أمير الظل أو مهندس الطريق كما يلقب نفسه ويلقبه محبوه من الشباب الذين ألهمهم ولم يروه. داخل قبو عزل انفرادي في معتقل سجن الرملة – جنوب فلسطين المحتلة- يقبع صاحب أكبر حكم عسكري يصدره الاحتلال الإسرائيلي في تاريخه الأسير عبد الله غالب البرغوثي (67 حكمًا بالمؤبد بإجمالي حوالي5200 سنة)، ليخرج لنا العديد من المؤلفات التي نشر منها سبعة، ما بين رواية وكتاب.

حتى الآن لا أحد يعلم الطريقة التي يُخرج فيها البرغوثي كتاباته، يكتب في ظل حراسة مشددة وكاميرات مراقبة منتشرة، يُضطر في بعض الأحيان للكتابة في مكان قضاء الحاجة، ويكتب بين أسطر الأوراق بخطٍّ دقيقٍ وغير واضح، يخرج هذه الورقات ورقةً ورقة، حتى إن ما يكتبه لا يتمكن من مراجعته بعد طباعته فيتم مراجعته وتدقيقه بالخارج ونشره كما يقول ذووه.

يتميز البرغوثي الكاتب بأنه صريح جدًا، يشن الهجوم على الجميع دونما خوفٍ أو حسابات شخصية، قال عن منهجه في الكتابة: “إصبعي السبابة كاد أن يقطع أثناء العمل الجهادي، حين ضربت بقذيفة، وقد قمت بتغريزه آن ذاك بنفسي، ووقتها كنت مضطرًا لإطلاق النار باليد اليسرى، لكن بعد الأسر عادت العافية لإصبعي، فكتبت بيدي اليمين، وكلما أكتب تكون الندبات حاضرة أمامي بشكلها وألمها، فهذا الإصبع المصاب هو الذي يكتب، ولم يخرج منه إلا ما كان يخرج في ساحة الجهاد، وأقسم بالله عندما أكتب الكلمة، إذا شعرت أنها خانت الإصبع أو داهنت أحدًا، أقوم بتمزيق الورقة كلها”.

لا تتمتع كتابات البرغوثي بحبكة في الصناعة أو صياغات أدبية مرموقة شأن المعروفة لدى الكتاب، بل يكتب في لغة أقرب ما تكون إلى البساطة أو الصراحة، وهو أهم ما يميزه، أنه يكتب نفسه، ويكتب ما عاشه دون كثير من الحاجة للتصنع أو التجمل، أو الاختفاء وراء ستار الكلمات.

“ساسة بوست” تستعرض الكتب والروايات التي ألفها البرغوثي وعرضت مؤخرًا في معرض الكتاب بالقاهرة.

السيرة الذاتية “مهندس على الطريق… أمير الظل”

يمنح البرغوثي في سيرته الذاتية “مهندس على الطريق… أمير الظل” الجميع فرصة الاقتراب منه والتعرف عليه، رغم أن من طلب ذلك هي ابنته “تالا” التي أرسلت له خطابًا في محبسه الانفرادي لا يضم سوى سؤالين “من أنت؟ ولماذا أنت؟”.

البرغوثي بدأ في الإجابة بأسلوبه الخاص على هذا التساؤل، سرد تفاصيل حياته، القضية التي عاش يناضل من أجلها ويقبع في السجن حاليًا من أجلها أيضًا، هذا الكتاب يشبه السيرة الذاتية، أو لعله ضرب من أنواعها لولا أنه يغتنم الفرصة كي يمنحنا فرصة أخرى للتعرف على سيرة مقتضبة لعدد من المجاهدين (معهم مجاهدة واحدة هي الأسيرة المحررة أحلام التميمي)، رغم أن ذلك لم يكن ضروريًّا بالنسبة لجميع الأسماء التي أوردها من غير الذين عملوا معه بشكل مباشر.

المقدسي وشياطين الهيكل المزعوم

“أكثر ما يقلقني هو نفاذ حبر قلمي؛ فأنا لا أملك سوى قلم واحد لا يوجد بداخله سوى القليل من الحبر، فلقد منعت من قبل قوات الاحتلال الصهيوني من شراء قلم جديد”، هكذا استهل البرغوثي روايته “المقدسي وشياطين الهيكل المزعوم”.

يروي البرغوثي في هذه الرواية قصصًا نسجها حول تسلحه بالقرآن الكريم في ظروف الاعتقال الصعبة، كما يفرد صفحات لمقاومة “المحتل وشياطين الهيكل المزعوم”، دون على غلاف هذا الكتاب إهداءً جاء فيه: “أهدي كل حرف نطقت به أو كتبته إلى والدي غالب البرغوثي الذي علمني ألا أركع إلا لله، وأهدي كل إنجاز وصلت إليه إلى أمي الحبيبة التي ذرفت الدموع على فراقي بسبب أسري في سجون الاحتلال، وأهدي هذه الرواية أيضًا إلى زوجتي وأطفالي تالا وأسامة وصفاء”.

فلسطين العاشقة والمعشوق

يفتتح البرغوثي مقدمة روايته تلك بـ “أوجد العشق والمأساة محامية فلسطينية اسمها فلسطين، فصنع منها زعترة برية أحبت الأرض والطين وعشقت فارسًا غضنفرًا مقاومًا”.

كتب البرغوثي هذه الرواية داخل قبو عزل انفرادي في معتقل سجن الرملة (وسط إسرائيل)، وفيها يروي البرغوثي قصة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ مهدها، وبالرغم من تركيزه على معاناة الفلسطينيين تحت قبضة الاحتلال، إلا أنه يدعو من خلالها إلى مقاومة المحتل وعدم اليأس والاستسلام.

رواية «الماجدة… ذكريات بلا حبر وورق»

الرواية التي أبكت البرغوثي عدة مرات هي رواية “الماجدة… ذكريات بلا حبر وورق”، فمعاناة بطلة الرواية التي أسماها “ماجدة” أبكته المرة تلو المرة من شدة ما عانته من شدائد ومآسٍ ومصائب، حيث تناقش الرواية بأسلوب بسيط قصة زوجة أحد الأسرى التي تناضل ضد المحتل الإسرائيلي؛ بحثًا عن الحياة بعزة في وطنها، ورأى البرغوثي في بطلة هذه الرواية زوجته التي قال لها في إحدى رسائله: “إن شخصية الماجدة تصغر أمامك وأمام ما عانيته وأنت وحدكِ مع أطفالنا، والماجدة لم تروِ قصتك لكنها حاكتكِ أنت وحاكت ما تحملته”.

يقول البرغوثي عن هذه الرواية: “من هناك من قبر العزل الانفرادي في غرفةٍ مظلمةٍ وجدرانٍ سوداء أخرجت لكم الرواية، أخرجتها من صميم الحزن والألم، أخرجتها لتكون صرخةً مدويةً ليعلم القاصي والداني أن فلسطين ما تزال في الأسر، وأن تحريرها واجبٌ علينا كلنا، وأن الماجدة هي أمكم هي زوجتكم هي أختكم هي ابنتكم، إن الماجدة هي فلسطين”.

رواية «المقصلة وجواسيس الشاباك الصهيوني»

في ليلة استشهاد وزير الداخلية بغزة سعيد صيام (1959– 2009)، قرر البرغوثي كتابة روايته الثالثة “المقصلة وجواسيس الشاباك الصهيوني”، وكانت أحداث الرواية خاصة في قطاع غزة، ذلك القطاع الذي لم تطأه قدما البرغوثي.

تحكي هذه رواية عن قصة شاب اسمه شهاب البطل المحقق مع العملاء، حيث يقوم شهاب بالتحقيق مع العميل “حكيم” الذي كان أخًا لشهيدين وأسير، تكشف الرواية دور هذا العميل في اغتيال الشهداء وكشف عن زوجته وحماه العميلين أيضًا، وبعد إحضار زوجته – سارة– وحماه – نضير–، تم التحقيق مع سارة التي كانت تتحدث بقوة ووقاحة تباهيًا بوالدتها اليهودية التي ستأتي لإنقاذها بمجرد معرفتها بذلك، وضمن التحقيق اعترف حكيم أنه كان سببًا في اغتيال – مدحت– أخي شهاب، ولم يكن حكيم يعرف أنه يعترف بأنه سببًا لاستشهاد أخي المحقق الذي أمامه، وسببًا في استشهاد عائلة المحقق كلها أيضًا.

زاوج البرغوثي في هذه الرواية بين الواقع والخيال وبرر ذلك بالقول: “زاوجت بين الاثنين معًا لأنني كنت عندما كتبت هذه الرواية أقبع في زنزانة العزل الانفرادي عشر سنوات، وما زال عقلي يحتفظ بأسرار المقاومة وأسرار القسام فلم يكن معقولًا أن أكشف أسرار المقاومة التي عجز الاحتلال عن انتزاعها من خلال التعذيب الذي مورس عليّ خلال 6 شهور رأيت خلالها الموت”.

كتاب «الميزان.. جهاد الدعوة ودعوة المجاهدين»

من أجل تأليف هذا الكتاب خاض البرغوثي حربًا ضروسًـا ضــد الاحتلال الصهيوني، أصيب فيها بالرصاص، وقتل من جنود الاحتلال العشــرات، كما أكرم بالسجن بل بالعزل كما يقول، في كتاب “الميزان.. جهاد الدعوة ودعوة المجاهدين”، يرى البرغوثي أن على حامل الدعوة التحلي بنفسية المجاهد في سبيل الله، ووضع عشر صفات لحامل لواء جهاد الدعوة أبرزها: العلم الشرعي، وسعة الاطلاع، والالتزام بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو الناس إليه، والإخلاص في القول والعمل، وأن يكون وثيق الصلة بمن يدعو لدعوتهم، وأن يكون ناصع السيرة والتاريخ.

يقول البرغوثي في هذا الكتاب: “ألفته محاولًا إيجــاد الدواء الذي يلم بالأمة، لنتمكن من إيجاد الدواء عبر اســتقراء العلــل، ثم صياغة منهج يســتمدّ شــرعيته مــن القرآن والسـنة النبوية الطاهرة”. وما دفع البرغوثي لتأليف هذا الكتاب هو: “تخليــص جهــاد الدعوة مما قــد يعلق به من حظوظ الدنيا، وحماية الثغور التي قد تكون منافذ ينطلق منها العدو إلى دار الإســلام”.

ويضيــف البرغوثــي: “كل تقصير فــي الجهاد ّ يــؤدي إلى الذّل والهــوان، فعلينا ألا نركن إلى الســلم عن ضعف وصغار، بل لا يكون الســلام إلا عــن قوة واقتدار، فما دام هناك ظلم واعتداء الواجب هو القتال الذي تسترخص فيه الأنفس ويضحى فيه بالمهج”.

كتاب «بوصلة المقاومة»

بصفتــه صاحــب تجربة في المقاومة، كان أيضًا صاحب “بوصلــة المقاومــة” الكتــاب الذي ألفه البرغوثي من أجل أن “يزيح الغبار عن البوصلة؛ لعلها ترشــد من يسعى إلى أن يعيد للأمة مجدهــا نحو الطريق الواجب اتباعه، نحو إعلاء كلمة الإسلام” كما قال، فقد جاء هذا الكتاب كجزء ثاني لكتاب (مهندس على الطريق… أمير الظل).

تحدث البرغوثي في الكتاب عن تاريخ وتسلسل العمليات البطولية والعمل الفدائي خلال الفترة التي عايشها قبل اعتقاله، كما ذكر بعض التفاصيل الإفتائية الشرعية في حق الجهاد وعواقبه كالأسر والشهادة، مستشهدًا بآيات القرآن والسنة النبوية، وطرح البرغوثي إجابات على تساؤلات حائرة مثل:ـ كيف يجب علينا أن نربي الشباب لينبتوا في منبت حق؟ ماذا على الشباب المجاهد أن يقدم لقضيته؟ كيف له أن يتصرف إذا ما وقع أسيرًا في قبضة المحتل؟

المصادر