في كتابه سينما مطرزة بالبراءة أعد وترجم «أمين صالح» العديد من المقالات النقدية واللقاءات الصحفية التي أجراها المخرج الإيراني الأشهر «عباس كيارستمي» مع الصحافة العالمية، يحكى أن أحد النقاد بعد مشاهدة أفلام «كيارستمي» قال «لا شيء يحدث خلال الفيلم، يمكنني أن أفتح نافذة الشرفة في منزلي، وأقف لأتأمل الطريق، بدلًا من مشاهدة هذه الأفلام!» الحقيقة أن ما يفعله كيارستمى هو منح المشاهد وقتًا ليتأمل الأحداث العادية التي يمر بها كل يوم، أن يقلق بشأنها، وأن يبدأ بطرح الأسئلة، أن يحصل على فرصة لرؤيتها من جديد، أن ينتبه إلى كل ما يحدث حوله؛ فالحياة اليومية، بالرغم من بساطتها، تحمل الكثير من السحر، والغموض، مثل الذي يوجد في الشعر والموسيقى.

رحل «عباس كيارستمي» عن عالمنا (1940- 2016) وترك أفلامه التي طالما فاجأت النقاد والجمهور بمستواها الرائع، وجمالياتها المدهشة، وخصائصها التأملية والشعرية. خلقت أفلامه نوعًا جديدًا من السينما، لا تعتمد على سرد حبكة أو أحداث «درامية» مثيرة، أو مؤثرات خاصة أو حيل بصرية؛ سينما شديدة البساطة، بدون ممثلين محترفين، مليئة بالمجازات، ومفعمة بالشاعرية، وحافلة بالمشاعر المركبة، تقدم رؤية جديدة عن الحياة والإنسان، تحتفي بالحياة اليومية، وتدعو للتأمل بعيدًا عن «الميلودراما».

لم يصنع كيارستمي الأفلام، أو يلتقط الصور، عن قصد وهدف، يقول إنه ـ فقط ـ خرج والتقط الكثير من الصور، ثم جمعها سويًا في مكان ما، ولم يكن ينوي عرضها على الجمهور، لكنه بعد سنوات، عندما قرر عرضها، أطلقوا عليه «مصور فوتوغرافي». كانت الصور مجرد مبرر له لقضاء وقت مع الطبيعة. كذلك الحال مع الشعر، يقول إنه انخرط في تدوين ملاحظاته وخواطره الخاصة، واعتبرها الآخرون شعرًا.

كمبدع متعدد الطاقات الإبداعية (صانع أفلام، ومونتير، وكاتب سيناريو، ومصور فوتوغرافي، ورسام، وشاعر) يرفض الرجل الفصل بين الأنواع المختلفة من الفنون. يقول «لماذا نحاول دائمًا أن نعرف أو نحدد السينما بعيدًا عن التصوير الفوتوغرافي أو الموسيقى؟ إنها أشكال متصلة ببعضها؛ لماذا نحب دائمًا أن يكون ما لدينا معينًا ومحددًا جدًا؟ إذا كان الأمر كذلك، فينبغي أن نمنع من يحب السينما من الذهاب إلى معرض فني، والعكس بالعكس».

«سواء كنت أصنع الأفلام أو أكتب الشعر أو ألتقط الصور الفوتوغرافية، فهذا نابع من إحساسي بالقلق وانعدام الطمأنينة، القلق هو الشعور الجوهري للحالة الفنية، القلق هو جذوة الإبداع» *كيارستمي

صورة واحدة هي أم السينما

كيارستمي في موقع فيلم «طعم الكرز»

«يقال إن في البدء كانت الكلمة، لكن بالنسبة لي كانت الصورة دائمًا هي البداية، عندما أفكر في الحديث فإنه دائمًا يبدأ بالصور» *كيارستمي

شارك كيارستمي في العديد من معارض الصور الفوتوغرافية في الكثير من دول العالم، بدأ اهتمامه بالتصوير منذ عام 1978؛ عندما أراد شراء كاميرا لصديق له، كان ثمنها حوالي 1000 دولار، قرر شراء أخرى لنفسه. كانت الثورة في بدايتها، وكان لديه الكثير من الوقت الفائض الذي أراد أن يشغله في التقاط الصور؛ إذ لم يعد مسموحًا بصنع الأفلام السينمائية، لذلك كان يغادر المدينة باستمرار، ويذهب للريف لالتقاط الصور من الطبيعة. 

كان للنظر إلى الطبيعة تأثير السحر عليه، تمامًا كمهدئ أو مسكن. يقول «الحب الوحيد، الذي يزداد قوة كل يوم، في الوقت الذي تضعف فيه أشكال الحب الأخرى، هو حب الطبيعة، هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلني أخشى الموت». لم يتعلم كيارستمي أبدًا التصوير الفوتوغرافي، لكنه كان يجد في الريف ملاذًا يهرب إليه لالتقاط الصور والعودة بها للمدينة. بيعت أول صورة التقطها في «مزاد كريستي» بـ 130 ألف جنيه إسترليني، علق على هذا قائلًا «لو كنت أعلم أنها ستباع بأضعاف المبلغ الذي أنفقته على الكاميرا لأصابني ذهول شديد».

لأن أفلامه لم تكن تحقق مردودًا كافيًا على شباك التذاكر بسبب طبيعة جمهورها، كان كيارستمي يمول صناعتها من خلال بيع الصور الفوتوغرافية في المعارض. لم يفكر منذ البداية في إقامة أي معارض خاصة لصوره، كان يخزنها في علبة، دون نية لعرضها على الجمهور، بعد مرور عشر سنوات أو أكثر رأت صديقة له هذه الصور، واقترحت عليه إقامة معرض.

«إن تأمل سماء غائمة وجزعًا ضخمًا لشجرة تحت ضوء سحري أمر صعب؛ عندما يكون المرء وحده، عدم القدرة على مشاركة الإحساس بالمتعة لرؤية منظر طبيعي رائع مع شخص آخر يعد نوعًا من التعذيب. لهذا السبب بدأت في التقاط الصور» *عباس كيارستمي

أشجار.. ومطر (1978-2007)

خلال مسيرته بقيت الأشجار فكرة ثابتة لا يخفت سحرها، كانت إحدى ذكرياته المبكرة عنها مع جدته، يقول «كنت في السيارة مع جدتي وقالت لي: انظر إلى تلك الشجرة. كانت شجرة وحيدة ومنعزلة في سفح تلة، سألتها ما المثير فيها؟ إنها مجرد شجرة! جدتي لم يكن لديها أي تفسير، لقد رأت شيئًا أثار اهتمامها، ولم تستطع أن تعبر عنه بالكلمات». يتحدث كيارستمي عن الأشجار بحميمية، كأنه يتحدث عن أصدقاء مقربين، أو أفراد من عائلته، فمنذ صوره «الفوتوغرافية» الأولى، أدرك أن الأشجار بالنسبة له لها دلالة ومعنى أكثر من الكائنات البشرية. تظهر الأشجار في صوره كأنها في حلم، خاصة المأخوذة من خلال الحاجب الزجاجي للسيارة في أوقات هطول المطر؛ إذ تتحول الأشجار والسيارات الأخرى على الطريق إلى أطياف هائمة.

قضى كيارستمي سنوات، وهو ينظر من خلال الحاجب الزجاجي الأمامي لسيارته، في إعجاب بالمناظر الريفية، مسحورًا بقطرات المطر وبتأثير الضوء عليها، عندما ظهرت الكاميرات الرقمية أصبح في وسعه أن يلتقط هذه الصور، فكان يقود السيارة بيد، ويلتقط الصور باليد الأخرى، ولم يكن يود أن يعترف بهذا الفعل الطائش حتى لا يبدو كأنه يشجع على القيادة السيئة. عرضت صور هذه المجموعة في معارض مختلفة تحت اسم «طرقات وأشجار» (1979- 2003) و «مطر» (2006-2007). هي تجسد ألق الحياة وجزالتها، وضبابية وجودنا وغموضه، هذا الغموض السديميّ الممتلئ بالشاعرية والجمال. نحن، بالرغم من أننا محاطون بالمجهول، لكن حلم الحياة يطوقنا برقة بالغة، فنقع أسرى لحظات الحب الساحرة.

[sasa_gallery id="71994"]

«الفن مثل الشجرة.. هي ليست هناك حاملة هدفًا ما. الشجرة ليست موجودة لتخدم الناس، هي لا تعرف أن ثمارها تحتوي على فيتامينات، أو أن لأزهارها أريجًا. حالة النمو عندها ليست مسألة اختيار. والفنانون الحقيقيون يشبهون تلك الأشجار، إنهم لا يعرفون ما الذي سوف ينبعث من نتاجهم» *عباس كيارستمي

طرقات (1979-2003)

الطريقة التي ينظر بها كيارستمي للطرقات تختلف كثيرًا، يقول: إن كنت لا تعرف شيئًا عن تجربة العزلة، فلن تفهم هذا، لكن إن كنت اختبرت العزلة فستفهم وحدتي وعزلتي عبر الطرق. لم أقرر التقاط تلك الصور، لم أختر هذا الموضوع، الموضوع هو الذي اختارني. أنا واثق من أن العديد من المصورين مروا عبر تلك الطرقات، إنه الطريق نفسه، لكن الطريقة التي تنظر بها هي التي تخلق ذلك الاختلاف.

لدى كيارستمي إحساس حادّ بالتراكيب البصرية. صَوّر معظم أفلامه في الطرقات داخل سيارة، كأن الحياة هي الطريق، رحلة نسيرها في طرق طويلة بلا نهاية واضحة، وكلما اقتربنا من النهاية أو من فهم السر يتم استبعادنا، ليأتي آخرون ويبدؤوا اكتشاف الطرق من جديد. الطرقات في صوره منفتحة على سماء شاسعة وحنونة، وكأن الإنسان يملك احتمالات وخيارات بلا حدود. يشعر الإنسان بالرهبة أمام الطبيعة وقوة الطريق، ولكن الطبيعة ـ أيضًا ـ تقابل رهبته بسكونها وسكينتها.

[sasa_gallery id="71995"]

ثلج (1979-2003)

عباس كيارستمي، ثلج

تحتوي هذه المجموعة على صور ساحرة بالأبيض والأسود، الموضوع الرئيس هو الأشجار في الثلج الأبيض الناصع، تركز الصور على الأشكال المختلفة التي تخلقها ظلال الأشجار على الثلج، تدعونا هذه الخطوط شديدة النقاء إلى الانغماس في قلب هذه العزلة القاسية، والتي يؤكدها التناقض القوى بين بياض الثلج والظلال القاتمة. تثير هذه المجموعة الرغبة في الانفراد والتأمل، وكأنها تواجهنا فجأة بأسئلة غامضة، حول الحياة، عندما نشاهدها في بساطتها هذه. توحي هذه الصور بأن المشاهد يراها من خلال النافذة، بعد ساعات من عاصفة ثلجية هدأت.

[sasa_gallery id="71996"]

«التصوير الفوتوغرافي ليس بالضرورة دعوة إلى الحلم، لكنه يمكن أن يكون كذلك. إذا كان الحلم هو الفرار من المدينة وقيودها والعودة إلى المنابع وبالتالي إلى الطبيعة، فإن تصوير الطبيعة يمكن أن ينظر إليه كتحريض على الحلم» *كيارستمي

عرض التعليقات
تحميل المزيد