لم تبدأ علاقات الرئيس الفلسطيني “محمود عباس” بسلطة الاحتلال الإسرائيلي وقياداتها فقط منذ وصوله سدة الحكم بل إنه أَصَّل لعلاقاته تلك منذ أوائل السبعينيات بإعلان مبادئ السلام مع الجنرال “ماتيتياهو بيليد” في الأول من يناير عام 1977 تحت مبدأ “اعرف عدوك”.

عباس ونتنياهو

عباس ونتنياهو

وفي العام 1989 شارك في المحادثات السرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر وسطاء هولنديين، ولم يمضِ عامين على تلك المحادثات حتى لوحت وسائل الإعلام المختلفة إلى قيامه بالتنسيق للمفاوضات أثناء مؤتمر مدريد في العام 1991، وتابع إشرافه على مفاوضات سرية أدت إلى اتفاق أوسلو في 13/9/1993، وصرح يومها بقوله: “أشعر بأنني أنجزت شيئًا مهمًّا في حياتي- وليس أهم شيء – وكان نتيجته أن رُفع العلم الفلسطيني لأول مرة على جزء من فلسطين ويمكن أن يمتد هذا العَلَم إلى أجزاء أخرى من الوطن”، وبعدها قاد المفاوضات التي جرت في القاهرة وعُرفت وقتها باتفاق (غزة – أريحا)، وترأس منذ العام 1994 إدارة شئون التفاوض التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ووقع اتفاقية أوسلو (2) في سبتمبر 1995، وبعد عودته بشهر واحد إلى فلسطين صاغ وثيقة (أبو مازن – بيلين) والذي تضمن اعترافًا بالدولة اليهودية ونصت آخر فقرة فيه على: “اعتراف الطرفين داخل “مدينة القدس” بالجزء الغربي منها باعتبار أنه “أورشليم” وبالجزء الشرقي الذي يخضع للسيادة الفلسطينية باعتبار أنه “القدس””.

ما بعد أوسلو

 
وشكل العام 2003 بداية مرحلة للرئيس “عباس” بعد أن اتفقت الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية على عدم استكمال المفاوضات مع الرئيس الراحل “ياسر عرفات” بسبب تشدد مواقفه في قضايا القدس واللاجئين والاعتراف بالدولة اليهودية، وضغط وقتها المجتمع الدولي على “عرفات” لتعيين “عباس” رئيسًا للوزراء ومنحه الصلاحيات والنفوذ التي تمكنه من إدارة القضية الفلسطينية بعقليته ومنهجه السياسي، في حين اشتد الحصار على الرئيس الراحل “أبو عمار” في مقره المتواضع بالمقاطعة برام الله.

عباس وجون كيري

عباس وجون كيري

مكافحة الإرهاب

 
وفي أول قمتين عُقدتا عام 2003 بـ”شرم الشيخ” و”العقبة” شارك فيهما بعد توليه منصب أول رئيس وزراء في السلطة الفلسطينية بتاريخ 19/3/2003 أعرب “عباس” بثقة بالغة عن عزمه على مكافحة “الإرهاب”، في إشارةٍ منه إلى المقاومة الفلسطينية، وفي غضون شهرين وتحديدًا 17/5/2003 توجه إلى إسرائيل ليبحث مع رئيس الحكومة هناك “خارطة الطريق” التي انطلقت رسميًا بتاريخ 4/6/2003 من العقبة بعد اجتماع مُصغر بينه وبين “آرييل شارون” رئيس الحكومة الإسرائيلية و”جورج بوش” الرئيس الأمريكي، وهو الاجتماع الذي ندد خلاله بـ”الإرهاب”، و”عسكرة الانتفاضة”.

إنهاء منظمة التحرير

 
في التاسع من يناير/ كانون الثاني 2005 أصبح عباس رئيسًا للسلطة الفلسطينية خلفًا للرئيس الراحل “ياسر عرفات” وبدأ بمواقفه المُتوافقة مع السياسة الأمريكية والإسرائيلية فصلًا هو الأخطر في القضية الفلسطينية.

 

شعار منظمة التحرير

شعار منظمة التحرير

البداية – كما وثقها د. إبراهيم حمامي في مقالٍ له بعنوان ‏(عبّاس ومنظمة التحرير، إصلاح أم تدمير) نُشر على موقعه الإلكتروني – كانت بإنهاء عمل منظمة التحرير الفلسطينية وخاصة مؤسساتها الست في الخارج المتمثلة في (الدائرة السياسية، ودائرة العائدين، وهيئة أركان الجيش الفلسطيني، ورئاسة المجلس الوطني، وفرعي الصندوق القومي في تونس والأردن، ومكتب التعبئة والتنظيم لحركة فتح)، وذلك من أجل إحلال السلطة الفلسطينية مكانها نزولًا على الرغبة الخفية للاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة.

 
ويبدو أن “عباس” نجح في ذلك؛ فيذكر “حمامي” في مقاله أن “رمزي خوري” مدير مكتب الراحل “عرفات” أصدر قرارًا بإغلاق مكتب الصندوق القومي في تونس بأمرٍ مباشر من “عباس”، وبرر وقتها رفيق الحسيني، مدير مكتبه، قرار الإغلاق بقوله: “إن القرار بإغلاق الفرع مرده عدم الحاجة لوجوده هناك بعد انتقال كل القيادات والمسئولين من تونس إلى الأراضي الفلسطينية، وبالتالي لم يعد هناك وجود للثورة الفلسطينية يبرر استمرار عمل فرع الصندوق”، وفق ما جاء في مقابلته مع صحيفة الحياة الجديدة بتاريخ 2/11/2005.

 
وفي خطوة أخرى حيّد الدائرة السياسية في الخارج لصالح وزير خارجية السلطة وقتها “ناصر القدوة”، متجاهلاً اتفاقات أوسلو التي تنص على أنه ليس من صلاحيات السلطة ممارسة العمل الدبلوماسي، ويقول “حمامي”: “إن ذلك في إطار تفريغ منظمة التحرير الفلسطينية وإنهاء دورها”.

 

تصفية قضية اللاجئين

 
وبالمراجعة الزمنية لتصريحات الرئيس “عباس” حول قضية اللاجئين تجده يُصر على تصفية قضيتهم في الشتات فقال في مقابلة مع (بي. بي. سي) بتاريخ 2/2/2005: “إن الحل العادل لمشكلة اللاجئين هو بالتفاوض حول القرار 194″، وأتبعه بحديث آخر لصحيفة ألمانية باسم “دير شبيغل” بتاريخ 21/2/2005 قال فيه: “إنه مستعد للتفاوض بشأن المكان الذي سيعود إليه اللاجئون”، متابعًا: “هناك 5 ملايين لاجئ نعرف أنهم لن يعودوا جميعًا”، منبهًا إلى أن كثيرين منهم لا يريدون العودة لأنهم يعيشون حياة كريمة في الولايات المتحدة أو سعداء في الأردن ولكن يجب تعويضهم – على حد وصفه -.

 
ويرى د. عاطف عدوان، وزير شئون اللاجئين الأسبق والنائب في المجلس التشريعي، أن الرئيس محمود عباس لم ينفك عن التأكيد في أي مناسبة على “أنه لا يود إغراق إسرائيل بملايين اللاجئين الفلسطينيين”، معتبرًا ذلك “إسقاطًا واضحًا لحق عودة اللاجئين وتنازلًا خطيرًا لا أحد يستطيع التفريط فيه أو التنازل عنه” – وفق قوله-، وأكد أن موقف “عباس” مرفوض جملةً وتفصيلًا لأنه ينسف معالم النضال الفلسطيني من أجل الاحتلال الإسرائيلي، وبيَّن أن مسيرة المفاوضات التي بدأها لم تُحقق أي نتائج عملية على الأرض وكانت في مجملها “صفرية” تؤكد فشله، وتُحتم عليه تقديم استقالته ومغادرة الساحة السياسية، قائلًا: “لم يعد لدى “محمود عباس” ما يُقدمه للشعب الفلسطيني؛ حيث إن الأمور تضيق عليه بشكل كبير جدًّا، والاحتلال الإسرائيلي لا يتجاوب معه ولا يستطيع أن يُحقق أي إنجاز للفلسطينيين”.

عاطف عدون

د.عاطف عدون

 

التنسيق الدائم

 
وفي إطار موقفه الرافض من المقاومة المسلحة؛ قالت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا إن السلطة الفلسطينية “انتهجت سياسة أمنية خطيرة قوامها التنسيق الدائم” مع قوات الاحتلال رغم المخاطر التي يشكلها هذا التنسيق على أمن المواطنين وسلامتهم.

 
وبيّنت المنظمة أن معدل الاعتقال الشهري من طرف الاحتلال والسلطة بلغ خلال عام 2013 نحو ستمائة حالة اعتقال، “نصيب” أجهزة أمن السلطة الفلسطينية منها 256 حالة كل شهر، شملت الأطفال وكبار السن والطلاب والصحفيين وغيرهم وتعرض العديد منهم للتعذيب، وقالت المنظمة: “إن السياسة الأمنية التي تنتهجها السلطة الفلسطينية منذ نشأتها أضرت بمناعة الشعب الفلسطيني وأفقدته الكثير من مقومات صموده في مواجهة الاحتلال، وعلى الرغم من التقارير المتعددة التي انتقدت سياسة التنسيق منذ سنوات، فإن هذه السياسة لم يطرأ عليها أي تغيير أو حتى مراجعة”، واعتبرت الاعتقالات وما يرافقها من انتهاكات تشكل انتهاكًا خطيرًا لاتفاقيات جنيف، داعية الاتحاد الأوروبي إلى وقف كل أشكال الدعم الأمني للسلطة الفلسطينية، كما حثت الولايات المتحدة وبريطانيا على سحب بعثاتها الأمنية من الأراضي الفلسطينية.

 

دولة منزوعة السلاح

 
وكشفت وكالة أنباء البلطيق “بي إن إس” في أكتوبر 2013 الماضي أن الرئيس “عباس” قَبِلَ بالتنازل عن مطلب “دولة محدودة السلاح” الواردة في الورقة الفلسطينية المُعدة من قِبَلِ كبير المفاوضين د. صائب عريقات إلى “دولة منزوعة السلاح” الواردة في الورقة الإسرائيلية.

 
وقال عباس ردًّا على سؤال الوكالة حول احتمال السيطرة العسكرية الإسرائيلية مستقبلًا على حدود دولة فلسطينية منزوعة السلاح: “لن نقبل بذلك”، وأضاف “نريد بحسب اتفاقات أوسلو وجودًا قويًّا للشرطة”.

 

دولة بحدود 67

 
وفي تصريح موجز حدد ورسم “عباس” له وللمؤسسات التي يرأسها ويديرها، فقال في مقابلة مع القناة الإسرائيلية الثانية في ذكرى وعد بلفور الـ95: “فلسطين الآن في نظري في حدود الـ67 والقدس الشرقية عاصمة لها، هذا هو الوضع الآن وإلى الأبد، هذه هي فلسطين في نظري، إنني لاجئ، لكنني أعيش في رام الله، وأعتقد أن الضفة الغربية وغزة هي فلسطين، والأجزاء الأخرى هي إسرائيل”، ما يعني اكتفاءه بـ5500 كيلومتر مربع من فلسطين التاريخية شاطبًا مئات المدن والقرى الفلسطينية المحتلة مثل حيفا ويافا وعكا واللد والرملة والجليل الأعلى وطبريا وسهل الحولة وعسقلان والنقب وصفد والناصرة وغيرها.

 
كما تعهد بمنع أي انتفاضة فلسطينية على “إسرائيل”، مؤكدًا على أن مصطلح الانتفاضة في السياسة يعني حراكًا شعبيًّا سياسيًّا وإعلاميًّا سلميًّا ضد “إسرائيل”، رافضًا قيام انتفاضة سلمية ليضم بذلك الانتفاضة الشعبية إلى قائمة المحرمات لديه، وعلى رأسها العمل العسكري المقاوم أو المقاومة المسلحة.

 

برنامج سياسي

 
ويرى الخبير والمحلل السياسي، د. عدنان أبو عامر، أن ما سبق يأتي في سياق برنامج سياسي واضح انتهجه الرئيس “عباس” منذ سبعينيات القرن الماضي، وقال: “هو لا يرى أن المواقف التي اتخذها سواء حق العودة أو إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح أو الإبقاء على المستوطنين في الضفة الغربية أو التنسيق الأمني، “تفريطًا أو تنازلًا””، وتابع: “ما نعتبره نحن تنازلات الرجل يراه برنامجًا سياسيًّا”.
وأوضح أن افتقاد البرنامج السياسي الذي أتى به “عباس” أوجد حالة من الاختلاف على تحصيل الحقوق الفلسطينية، مطالبًا بضرورة توافق فلسطيني داخلي خاصة بعد أن وصل برنامجه في الآونة الأخيرة إلى طريق مسدود بفعل التعنت الإسرائيلي رغم أن ما قدمه من ليونة ومرونة كبيرين جدًّا ولن تُحصل عليهما إسرائيل من أي إنسان يأتي بعده.

عدنان_أبو_عامر.jpg (686×515)

عدنان أبو عامر

عرض التعليقات
تحميل المزيد