تشهد الجزائر هذه الأيام مسيرات في الذكرى الأولى للحراك الشعبي الذي انطلق قبل سنة، وهو الحراك الجزائري الذي دفع بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة للاستقالة. ففي 22 فبراير (شباط) تحلّ الذكرى الأولى لانطلاق الحراك الشعبي الجزائري في العديد من المحافظات الجزائريّة، الذي نجح في إيقاف العهدة الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بعد 20 سنة من الحُكم.

وقد استمرّ الجزائريّون في التظاهر طوال سنة كاملة مطالبين بتغيير النظام، وقد شهدت سنة الحراك الأولى تجنّدًا شعبيًا استثنائيًا في مسيرات أسبوعيّة كل جمعة، وأخرى نصف أسبوعيّة خاصة بالطلبة. بعد سنة كاملة من المسيرات المتواصلة التي لم تنقطع، استطاع المتظاهرون إجبار رئيس الجمهورية على الاستقالة، كما دفعوا بالسلطة لسجن العديد من رموز نظام بوتفليقة. في التقرير التالي نستعرض أهم محطّات الحراك الجزائري طوال السنة الماضية.  

1- فبراير.. «هذا الشعب لا يريد.. بوتفليقة وسعيد»

في شهر فبراير من عام 2019 كانت الجزائر تشهد غليانًا استثنائيًّا بسبب تأكّد ترشّح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة. إذ رشّحت أحزاب السلطة بالتحالف مع رجال الأعمال المقرّبين منها، الرئيس بوتفليقة الذي استمرّ في السلطة مدّة 20 سنة، والذي لم يكن يُلقي أية خطابات، ولا يجري أية زيارات ميدانيّة بسبب وضعه الصحيّ شديد التأزّم منذ 2013، وممّا زاد من اقتناع الشارع باستحالة قبول الترشّح الرئيس لعهدة جديدة في ظل ظروفه الصحية المتأزمة سفرُه إلى سويسرا من أجل العلاج يومًا واحدًا قبل انطلاق الحراك.

الأمازيغية والحساسيات الجهوية

انطلقت مظاهرات الجمعة 22 فبراير ضدّ ترشّح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة بعد عدّة أسابيع من وقفات احتجاجيّة ومظاهرات متفرّقة في عدّة مناطق، من بينها برج بوعريريج وعنابة وخرّاطة وخنشلة وغيرها، وذلك بعد عدّة دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي من للاحتجاج بعد صلاة الجمعة لإيقاف العهدة الخامسة للرئيس المريض حينها. ورغم المظاهرات الحاشدة التي استجابت لتلك النداءات في عدّة محافظات جزائريّة، بصورة فاجأت السلطات والمحتجّين على حدّ سواء، إلاّ أن رُقعة الاحتجاجات بقيت محصورة في المدن الكبرى، خصوصًا مع التخوّفات من قمع الشرطة أو حدوث اعتقالات في صفوف المحتجّين. 

مع انتشار زخم الحراك الجزائري وتداول الصور والفيديوهات التي توضّح الحجم الهائل لعدد المشاركين في المظاهرات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي عملت على كسر الحصار التعتيم الإعلامي الشديد الذي فرضته السلطة على القنوات التلفزيونيّة بامتناعها عن تصوير المظاهرات الضخمة؛ انطلقت يوم الثلاثاء 26 فبراير مسيرات طلاّبية حاشدة في كل جامعات الجزائر رفضًا للعهدة الخامسة، ومنذ ذلك التاريخ أصبح يوم الجمعة مكرّسًا للتظاهر من طرف عموم الشعب، ويوم الثلاثاء خاصًّا بالطلبة. 

2- مارس.. «ما كانش الخامسة يا بوتفليقة»

ماكانش الخامسة يا بوتفليقة..
جيبو البياري (القوات الخاصة) وزيدو الصاعقة..

-شعارات الحراك

عندما انطلقت المظاهرات الرافضة للعهدة الخامسة في 22 فبراير كانت تُواجه بالكثير من الشكوك والمخاوف من احتمالات طريقة تعامل الأمن معها، أو الجهة التي دعت إليها من الأساس، خصوصًا مع التجارب المريرة التي يستحضرها الجزائري من الماضي القريب المتمثّل في العشرية السوداء، والتي انطلقت بعد مظاهرات شبيهة سنة 1988، لينتهي المطاف بالبلاد في أتون الحرب الأهليّة.

لذلك بالرغم من الحشود الضخمة للمسيرات في يوم 22 فبراير، إلاّ أنّها كانت محصورة في المحافظات والمدن الكبرى والعاصمة دون باقي المدن، لكن ومع الأسبوع الثاني والثالث في الحراك – خصوصًا جمعة الثامن من مارس (آذار) – واستجابًة لاستفزازات السلطة وتصريحات رجالها الذين قلّلوا من شأن الحراك ومطالبه، بالإضافة إلى استمرار تواجد الرئيس المترشّح في سويسرا للعلاج؛ كان من الواضح أن الحراك وصل نقطة اللارجوع من خلال خروج ملايين المتظاهرين بأعداد تاريخية لم تشهدها البلاد من قبل في جميع المحافظات والمدن وحتى القُرى والمناطق الهامشيّة، وهو ما عنى أن البلاد تشهد ثورة شعبية حقيقية، وأن العهدة الخامسة أصبحت في عداد المستحيل. 

الربيع العربي

منذ سنة واحدة
«لا تقعوا في الفخّ».. 10 دروس مستفادة للجزائريين من ثورة مصر

أنظار المراقبين كانت متّجهة إلى الشوارع التي تعجّ بالمحتجيّن بصورة هي الأولى من نوعها منذ استقلال البلاد، ومن جهة أخرى نحو المؤسسة العسكرية وموقفها الغامض من الحراك الجزائري ومن العهدة الخامسة؛ إذ إنّ خطابات قائد الأركان السابق الفريق قايد صالح كانت تتّسم بعدم الوضوح؛ إذ يُثني تارة على الشعب، ويحذّر من مؤامرات مزعومة تارة أخرى؛ ممّا أثار الكثير من التكهّنات حول موقف الجيش من الحراك الشعبي.

لكن هذا الشكّ قد حُسم نهائيًا في خطاب قائد الأركان في 26 مارس، حين دعا إلى تطبيق المادة 102 من الدستور، والتي تنصّ على استقالة رئيس الجمهوريّة في حالة وجود مانع – صحيّ أو غيره – من أداء مهامه، وهو ما رآه الكثيرون تخلّيًا من الجيش عن بوتفليقة، وبالتالي أصبح رحيله مسألة وقت. 

3- أبريل.. «يتنحاو ڤاع»

الأيّام الأخيرة لشهر مارس شهدت احتدامًا شديدًا للصراعات بين أقطاب السلطة، خصوصًا مع غياب الرئيس. إذ كانت هنالك اجتماعات دوريّة بين قيادة المخابرات وشقيق الرئيس سعيد بوتفليقة، الذي كان بمثابة الرئيس الفعلي في ظلّ مرض أخيه، وقد تمحورت هذه الاجتماعات حول كيفية التعامل مع الحراك الجزائري وطريقة تسيير المرحلة الانتقالية ما بعد بوتفليقة.

لكن بعد خطاب قائد الأركان الذي دعا إلى تطبيق المادة 102 تداولت الصحافة حدوث «اجتماع تاريخي» بين سعيد بوتفليقة وقادة المخابرات وبعض الشخصيّات السياسيّة من أجل إقالة قائد الأركان الفريق قايد صالح، وإعلان مرحلة انتقالية يكون نائب وزير الدفاع خارجها؛ وهو ما أدّى بقيادة الأركان إلى التعجيل بالضغط على بوتفليقة من أجل الاستقالة الفوريّة، وهو ما حدث بالفعل في الثاني من أبريل (نيسان)؛ والذي اعتبره الحراك الجزائري انتصارًا معتبرًا برحيل رئيس النظام، لكنّه لم يعنِ أبدًا توقّف الحراك الشعبي الذي أصبح منذ ذلك التاريخ يُطالب بتغيير النظام جذريًا، لا مجرّد أشخاص. وقد أعلنت السُلطة حينها عن إجراء انتخابات رئاسيّة في يوليو (تموز) من ذات السّنة، وهو ما رفضه الحراك بشكل مطلق في ظلّ استمرار نفس رموز النظام السابق على رأس السلطة. 

بالرغم من الإنجاز المُعتبر المتمثّل في دفع بوتفليقة نحو الاستقالة، فلعلّ التحوّل الأكبر في الحراك كان حين أدرك أن الأزمة ليست ممثّلة في شخص الرئيس بوتفليقة الذي لا يحكم فعليًا منذ أكثر من ست سنوات على الأقلّ، وبالتالي فإن الأزمة تكمن في طبيعة النظام بأكمله، وليست في أشخاصه، وهي الفكرة التي عبّر عنها أحد المتظاهرين التي أصبحت مقولته من بين أبرز شعارات الحراك «يتنحاو ڤاع» حين قاطع إحدى المذيعات أثناء البثّ الحي لِما سمّته احتفالات الجزائريين برحيل بوتفليقة، ليُقاطعها قائلًا بلُغته العفويّة: إن هذا التغيير شكلي فقط، وأن المطلب هو «رحيلهم كلّهم».

4- مايو.. «ماكاش انتخابات مع العصابات»

استمرّت المظاهرات الأسبوعيّة المُطالبة بتغيير النظام، وانتقلت المطالب بعد استقالة بوتفليقة، من إيقاف العهدة الخامسة إلى رحيل «الباءات الثلاث» (الرئيس المؤقّت عبد القادر بن صالح، ورئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز والوزير الأوّل نور الدين بدوي) الذين مثّلوا استمراريّة لنفس النظام في أعين المحتجيّن، بالإضافة إلى الاعتراض على الانتخابات التي دعت إليها السلطة، وهو ما اضطرّها إلى إلغائها بشكل مؤقّت. في ذات الشهر بدأت موجة من الاعتقالات في صفوف النظام السّابق، أبرزهم، شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة الذي كان يُعدّ الرئيس الفعلي للبلاد، بالإضافة إلى كلّ من رئيسيْ المخابرات السابقيْن، الجنرال توفيق الذي يوصف بـ«صانع الرؤساء» وعثمان طرطاق الذي خلفه في المنصب. 

5- يونيو.. «الشعب يريد الاستقلال»

مع استمرار مظاهرات الحراك الشعبي كلّ أسبوع استمرّت معها الاعتقالات في صفوف الكثير من رموز النظام السابق من وزراء ورجال أعمال، أبرزهم كلّ من الوزيرين الأوّلين السابقين عبد المالك سلال وأحمد أويحيى.

6- يوليو.. «والله مانا حابسين»

بالرغم من درجات الحرارة القياسيّة التي تعرفها المناطق الجنوبيّة الصحراوية في الجزائر، والتي تُعدّ من بين الأعلى في العالم، إلا أن الحراك الشعبي الأسبوعي المطالب بالتغيير لم يتوقّف. 

7- أغسطس.. صمود استثنائي بالرغم من درجات الحرارة

بالرغم من حرارة الصيف، استمرّت الاحتجاجات الأسبوعيّة المطالبة برحيل الباءات وباقي رموز النظام، خرج قائد الأركان السابق، الفريق أحمد قايد صالح في خطاب يُعلن فيه.

Embed from Getty Images

8- سبتمبر.. انتخابات واعتقالات

في الثاني من سبتمبر خرج قائد الأركان السابق، الفريق أحمد قايد صالح في خطاب يُعلن فيه عن استدعاء الهيئة الناخبة في منتصف شهر سبتمبر، ممّا عنى أن السلطة قرّرت إجراء انتخابات رئاسية في ديسمبر (كانون الأول) من نفس السنة. بعدها بأيّام أطلقت السلطة حملة اعتقالات استباقيّة في صفوف العديد من نشطاء الحراك من مختلف الاتجاهات والتيّارات السياسيّة، وهو ما دفع الحراك نحو المزيد من الحشد والتصعيد من أجل إطلاق سراح المعتقلين، وإيقاف الانتخابات التي تسعى السلطة إلى فرضها بالرغم من الرفض الشعبي.

Embed from Getty Images

9- أكتوبر.. انتخابات مرفوضة من الشارع

مع إعلان السلطة عن تنظيم انتخابات رئاسيّة في ديسمبر 2019 استمرّ الحراك في الحشد ضد الانتخابات بسبب غياب شروط النزاهة والشفافية حسب رأيهم، وفي المقابِل صعّدت كذلك من الإجراءات القمعيّة من خلال اعتقال لعشرات من المشاركين في الحراك.

عام على الحراك الجزائري

10- نوفمبر.. «الله أكبر.. أوّل نوفمبر»

الله أكبر أول نوفمبر..
الله أكبر الشعب يتحرّر.. 

Embed from Getty Images
يمثّل الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) في الجزائر ذكرى الثورة التحريريّة 1954 التي استقلّت الجزائر على إثرها، ولذلك فإن الحراك الشعبي في هذا الشهر تحوّل إلى مناسبة لاستذكار التاريخ الثوري للبلاد، وهو ما تجسّد في إحدى أكبر المسيرات التي شهدها الحراك الشعبي منذ انطلاقه يوم الجمعة، الفاتح من نوفمبر؛ إذ توجّه المواطنون من مختلف المحافظات – حتّى البعيدة منها – للمشاركة في الحراك الجزائري في عاصمة البلاد، من أجل الحدث المزدوج المتمثّل في الاحتفال بعيد الثورة والحراك، وُرفعت شعارات رافضة للانتخابات ومطالبة برحيل رموز النظام والترحم على شهداء الثورة التحريريّة.
وأعلنت في ذات الشهر «السلطة المستقلة للانتخابات» عن قائمة المترشّحين الخمسة الذين سيشاركون في الانتخابات، وضمّت القائمة وزراء سابقين ومقرّبين من نظام بوتفليقة، وهو ما صعّد الحراك الاحتجاجيّ ضد الانتخابات باعتبارها مجرّد تجديد لواجهة النظام. 

11- ديسمبر.. السلطة تُجري الانتخابات بالرغم من رفض الحراك الجزائري

ماكانش الفوط (الانتخابات).. والله ماديرو
بدوي وبن صالح.. لازم يطيرو
وإذا بالرصاص.. علينا تيرو (تطلقون)
والله مانا حابسين

صورة لاقتحام أحد المراكز الانتخابية من طرف المحتجّين 

شهد الأسبوع الأوّل لشهر ديسمبر تصعيدًا استثنائيًا من طرف المحتجّين، فمع اقتراب موعد الرئاسيّات المعلن عنها في 12 ديسمبر تجنّد النشطاء من أجل رفضها من خلال مسيرات يوميّة وأخرى ليلة، بالإضافة إلى إضرابات كبيرة شهدتها عدّة قطاعات رفضًا لهذه الانتخابات.

بالرغم من ذلك فقد أصرّت السلطة على المضيّ في الانتخابات، وهو الذي تمّ في 12 ديسمبر حين جرت الانتخابات في ظروف شديدة الاستثنائيّة؛ إذ شهدت بعض المحافظات اقتحامًا لمكاتب التصويت وتكسيرًا للصناديق، بالإضافة إلى مسيرات حاشدة في يوم الانتخاب رافضين لما أسموها بـ«المهزلة»، فيما شهدت محافظات أخرى سيرًا طبيعبيًا للعملية الانتخابيّة. وقد أعلنت السلطة فوز الوزير الأول السابق في عهد بوتفليقة، عبد المجيد التبّون بالرئاسة، بنسبة تُقارب 41%، وسط شارع مُلتهب يُطالب برحيله.

ديسمبر شهد أيضًا وفاة مُفاجئة للرجل الذي كان يمثّل الحاكم الفعلي للبلاد منذ استقالة بوتفليقة، إذ توفي قائد الأركان، الفريق أحمد قايد صالح في 23 ديسمبر عن عمر 79 سنة، وذلك بعد أربعة أيّام من مشاركته في احتفاليّة تنصيب الرئيس الجديد عبد المجيد تبّون، الذي عيّن الفريق سعيد شنقريحة قائدًا للأركان خلفًا لأحد قايد صالح. وشهدت جنازة الفريق أحمد قايد صالح مشاركة شعبيّة حاشدة.

12- يناير.. «ويستمرّ النظام.. ويستمرّ النضال»

شهدت السنة الجديدة 2020 استمرار الحراك الجزائري الشعبي وتواصل زخمه في الحشد، بالرغم من تنصيب الرئيس الجديد عبد المجيد تبّون للمطالبة باستكمال أهداف الحراك.
Embed from Getty Images

الربيع العربي

منذ 6 شهور
ليبيا أبرز معاركها.. هل سيعيد تبون البريق للدبلوماسية الجزائرية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد