يعجز الكثير من الفلسطينيين عن إحصاء عدد المرات التي حاولت فيها كل من حركة (فتح) وحركة (حماس)  الوصول لاتفاق مصالحة وطنية ينهي النزاع الذي وقع في أعقاب فوز حماس بالانتخابات التشريعية وسيطرتها على قطاع غزة قبل عشر سنوات.

ليشهد هذا الأسبوع خطوة إيجابية غير مسبوقة تمّت بوساطة مصرية، تتلخص في موافقة حركة (حماس) على شروط الرئيس الفلسطيني «محمود عباس»، ليصبح الأخير في اختبارٍ حقيقيّ بعدما تمكّن الجانب المصري من الحصول على استجابة عملية وفعلية من حماس في سبيل تحقيق المصالحة، وبسبب تواجد عباس الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، تترقب جميع الأطراف قراره على موقف (حماس) التي وضعت الكرة في ملعبه.

اقرأ أيضًا: شهر العسل بين النظام المصري وحركة حماس.. المخابرات المصرية كلمة السر!

حماس وعبّاس بحاجة ماسة لاتفاق مصالحة

فجر الأحد، 17 من سبتمبر (أيلول) الحالي، خابت توقعات الشارع الفلسطيني الذي بقي يتحدث عن يأسه من خروج كل من مصر وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بتفاهمات حول «المصالحة الفلسطينية» متمخضة عن حوارات تجرى منذ نحو أسبوع في العاصمة المصرية القاهرة، برعاية جهاز المخابرات العامة المصرية.

الرئيس الفلسطيني «محمود عباس»، مع القيادي السابق في حماس، خالد مشعل (أرشيف).

فقط أعلنت حماس عن حل اللجنة الإدارية استجابة للجهود المصرية، وتحقيقًا لمطلب أصر عليه الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» دائمًا، وقال المتحدث باسم حركة (حماس)، مشير المصري عبر إذاعة بي بي سي: «أقدمت حركة حماس على حل اللجنة الإدارية بناءً على وساطة وتدخل مصري، واستنادًا أيضًا إلى اتفاق المصالحة والذي أبرم في القاهرة عام 2011م بغية دفع حكومة الوفاق الوطني لتحمُّل مسؤولياته»، كما أعلنت حماس موافقتها على إجراء انتخاباتٍ عامة واستعدادها لتلبية الطلب المصري بالحوار مع حركة (فتح) فيما يتعلق بآليات تنفيذ اتفاق القاهرة الموقع عام 2011، وتشكيل حكومة وحدة وطنية ضمن حوار تشارك فيه كافة الفصائل الفلسطينية التي وقّعت على اتفاق 2011.

بهذه الخطوة ألقت حماس الكرة في ملعب عباس، الذي أعرب عن ارتياحه للخطوة، وأكد أنه سيعقد اجتماعًا للقيادة الفلسطينية فور عودته من نيويورك، حيث يشارك في أعمال الدورة الـ72 للجمعية العامة للأمم المتحدة، ليرتقب الآن الشارع الفلسطيني والمجتمع الدولي خطوات عباس الفعلية نحو تحريك ملف المصالحة، خاصة أنه معني بذلك لقطع الطريق على خصمه القيادي المفصول من حركة (فتح)، محمد دحلان، فقد ذكر تقرير لمجلة «فورين أفيرز» الأمريكية أن عباس: «سوف يحاول إبداء مزيد من المرونة في الوفاء بمطالب حماس، مثل استئناف مدفوعات النفط مرة أخرى، والسعي وراء الوصول إلى صفقته الخاصة مع الحركة»،كما أن حماس مهتمة بالتقارب مع عباس: «إذ يكمن بعض من أسباب هذا الاهتمام في أنه «أقل بغضًا» من دحلان».

فيما تدور أسباب أخرى حول النظر إليه على أنه أقل قدرة على تقويضهم على المدى البعيد حسب المجلة، فحسب الخبير في العلاقات الدولية «أنس القصاص» الذي يرى أن خيارات عباس محدودة، متوقع أن تحاول حماس «تقوية جبهة عباس تحسبًا لأي اتفاق إقليمي لصالح دحلان»، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «لكن على أي حال أمام معسكر فتح فرصة ذهبية لإعادة تقديم نفسه من جديد كطرف فاعل على الساحة بعد رفع حماس يديها عن إدارة غزة وتسليمها».

«عباس» سيجبر على عدم رفض العرض المصري

في مارس (آذار) الماضي، أعلنت (حماس) عن تشكيل لجنة إدارية، لإدارة الشؤون الحكومية في قطاع غزة، بذريعة تخلي حكومة «عباس» عن القيام بمسؤولياتها تجاه القطاع، وردًا على ذلك اتخذ عباس مجموعة من الإجراءات ضد القطاع، كتخفيض رواتب الموظفين وإحالة بعضهم للتقاعد المبكر، وتخفيض إمدادات الكهرباء للقطاع، واشترط للتراجع عن هذه الإجراءات حل اللجنة الإدارية.

الرئيسان المصري والفلسطيني.

يؤكد الباحث في مركز رؤية للتنمية السياسية «عمر أبو عرقوب» أن ما قدمته حركة (حماس) من تنازلات عن إدارة قطاع غزة لحكومة الوفاق سيجبر (فتح) وعباس على عدم رفض العرض المصري، ويضيف: «المصالحة الفلسطينية ليس تحجيمًا لعباس بقدر ما هي مصلحة عليا للشعب الفلسطيني، وكما تنازلت حماس وقلّصت حكمها في غزة على عباس أن يفعل المثل خاصة أنه سيبقى سيد الموقف حتى إجراء الانتخابات»، مشددًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أنّ مصالح حماس ومصر لا تضر بعباس، فهي متمثلة في حماية الأمن القومي المصري والفلسطيني بغزة.

ويرى «أبو عرقوب» أنه بالرغم من تأكيد حماس على عدم لقائها شخصيًا بدحلان مؤخرًا إلا أن التنسيق مع تياره موجود، خاصة أن اتفاق حماس مع دحلان من خلال مصر ساهم في فتح علاقة لحماس مع مصر، لذلك أصبح الآن عباس يرغب بالمصالحة حتى لا يفتح المجال أمام دحلان بالدخول من خلال حماس ومصر، ويعتقد أبو عرقوب أنّ: «بعض مصالح دحلان قد تتحقق من عودة العلاقات مع مصر، ففي حال تمت المصالحة قد يستطيع تياره التحرك بشكل أفضل ليس في غزة بل بالضفة أيضًا، وهو يراهن على ذلك منذ زمن».

اقرأ أيضًا: محمد دحلان.. ذراع الإمارات الإقليمي الذي اغتال خصومه وراوغ حلفاءه

لماذا لن يخسر «عباس» محور قطر – تركيا

يعتبر الباحث الأول في مركز الشرق للسياسات «جلال سلمي» أن أي تقارب لحركة (حماس) مع مصر سواء بشكل مكشوف أو مبطن هو لصالح «دحلان» وضد مستقبل «عباس» وضد أي شريك لعباس.

ويوضح سلمي: «تقارب حماس ومصر يخلق توازنًا قويًا ضد أبي مازن ولصالح حماس نفسها أيضًا، إذ يصبح لديها موازنة في علاقات المحاور، وتعدد في الأقطاب التي تصب لصالحها»، ويشدد «سلمي» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه أصبح من السهل جدًا أن يتم إعادة هيكلة السلطة ومن ثم تأهيل وجلب دحلان أو غيره للسلطة، فعلى سبيل المثال بعد اغتيال الرئيس الراحل، ياسر عرفات، تم تقديم عباس على أنه محقق للانتصارات، وظهر كمحرر لغزة إثر تسليم إسرائيل لخطة الانسحاب من غزة، وإخلاء 21 مستوطنة بالقطاع، وتولي الرئاسة حينها.

الرئيسان التركي والفلسطيني.

وفيما يتعلق بمواقف الدول الإقليمية من «عباس» يعتقد «سلمي» أنَّ الأردن التي توترت علاقاتها في الفترة الأخيرة مع عباس وهي حليفة حاليًا للإمارات ومصر، فموقفها لصالح دحلان، أما علاقة عباس بمحور قطر وتركيا، وبالرغم من أنها ليست بجيدة، إلا أنّ عباس لم يخسر هذا المحور كاملًا لأنه طرف يُرتَكَن عليه ضد تيار دحلان، ولذلك اشترطت كل من تركيا وقطر إحداث انفراجة في الوضع الفلسطيني. حدث ذلك عندما حاولت تركيا وقطر استدعاء عباس قبل أسبوعين وأكثر للتأكيد على دعمهم له ضد محور دحلان، وهو الأمر الذي سلكته تركيا وقطر مع حماس، إذ كان هناك تحذير لحماس من الركون التام إلى تيار دحلان، وهو ما دفع لأن يتم تحويل تعاون حماس مع المخابرات المصرية وليس مع تيار دحلان مباشرة كما كان في السابق، حسب «سلمي».

العلاقة الجيدة بمصر لن تقطع الطريق على «دحلان»

«أثمن باسم إخواني بتيار الإصلاح الديمقراطي في فتح خطوة الإخوة في حركة حماس، وأناشد الجميع للاستجابة لها على طريق الوحدة الوطنية»، هكذا علق القيادي المفصول من حركة (فتح)، محمد دحلان على خطوة حركة حماس بحل اللجنة الإدارية بقطاع غزة، معتبرًا أن ما سماه بـ«التيار الإصلاحي ثابت، لم ولن يتغير» تجاه دعم جهود المصالحة.

القيادي المفصول من فتح محمد دحلان، خلال جلسة للمجلس التشريعي بغزة.

يرى المحلل السياسي الفلسطيني «طلال عوكل» أن خيارات ووضع «عباس» لن يتبدل بعد الاتفاق الأخير مع حماس في القاهرة، مستدركًا: «بل المفروض أن تعزِّز المصالحة وضعه، فهو يراهن على الفرصة التي تتحدث عنها الولايات المتحدة في المفاوضات وفي ظل وجود الكثير من الذرائع التي تطرحها أطراف أخرى سواء عربية أو دولية مستغلة الانقسام الفلسطيني، هو يستفيد لكونه يقدم نفسه باعتباره يمثل الكلّ الفلسطيني»، مؤكدًا على أن المصالحة لا تنال من مكانة عباس أو شرعيته بل فيها مصلحة كبيرة، بدليل – حسب عوكل – أنه حتى الآن لم يتم الاتفاق على برنامج آخر غير برنامجه، فحكومة الوفاق تعمل على برنامج عباس.

ويرى «طلال عوكل» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن الطريق لم يُقطع عن «دحلان» لكون علاقته مع مصر جيدة، إذ يعود فضل التفاهمات التي جرت بين حماس ومصر له، فهو من شجَّع المصريين وفتح الخط على الإمارات، ويضيف «عوكل»: «دحلان لم يعد شخصًا، فقد أصبح تيارًا فاعلًا وناشطًا في قطاع غزة، ومشكلة دحلان مع فتح وليس الآخرين، وبالتالي تظل المشكلة قائمة، وهو يعمل في المساحة المتاحة له»، ويشير «عوكل» إلى أن القاهرة ترغب في إطار الرباعية العربية أن تبدأ المصالحة بفتح ثم الآخرين، لكن الإشكالية حصلت عندما رفض عباس ذلك، الأمر الذي خلق توترًا في العلاقة بينه وبين مصر، ولم تزل تمامًا هذه العقبات الآن، فمصر لديها رغبة قوية في أن تستجيب حركة فتح للمصالحة مع دحلان وهذا لم يحصل حتى الآن وبالتالي الثلج كله لم يذُب بين الأطراف، حسب «عوكل».

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد