكية وروسية عقب عملية «نبع السلام» بإخراج «الإرهابيين» من المناطق المتاخمة للحدود التركية شرق الفرات في سوريا»، هذه التصريحات تعبر عن نفاد صبر القيادة التركية في موضوع حساس جدًا لها ولأمنها القومي، ولا مجال هنا للتأخير.

ولكن ربما هذه التصريحات القوية لأردوغان لم تكن لتنفذ بدون الاتفاقات والتفاهمات بين أطراف الصراع، فلا بد هنا عن النظر إلى سوريا من أعلى لمعرفة كيفية تركيب الأحجيات، وكيف تتم الأمور فيها، فكل ما يقال هو جزء بسيط مما يمكن أن يكون تم الاتفاق عليه.

الضوء الأخضر الروسي.. وثمن المعركة

انتهت عملية نبع السلام التي أطلقتها تركيا في التاسع من أكتوبر 2019 بسيطرة تركيا على مناطق واسعة من ريفي الرقة والحسكة الشمالي من ضمنها مدينتي تل أبيض ورأس العين المهمتين وعشرات القرى والبلدات، خلال معارك استمرت لمدة ثمانية أيام فقط، تلا ذلك اتفاق روسي تركي في 23 من ذات الشهر، واتفقت الشرطة العسكرية الروسية وحرس الحدود السوري على إخراج عناصر «قسد» الذين بقوا خارج منطقة «نبع السلام»، لمسافة 30 كيلومترًا من الحدود التركية.

هذا الاتفاق عنى الكثير في ذلك الوقت، وفهم منه أن أمريكا استغنت عن حلفائها وتركتهم لقمة سائغة للجيش التركي، ولم تمنع أو تقوم بما يلزم لكبح الأتراك؛ إذ شعرت وقتها «قسد» بالخذلان، وتوجهت لروسيا، وطلبت منها الدخول إلى مناطقها لوقف تقدم الجيش التركي، والتي استجابت على الفور، إذ قامت بإرسال جنودها، بالإضافة لجنود النظام السوري إلى المنطقة، وشوهدت في تلك الفترة العربات الروسية والسورية تمر إلى جانب العربات الأمريكية المنسحبة، وهذا الأمر فقط أدى لوقف تمدد الأتراك ووقف عملية نبع السلام، وهكذا أصبحت المنطقة عمليًا ضمن نفوذ الروس، وهنا نتحدث عن المنطقة الواقعة على الحدود فقط، بينما ما تبقى من مناطق لقسد ما تزال ضمن النفوذ الأمريكي.

كنا قد ذكرنا آنفًا أن الجيش الروسي انسحب من مناطق له في محيط مدينة عين عيسى، وهو ما رأى فيه ناشطون اتفاقًا تركيًا روسيًا محتملًا، ربما لتسهيل عملية السيطرة على المدينة، ولكن ما عودتنا عليه موسكو أنها لا تتنازل بدون القبض على الثمن، حتى ولو أنها لم تفي بوعدها بإبعاد قسد عن الحدود التركية، وهنا نتحدث عن خذلان أخر محتمل وبطعم جديد لقسد.

وحسب ما نقلته شبكة «فرات بوست» عن مصادرها الخاصة أن الروس طرحوا أمام «قسد» حلًا يقضي بوقف العملية التركية على عين عيسى مقابل إنشاء نقاط أمنية تابعة للنظام السوري في المدينة ومحيطها، وأعطى الروس مهلة لإتخاذ القرار النهائي، إلا أنه على ما يبدو أن قسد رفضت هذا الحل وواصلت إرسال التعزيزات وحفر الأنفاق.

في تقرير لمركز جسور للدراسات، ربط بين ما يحدث في عين عيسى من قصف عنيف بما حدث من انسحاب الجيش التركي من نقاط المراقبة الواقعة ضمن مناطق سيطرة النظام السوري في مورك ومعرة حطاط وشير مغار بريف حماة، (وهو ما يعني تراجع تركيا عن مطالبتها بالعودة إلى اتفاق «سوتشي» والذي يضع حدود للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة إلى ما وراء مورك)، ورأى التقرير أن الانسحاب التركي هو نوع من إبداء المرونة مع المطالب الروسية مقابل تحقيق مكاسب في مناطق أخرى.

وأشار التقرير أن هناك عوامل تتوقف عليها العملية، وهي مدى قبول روسيا بتنفيذها، والتي ستكون مرتبطة بمدى التجاوب التركي مع المطالب الروسية، وأيضًا تجاوب قسد مع التفاهمات التركية الروسية وبالتالي انسحابها من الحدود التركية ووقف حفر الأنفاق وإنشاء التحصينات، وأخيرًا رغبة الطرفين الروسي والتركي في فرض حقائق على الأرض قبل استلام الرئيس الأمريكي الجديد لمهام منصبه.

ودائمًا في كل المعارك التي وقعت في سوريا، يدفع المدنيون أثمان الصراع المستمر منذ عقد من الزمن، فها هم الآلاف ينزحون من مدينة عين عيسى خوفًا من الموت القادم إليهم، وبحثًا عن الأمان الذي فقدوه عندما قرر النظام السوري الوقوف في وجه الشعب، وإلى أن يصدر الضوء الأخضر لشن العملية التركية المحتملة، ربما سنشهد تصاعدًا في القصف، والتعزيزات، وأيضًا النزوح، وفي النهاية سيكون ما يريده أطراف الصراع، وربما ليس للمواطن السوري من الأمر شيء.

المصادر

تحميل المزيد