توفي الأربعاء الماضي 24 أبريل (نيسان)، عباسي مدني الأستاذ الجامعي، والسياسي الإسلامي، والمناضل المشارك في حرب التحرير الجزائرية (1954- 1962)، ورئيس «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، عن عمر يناهز 88 سنة، في العاصمة القطريّة الدوحة، بعد صراع مع المرض. ويعدّ عبّاسي مدني أحد أكبر رموز تيار الإسلام السياسي في الجزائر، إذ ترأس حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الجزائريّة منذ تأسيسها، ثمّ حلّها بعد إلغاء المسار الانتخابي سنة 1992، وما تلاه من أزمة أمنيّة عصيبة دخلت فيها البلاد طوال فترة التسعينات.

صحيح أن الجانب الذي يسلّط عليه الضوء من مسيرة عبّاسي مدني هو ترأسه لأحد أكثر الأحزاب إثارة للجدل في تاريخ الجزائر، «الجبهة الاسلاميّة للانقاذ»، لكن هنالك جوانب أخرى قد تكون أهمّ من الناحية التاريخية في حياته، والتي لا تحظى باهتمام إعلامي وتاريخي، إذ ترتبط بأحداث ملحميّة في تاريخ الجزائر من خلال مشاركته في الحركة الوطنية، ثم في الكفاح المسلّح أثناء الثورة التحريريّة.

عباسي مدني.. مجاهد في ثورة التحرير منذ أوّل يوم

لعلّ عبّاسي مدني قد اشتهر في الوسائل الإعلامية بعد تأسيسه وترأسه لحزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الذي تحوّل سريعًا إلى ظاهرة شعبيّة استثنائيّة من حيث الزخم، فقد اكتسحت الجبهة المجتمع الجزائري في أوائل التسعينات، واستطاعت الفوز في الانتخابات البلديّة والبرلمانيّة، قبل أن يقرّر الجيش وقف المسار الديمقراطي، وتدخل البلاد في عشريّة سوداء مأساويّة، راح ضحيّتها مئات الآلاف من الضحايا. 

لكن الجانب الآخر لحياة عباسي مدني غير المشهور، هو مشاركته المحوريّة في الحركة الوطنيّة ضد الاحتلال الفرنسي قبل الثورة التحريرية، ثم مشاركته مع الطليعة الأولى التي فجّرت الثورة التحريريّة في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1954، ولذلك فإن حياة عباسي مدني ومساره السياسي يؤرّخ لمرحلة مهمّة من الحركة الوطنيّة الجزائريّة، الممتدّة من ما بعد الحرب العالميّة الثانية ونضال حزب الشعب وحركة انتصار الحريّات الديمقراطيّة، مرورًا بحرب التحرير، ثم النضال بعد الاستقلال ومرحلة الانفتاح السياسيّ، إلى غاية أزمة التسعينات الدمويّة.

Embed from Getty Images

عباسي مدني

هيئة عبّاسي مدني بلحيته الكثّة وقميصه الأبيض جعلته يمثّل في مخيال الكثيرين أيقونة التيّار الإسلامي الكلاسيكي في الجزائر، لكن ما قد لا يعرفه الكثيرون أن عباسي مدني في الحقيقة قد بدأ حياته في أحضان الحركة الوطنيّة ما قبل الاستقلال، من خلال نضاله داخل حزب الشعب وحركة انتصار الحريّات الديمقراطية، كما أنّه كان عضوًا في «المنظّمة الخاصّة»، وهي الذراع المسلّح السرّي لـ«حزب الشعب» آنذاك، والذي شكّل النواة الرئيسية التي فجّرت ثورة التحرير فيما بعد، وضمّت عدّة شخصيّات نضاليّة ثورية محوريّة في الثورة، كأمثال بلوزداد، وبوضياف، وبن بلّة، وآيت أحمد وغيرهم. 

عباسي مدني الذي وُلد في مدينة بسكرة بالصحراء الجزائريّة، والذي ترجع أصوله إلى منطقة تيقزيت الأمازيغية، انضمّ إلى الحركة الوطنيّة في عُمر 17 سنة، وقد شارك في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 1954 في هجوم مسلّح على مبنى الإذاعة، وألقي عليه القبض حينها ليبقى في السجن سبع سنوات إلى غاية أبريل 1962. بعد الاستقلال عاد عبّاسي مدني ليُكمل مشواره التعليمي ويحصل على شهادة الليسانس في الفلسفة، ثم درجة الدكتوراه في التربية المقارنة، ليواصل مساره البحثي في بريطانيا، ويحصل فيها على شهادة الدكتوراه في التربية.

بين قايد صالح وحسين طنطاوي.. تشابهت المسارات فهل تتشابه النتائج؟

سجين الاحتلال والاستقلال

في سنوات الثمانينات كانت عدّة حركات سياسيّة تنشط في السرّ بسبب سياسة الحزب الواحد المتّبعة من طرف الدولة، والتي تحظر النشاط السياسيّ خارج إطار «جبهة التحرير الوطني»، وقد كان عباسي مدني أحد رموز الحركة الإسلاميّة أثناء فترة النشاط السرّي، سواء في الحلقات أو المحاضرات في الجامعات. قبلها، كان عبّاسي مدني ينشط داخل الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني)، وقد كان يقود الجناح الإسلامي داخل الحزب، إلّا أنه استقال منه في منتصف الثمانينات واتّجه للنشاط حرّ.

Embed from Getty Images

عباسي مدني في إحدى تجمّعات الجبهة الإسلامية للإنقاذ

بعد احتجاجات الخامس من أكتوبر (1988) الحاشدة، والتي أدّت إلى دستور جديد كرّس الانفتاح السياسي، ونهاية عهد الحزب الواحد، وبدء مسار ديمقراطيّ، أسّس عباسي مدني رفقة مجموعة كبيرة من رموز الإسلاميين حزب «الجبهة الإسلاميّة للانقاذ»، وسرعان ما استطاعت الجبهة أن تكتسب شعبيّة عارمة بفضل خطاب أعضائها الشعبوي المرتكز على الدين، والمُعارض بشدّة لرموز النظام وجنرالات الجيش.

فازت الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ بالأغلبية في الانتخابات البلديّة سنة 1990، ثم واصلت اكتساحها في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية سنة 1991، قبل أن يوقف الجيش الانتخابات، وتدخل البلاد في أزمة دمويّة أو ما يُعرف بـ«العشريّة السوداء».

لكن اسم «عبّاسي مدني» ورفيقه في الجبهة الإسلامية علي بلحاج لا يكفّان عن إثارة الجدل في الساحة السياسية الجزائريّة، إذ يعدّان من أكثر الأسماء المثيرة للاستقطاب، والتي تختلف الآراء حولهما اختلافًا جذريًّا، إذ يرى مُعارضو «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» أن خطاب الجبهة الصدامي والعنيف في تلك الفترة – والذي كان عباسي مدني أحد أبرز وجوهه- هو السبب الرئيسي في الأزمة الأمنية التي شهدتها البلاد، ويرون أنّ قادة الجبهة هم المسؤولون الرئيسيّون عن مئات الآلاف من الضحايا الذين سقطوا من خلال دعوتهم إلى إقامة دولة إسلامية، ولمنهجهم الصدامي ضد الخصوم السياسيين.

وقد عنونت إحدى الصحف الفرانكوفونيّة المُعارضة للإسلاميّين: «وفاة أحد المسؤولين على العُشرة السوداء»، في حين يُشير آخرون إلى أنّ عبّاسي مدني كان قد اعتُقل في سنة 1991 أي قبل توقيف المسار الانتخابي وبداية الأزمة الأمنيّة، وأن العشرية السوداء كانت ملفًّا أكثر تعقيدًا من أن يتحمّل مسؤوليّته حزب سياسي، وأنّ جنرالات تلك المرحلة الذين قرّروا وقف المسار الديمقراطي هم من يتحمّلوا القسط الأكبر من المسؤولية، وما تزال هذه السجالات المتعلّقة بتلك المرحلة تلقي بظلالها على الساحة السياسية إلى اليوم، والتي عادت للسطح بعد وفاة عبّاسي مدني.

قبل توقيف المسار الانتخابيّ يناير (كانون الثاني) 1992، جرى الزجّ بعبّاسي مدني في السجن، وجرت محاكمته في سنة 1992 أمام المحكمة العسكريّة بالبليدة التي أصدرت حُكمًا بحقّه يقضي بسجنه 12 سنة بتهمة «المسّ بأمن الدولة». في الوقت الذي كانت تغرق فيه البلاد في حمّام دم، وتشير عدّة شهادات إلى أنّ عباسي مدني تعرّض للتعذيب داخل السجن، والذي تضمّن الضرب والتعرية الجسديّة.

تاريخ عبّاسي مدني الثوري بوصفه شخصية تاريخيّة من أوائل من شاركوا في الثورة التحريريّة منذ اليوم الأوّل، وأحد من أسهموا في نضال الحركة الوطنيّة ضد الاحتلال الفرنسيّ في «المنظّمة الخاصة» الذي تعرّض للسجن وقتها، جعلت بعض المجاهدين يتوسّطون له لدى السلطات بقيادة الرئيس زروال؛ من أجل تخفيف الحكم القضائي عليه، إذ قضى في السجن نصف المدّة (ستّ سنوات) بينما قضى النصف الآخر في الإقامة الجبريّة، ليخرج في سنة 2003، ثم يتّجه إلى العاصمة القطريّة الدوحة، حيث قضى آخر أيّامه.

عاش عبّاسي مدني حياة مِلؤها الصدامات والمواجهات قبل الاستقلال وبعده، رغم أسلوبه وسلوكه الذي يصفه أغلب من حاوره أو تعامل معه باللّطف الشديد، إذ عرف السجن في عدّة مراحل من حياته، سواء خلال فترة الاحتلال أثناء الثورة بعد عمليّة مبنى الإذاعة، التي قضى بسببها سبع سنوات في السجن، كما سُجن بعد الاستقلال إثر توقيف المسار الانتخابي، وبوفاة عباسي مدني، يرحل جزء من ذاكرة نضال الحركة الوطنيّة قبل الثورة التحريريّة وأثناءها، وترحل معه أسرار مرحلة التسعينات بتشعّباتها وتناقضاتها، والتي شهدت فيها الجزائر إحدى أكثر المراحل العصيبة في تاريخها.


ويمكن لمن يريد الاطلاع أكثر على مسار عبّاسي مدني مراجعة مجموعة الحلقات التي سجّلها مع «قناة الحوار» في برنامج «مراجعات» التي يقدّمها المذيع عزّام التميمي، والتي تحدّث فيها عبّاسي مدني عن سيرته الذاتية، والتي جاءت في سبعة أجزاء.

20 سنة بعد «العشرية السوداء».. هل تغيّر الجيش الجزائري منذ التسعينيات إلى اليوم؟

المصادر

عرض التعليقات
s