«في ظروف إيران الخاصة ووجود حكومة راديكالية فإن أعمال كيارستمي هي أكثر الأحداث الجمالية أصالة وإبداعًا في العقدين الماضيين. إنه ينظر للعالم نظرة حرة». سرجيوتوبيانا

يلتقط عباس كيارستمي أقل الأحداث بساطة وأهمية في الحياة العادية ليصنع منها عملاً فنيًّا فريدًا. أفلامه تدور في معظمها حول معاني الحياة والموت، الحب، الفطرة الإنسانية، الصداقة والجمال. يعرضها بأسلوب ينتمي للسينما الواقعية وفنون ما بعد الحداثة. بأسلوبه الخاص وملامح أفلامه الفريدة استحق لقب رائد السينما الواقعية الحديثة، إضافة إلى اللقب الداخلي الذي يطلقه عليه بعض النقاد الإيرانيين: المتصوف الواقعي أو صاحب الواقعية المتصوفة. هو مخرج إيراني يعتبر الأشهر في تاريخ السينما الإيرانية.

كيارستمي بدأ حياته كمخرج في«مركز تنمية الفكر عند الأطفال والمراهقين»، وهي مؤسسة إيرانية شديدة التميز اهتمت منذ تأسيسها بمحاولة وضع خطوط فكرية للأجيال الجديدة تكون نابعة من الثقافة الإيرانية الأصيلة. تعتبر المؤسسة الراعي الأساسي للعديد من أفلام مجيدي وكيارستمي وغيرهما حتى صارت بعض أفلامها تعرف عالميًا على أنها من ضمن أفضل ما تم إنتاجه في تاريخ السينما. يتحدث عنها كيارستمي دائمًا بتقدير قائلاً أنه ما كان ليصل إلى العالمية دونها ودون اتباع الأصالة الإيرانية في أفلامه، يضيف:

“إن الزهرة حين تنمو في أرض بعينها فإنها تتشرب بروح تلك الأرض، إذا انتُزعتْ ووُضعتْ في مكان آخر فإنها قد تستطيع أن تنمو، لكنها لن يكون لها أبدًا نفس العطر”

لأسلوب كيارستمي معالم معروفة: قصة بسيطة أو فيلم بلا قصة تقريبًا، خط بسيط تسير فيه الأحداث، تكرار الأحداث، أخطاء في أداء الممثلين لفقراتهم واستخدام أشخاص عاديين في معظم أفلامه (وليس ممثلين محترفين)، لهذا يسمي بعض النقاد أسلوبه بالقصصية الوثائقية أو الوثائقية القصصية، إذ تبدو أعماله وكأنها صورت من مشاهد اعتيادية حقيقية غير تمثيلية كإعداد لفيلم وثائقي. مسرح أفلامه في الغالب قرية بسيطة بأشخاص أكثر بساطة من أهل المدن، أو سيارة! بحيث يصور الفيلم بأكمله داخل سيارة يقودها البطل. وهو أسلوب يتكرر كثيرًا في أفلامه مثل فيلم «عشرة» أو فيلم «طعم الكرز» الذي حصل به على جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان، الفيلم الذي لم يضع فيه أكثر من ممثل واحد في نفس الكادر، في حرص هائل على البساطة.

لا يؤمن كيارستمي بالسينما التي تقدم نسخة واحدة فقط من الواقع. يقول:

إنني أفضل أن أصف أكبر عدد ممكن من التعبيرات عن حالة بعينها وأعطي الفرصة للمشاهد أن يختار بحرية ما يلائمه. لقد رأيت بعض من شاهدوا أفلامي يملكون من الخيال أكثر مما أملك. أحب أن أترك التفسير مفتوحًا لمشاهدي، وكأنه مالك الفيلم لا أنا.

في فيلمه الرومانسي «تحت شجرة الزيتون» لا يقدم الرجل الذي يظهر مع البطل أية نصائح له. لكنه يحاول فقط أن يستخرج منه الحب والأمل في المستقبل، فيذهب الشاب مرة أخرى ليحادث فتاته، لكن كيارستمي لا يخبر المشاهد إذا كان الشاب هذه المرة تلقى ردًّا إيجابيًّا أم لم يتلق. كيارستمي يهدف من أفلامه إلى إثارة الأسئلة أكثر من الإجابة عليها.

هو يشبه في أفلامه الحكمة الشرقية التي توارثتها ثقافته. تلك التي تعتبر الأحداث كلها ناشئة عن قدر أزلي لا تدخل فيه. لا يضع كيارستمي أبدًا في أفلامه خطًا واضحًا لسير أبطاله أو تفسيرًا محددًا لأفعالهم. يقول ديفيد بردول أن «تحت شجرة الزيتون» أفضل فيلم شاهده في العشرة أعوام الماضية. فيلم دقيق مليء بالتفاصيل، يخلق فيه كيارستمي السينما من جديد، بفنه الذكي، البسيط والمعقد معًا، وغير الصريح.

ينتقد كيارستمي الأساليب التقليدية المتعارف عليها في صناعة الأفلام، منها القول بأن المشاهد إذا لم يفهم القصة في الأجزاء الأولى فقد خسره المخرج. يقول:

من قال أنني أريد أن ألتزم بقانون كلاسيكي سخيف هكذا؟أنا دائمًا كمشاهد لا أريد أن أعرف كل شيء من الدقائق العشر الأولى. أريد أن أتتبع الحكاية مثل قصة شهرزاد حتى أصل في النهاية أو لا أصل، كم سؤالا في حياتك العادية تستطيع الإجابة عنه؟

يخرج كيارستمي بكثرة عن نص القصة الأصلي ويتبع أسلوب الرواية غير المركزية للأحداث، إذ لا تحدث عنده تحولات ملحوظة للشخصيات، لا يصب كيارستمي اهتمامه الأساسي على القصة، أحيانًا ليست هناك قصة من الأساس، أو أنها تروى بشكل شديد السوء بحيث يمل المشاهد تتبعها ليركز فقط في التفاصيل والأحداث الصغيرة. تتجاوز أهمية الأحداث الصغيرة والتفاصيل أهمية الخط الأصلي لقصة الفيلم.

لدى كيارستمي تبريراته، فهو يصف نفسه بأنه رجل المضمون، وأن شكل عرض المضمون لا يشغله كثيرًا لأنه لا يشغل الحياة أيضًا، الحياة تعرض مضمونها برداءة، وإذا كانت السينما صورة من الواقع فهي لا يجب أن تحتوي على الإبهار البصري، لهذا يرد كيارستمي دائمًا على من يصف أفلامه بالملل –ومنهم الناقد الشهير روجر إيبرت- بأن إيقاع الحياة بطيء وهو لا يستطيع أن يصنع فيلمًا هوليووديا. يدافع النقاد عنه في هذا بمقولة هيتشكوك أن الرسام الذي يرسم تفاحة لا يهتم إن كانت التفاحة المرسومة حلوة أم حامضة.

الحوارات في أفلام كيارستمي شديدة العمق والرصانة الفلسفية على بساطتها الكبيرة أحيانـًا.لهذا يطلق البعض على أعماله أفلام المحاورات.

في فيلمه «طعم الكرز» يتتبع كيارستمي رجلاً يقود سيارته حتى حفرة ينوي الانتحار فيها. معظم الفيلم يحدث داخل السيارة التي يقل بها في الطريق إلى الحفرة أشخاصًا يعرض عليهم المال مقابل مساعدته في الانتحار، سيلقي نفسه بالسيارة في حفرة، لكنه يخشى ألا يموت، مهمة الشخص تتلخص في أن ينادي عليه بعد أن تسقط السيارة، إن كان حيًّا سيخرجه من الحفرة، وإن كان ميتـًا سيردم عليه التراب. من خلال الفيلم يتتبع كيارستمي آراء الركاب حول الحياة والموت، ومحاولاتهم بإقناعه بالعدول عن قراره، لا يتردد الرجل أمام النصائح الكثيرة، لكنه يتأثر حين يخبره رجل أن «الموتى لا يستطيعون أكل التوت، ألن تفتقد طعم التوت؟»

لا يخبرنا كيارستمي إن كان الرجل قد انتحر أم لا، هو فقط يثير الأسئلة كعادته. طعم الكرز هو أكبر حديث نفس لكيارستمي يجتر فيه كل معاني الحياة والموت عنده.

الشخصيات في أفلام كيارستمي المدنية (الحياة ولا شيء آخر، طعم الكرز، الريح سيحملنا) رجال في منتصف أعمارهم، منهكون، جميعهم يركبون سيارات ويتجولون هنا وهناك، يشعرون بانعدام المعنى، ويبدو عليهم عدم الاستمتاع بالحياة. هم يشبهون كثيرًا المدني الإيراني الحديث، وهو مواطن متأثر كثيرًا بالغرب، لا يؤمن بشيء يقيني، يتنقل بأدوات غربية كالسيارة والهاتف المحمول، غريب عن القرويين وحاملي الثقافة الإيرانية الأصلية. تظهر العدمية والمرارة في حياتهم من خلال تكرار أحداث يومية رتيبة. لكن القرويين البسطاء بثقافتهم وتقاليدهم الخاصة على عكسهم يظهرون دائمًا أكثر شعورًا بالسعادة. ربما لأنهم لا يملكون حقًا ترف التفكير في أمور كالسعادة و الشقاء.

في فيلمه «الحياة ولا شيء آخر»، يعرض كيارستمي آراءه الأخرى في الحياة مصحوبة بشعر للخيام، الشاعر الإيراني الكبير، يقول كيارستمي عن فيلمه:

حين زرت منكوبي الزلزال في إيران منذ أعوام، رأيت تناقضا واضحًا وهائلاً بين الموت والحياة لم أره بهذا القرب من قبل. فهمت حينها فلسفة الخيام بشكل أفضل. تنص فلسفته على أنك لكي تُقدر الحياة يجب أن تقترب من الموت أكثر، وأنا حينها لم أر الموت، بقدر ما اكتشفت الحياة.

كيارستمي رجل مغرم بالشعر، وبالحياة وشاعريتها. يقتبس أحيانـًا أسماء أفلامه من القصائد، كاسم فيلمه «أين منزل الصديق» المأخوذ من قصيدة للشاعر الإيراني «سهراب سبهري». ألف كتابًا عن شعر حافظ الشيرازي أسماه حافظ برواية كيارستمي. ليس غريبًا إذا أن يقال عنه إن أفلامه تشبه الشعر.

«كيارستمي هو أكثر المخرجين الذين ربطوا الحياة بالسينما ذكاءً، إنه شاعر السينما، وُيعتبر الإجابة الأكثر إقناعًا على خطأ التصورات الغربية للحياة». آدرين مارتين

عرض التعليقات
تحميل المزيد