عدّة مؤشرات تشي بأنه يستحيل على رئيس الحزب الإسرائيلي «أزرق أبيض» بيني غانتس أن يُشكِّل حكومة، إذ تكلَّف بهذه المهمة قبل أيام، ففرصته الآن تعني تكرار الفشل الذي نال من الفرصة ذاتها حين كانت بجعبة منافسه رئيس «حزب الليكود» بنيامين نتنياهو. بيد أن الأخير المناور منذ صدور نتائج الانتخابات في 17 من سبتمبر (أيلول) 2019 حتى الآن للحصول على مقعد رئاسة الحكومة الإسرائيلية، يدفع موقفه نحو التوجُّه إلى انتخاباتٍ برلمانيةٍ ثالثة، ذاك الأمر غير المسبوق في تاريخ الإسرائيليين، لكنّ المعضلة الأهم أن انتخابات إسرائيل الثالثة تلك – حسب مراقبين حاورهم «ساسة بوست» – لن تأتي بتغييرٍ في الخارطة الحزبية في إسرائيل، في ظل انعدام المؤشرات التي تُشير إلى إمكانية إحراز تغيُّرٍ نوعيٍّ في تلك الخارطة من حيث عدد المقاعد في الكنيست التي ترجح كفة مرشح على الآخر.

انتخابات منذ شهرين لن تأتي بـ«رئيس حكومة إسرائيلي»

أعلنت لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل نتائج الانتخابات البرلمانية الثانية التي جرت هذا العام في 17 سبتمبر، ولم تحمل تلك النتائج مفاجئاتٍ فارقة، إذ كان فوز حزب «أزرق أبيض» الذي يترأسه بيني غانتس باهتًا؛ فقد فاز بفارق مقعدٍ واحد عن منافسه «حزب الليكود» بقيادة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وهو فوزٌ لم يمكِّنه من تحقيق أغلبية برلمانية مشروطة قانونيًا بـ61 مقعدًا لتشكيل الحكومة منفردًا.

في المحصِّلة، قضت النتائج بأن تكون كتلة نتنياهو الإجمالية، والتي تضم الأحزاب الدينية الأرثوذكسية والدينية المتطرفة 55 مقعدًا، في حين أن كتلة يسار الوسط مع حلفائها بقيادة زعيم حزب «أزرق أبيض» غانتس نالت 54 مقعدًا، أي أنها نتائج لا تُمكِّن أيٍّ منهما من تشكيل حكومة يجب أن تتألف غالبيتها من 61 نائبًا.

إذًا لُجئ إلى خيارات أخرى قد تفرض حلًا لتشكيل حكومة لم تفرضها نتائج الانتخابات الأولى، فحضر الخيار الأول بأن ينجح نتنياهو في مفاوضات يتمخض عنها تشكيل حكومة وحدة وطنية، تتمثل في توافق أحزاب الليكود بقيادة نتنياهو و«أزرق أبيض» بقيادة غانتس و«إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيجدور ليبرمان بمجموع أصوات 74 مقعدًا، لكنه فشل.

وبحثًا عن حلٍ يفرض رئيس وزراء، كلّف الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين نتنياهو بتشكيل الحكومة يوم 25 من سبتمبر (أيلول)، فسعى إلى تشكيل حكومة يمينية تجمع حزبه مع حزب «إسرائيل بيتنا» الذي يقوده ليبرمان، لكنّ نتنياهو الذي يعامله ليبرمان باعتباره يمينيًا فاسدًا وقبل يومين من انقضاء الـ28 يوم المحددة له زمنًا قانونيًّا لتشكيل حكومة ائتلافية عدل عن تشكيل الحكومة، وقال إنه «عمل بلا كلل لتشكيل حكومة وحدة موسعة»، وهو الموقف الذي قضى هذه الأيام بنقل فرصة تشكيل هذه الحكومة إلى منافسه غانتس في 21 من أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

«يديعوت أحرونوت»: هذا ما كان يأمله الحكام العرب من انتخابات إسرائيل

غانتس سيعجز عن تشكيل الحكومة

حصل غانتس في الانتخابات الأخيرة، على 33 مقعدًا في الكنيست المتكوِّن من 120 مقعدًا، وهم يشكلون مع 11 مقعدًا يضمنها من حلفائه الفائزين 54 مقعدًا لكن يلزمه لتشكيل الحكومة 61 مقعدًا. فلماذا يتوقع أن يفشل غانتس أسوة بنتنياهو في تشكيل الحكومة؟

يستند المحللون في توقعاتهم بفشل غانتس إلى عدّة أسباب، يُفصلها الخبير في الشأن الإسرائيلي صالح النعامي بالقول إنه بجعبة غانتس قرابة 54 مقعدًا في الكنيست؛ مما يجعله مضطرًا لمحاولة ضمّ حزب الليكود أو الأحزاب الحريدية وبعض الأحزاب الدينية، لكن ما يجعله يفشل في ضمهم أنهم يُشكلون كتلة مانعة قوامها 55 مقعدًا، ويشترطون إمّا البقاء في الحكومة، أو الخروج جميعًا، بالإضافة إلى اشتراطهم أن تكون الأولوية لنتنياهو في رئاسة الحكومة الجديدة، ويُشير  النعامي في حديثه مع «ساسة بوست»: «طالما أنّ كتلة الأحزاب اليمينية خارج نطاق التأييد لغانتس، فيستحيل له تشكيل الحكومة إلا بعد تفكيكها، وتفكيكها مرهون بتقديم إدانة نتنياهو بملفات الفساد قضائيًا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019».

بيني غانتس

ولا يخرج توقُّع مترجم اللغة العبرية والمختص بالشأن الإسرائيلي محمد دراغمة عمّا سبق حول فشل غانتس، فيتوقّع أن تنقضى المدة القانونية له (تستمر حتى 20 من نوفمبر) وهو عاجز عن تشكيل الحكومة، فهو «يتعامل مع نتنياهو وأحزاب اليمين الإسرائيلي كتلةً واحدة أي أنّ 55 عضو كنيست يتفاوضون وكأنهم حزبٌ واحد، فبالتالي بدون تحالف مع كل أحزاب اليمين لا يُمكنه تشكيل حكومة».

ولا يتوقع دراغمة أن تحدث مفاجأة تُغيِّر من التوقُّعات السالفة، لكنّه يستدرك أثناء حديثه لـ«ساسة بوست»: «المفاجأة ستكون بتوجيه لائحة اتهام ضد نتنياهو بشبهات الفساد من الممكن أن تجعله يدفع الثمن في هذه الحالة، فتوجيه لائحة اتهام ضد نتنياهو يعني أن يحل محله شخص آخر لقيادة الليكود».

كما يمكننا الإشارة إلى خيارٍ ثالث، لكنّه ضعيف، يبعد عن خيارات تشكيل نتنياهو أو غانتس لتلك الحكومة، وهي أن يُقدِم الرئيس الإسرائيلي في حال فشل غانتس على تقديم مرشح آخر – ليس شرطًا أن يكون رئيس حزب – لرئاسة الحكومة شرط أن يحظى بتأييد 61 عضوًا في البرلمان «وهذا أمرٌ صعب في ظل المعطيات الحالية، بالتالي من المرجّح الذهاب لانتخاباتٍ جديدة، والبعض بدأ يتحدث أنها ستُجرى في شهر مارس (آذار) 2020 باعتباره موعدًا مقترحًا» كما يقول لنا دراغمة.

«خبث» نتنياهو يحرّك إسرائيل نحو انتخابات ثالثة

لأقصى حد، يُعنى نتنياهو بتشكيل حكومة تكون منجيةً له من المحاكمة في قضايا الفساد المسنودة إليه، فهو يواجه لوائح اتهام محتملة في ثلاث قضايا فساد تصل عقوبتها إلى السجن 15 عامًا.

اليهود الأرثوذكس المتطرفون على سطح أحد المباني خلال تجمع انتخابي

فهل يمكن أن يتخذ نتنياهو خطوات لتغيير الأمور لصالحه الآن؟ برأي المختص بالشأن الإسرائيلي محمد دراغمة، فإنّ خيارات نتنياهو أصبحت مستهلكة، ولم يعد لديه أيَّ سلاحٍ جديد يستخدمه من أجل تغيير الخارطة السياسية الإسرائيلية، لذا، ووفق المؤشرات الموجودة حاليًا فإن الإسرائيليين ذاهبون إلى انتخابات جديدة ما لم تحدث مفاجأة، ومع توقع فشل غانتس في تجنيد أغلبية لصالحه، فإنه ينبغي أن تجرى الانتخابات في غضون 90 يومًا، أي إمكانية إجراء الانتخابات في مارس المقبل، وستكون تلك الانتخابات الثالثة بعد التي جرت في أبريل (نيسان) ثم في سبتمبر.

المعضلة الكبرى كما يرى دراغمة، هو أن الانتخابات الثالثة حتى الآن لا تحمل مؤشرات تشي بحصول تغيُّر في الخارطة السياسية الحزبية الإسرائيلية؛ مما يُشير إلى أنّ دولة الاحتلال الإسرائيلي ستبقى في ذات الدوامة حتى إيجاد قرار يُحدث انقلابًا في الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية، ويعتقد أن العقدة لأي حكومة قادمة هو بنيامين نتنياهو؛ لكونه إذا اعتزل فمن السهل أن يتم تشكيل حكومة ائتلاف وتوافق بين الأحزاب.

فيما يعتقد النعامي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» بأنّ اللجوء إلى انتخابات ثالثة في إسرائيل من شأنه أن يرفع الغطاء عن وجه النظام السياسي الإسرائيلي، والذي يبدو هشًا على غير ما تُظهره وسائل الإعلام الإسرائيلية، وأنه على الرغم من تمتعه بالسمة الديمقراطية إلا أنها تسعى لإبراز شخص واحد، موضحًا: «أنّ إجراء انتخابات ثانية وثالثة محتملة يؤكد أنها تُجرَى لأجل شخصٍ واحد، وهو بنيامين نتنياهو فقط لينجو من المحاكمة، متابعًا أنّ «هناك العديد من الأحزاب تدعم نتنياهو، على الرغم من أنها تعرف بتورطه بقضايا فساد؛ ما يُلمح إلى الشخصنة، وهي علامة غير إيجابية للنظام الإسرائيلي».

أيهما أقرب لمصير نتنياهو.. السجن أم كرسي الرئاسة؟

المصادر

تحميل المزيد