أثار مقتل أبي بكر البغدادي، زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، خلال عملية للقوات الأمريكية في قرية سورية، تساؤلات حول الخليفة المحتمل له لقيادة التنظيم بعد موته؛ وسط تفسيرات متباينة تحاول استشراف مسيرة التنظيم الفترة المُقبلة، وتقدير حجم التغير الذي سيلحق به إزاء هذا التغير اللافت، بعد مقتل قائده ومؤسس هياكله التنظيمية التي امتدت من العراق وسوريا لفروع تنتشر في كُل دول العالم.

وتذهب كافة الترجيحات، حول خليفة البغدادي المحتمل، للشخص الأكثر ملاصقة له منذ عقود، صديقه الذي تعرف إليه خلال سنوات الحبس بسجن البصرة، وائتمنه على أسراره، قبل أن يخرجا، معًا، ويبدأ رحلة تأسيس كُبرى التنظيمات المتطرفة حول العالم. هذا الشخص هو عبد الله قرداش؛ الذي تحول مع البغدادي من أشخاص عاديين يجهلهما الناس إلى حديث العالم بأسره، الذي يتابع أخباره لحظة بلحظة.

في هذا التقرير التالي نستشرف ملامح الزعيم الجديد المُحتمل لـ«داعش» عبد الله قرداش وسيرته، والدوافع التي جعلت البغدادي يختاره لخلافته قبل مقتله، وما أبرز الاختلافات في قيادته الجديدة.

أبو بكر البغدادي.. يوميات الأكشن والإثارة التي تضاهي أفلام «جيمس بوند»

كيف تعرف البغدادي إلى خليفته قبل 16 عامًا؟

قبل 16 عامًا، وتحديدًا في شهر مارس (آذار) عام 2003، كانت العراق على حدث تاريخي استثنائي، بدخول آلاف من القوات الأمريكية لأراضيها، مدعومة عسكريًّا واستخباراتيًّا من دول حليفة لها، مثل بريطانيا وأستراليا وبعض الدول الأخرى، بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل، ومواجهة الإرهاب التي روجت له آنذاك.

سجناء سابقون في سجن عراقي شيدته القوات الأمريكية

وتحت شعار «لا تريد غزو العراق وإنما تحرير الشعب العراقي»، الذي صدح به الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش، دخل آلاف من القوات الأمريكية بغداد ومُدن العراق، لتبدأ بلاد الرافدين مسيرة جديدة في تاريخها ظلت آثارها باقية إلى الآن.

أعقب هذا التصريح الشهير توغلًا للقوات الأمريكية في هجوم عسكري جوي وبري، ليسقط حُكم صدام حسين، ومعه عاصمة البلاد بغداد، وتمضي واشنطن في تشييد مئات السجون والمعتقلات، لتقييد العناصر المنتمية لتنظيمات متشددة، والحيلولة دون هروبها، مروجة عبر هذه السجون دورها المهم، ومانحة لنفسها شريعة الوجود على الأراضي العراقية.

كان واحدًا من هذه السجون هو «بوكا»، أو «أكاديمية بوكا»، في محافظة البصرة جنوبي العراق. الذي تصادف وجود البغدادي فيه مع رجل عراقي الجنسية يُدعى عبد الله قرداش، علاوة آخرين بالزنزانة نفسها، لصلاتهم بتنظيم «القاعدة»، وذلك في السجن الذي أنشأه الأمريكيون عام 2003 وأغلقوه عام 2009.

وعلى مدار السنوات الأربعة داخل السجن، توطدت صلة البغدادي مع قرداش؛ ليصبحا «زملاء زنزانة واحدة»، أتاحت لهم نسج صلات صداقة توطدت بحلقات للتعليم، سواء التعليم التقليدي للقرآن والتفسير واللغة، أو على مستوى التعليم المتخصص بمناهج التكفير والرسائل الخاصة بالتطرف.

وبعد انقضاء هذه السنوات التي عملا فيها الرجلان في الكواليس وبصمت، بعيدًا عن المجتمعات اليومية، وعيون السلطة، انتقلا للخارج، ليكونا على موعد مع إعادة إحياء لهذه المناهج على أرض الواقع، بتأسيس كُبرى التنظيمات المتطرفة حول العالم، وهو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، المُنبثق من تنظيم «القاعدة»، رفقة زملاء لهم في السجن رافقوهم في رحلة التأسيس الأولى، وانتقلوا بعد ذلك إلى مواقع قيادية داخله.

تطابق هذه الرواية مع شهادات لصحيفة «التايمز» البريطانية، التي قالت إن البغدادي استغل قدراته كداعية جهادي، وتمكن من تجنيد المئات من السجناء لقضيته، وكون رؤيته لما وصفه بأنه دولة الخلافة، فيما ذكرت أن البغدادي وقرداش دخلا السجن معًا عام 2003.

كان من بين هؤلاء المسجونين الذين رافقوهم بعد ذلك في مرحلة التأسيس كُل من  أبي عبد الرحمن البيلاوي، أبي مهند السويداوي، أبو أحمد العلواني، وهو أهم قائد أمني لدى «داعش»، وأبي مسلم التركماني، كبير مساعدي البغدادي، وإسماعيل علوان العيثاوي المعروف باسم (أبي زيد العراقي)، مساعد البغدادي، وأبي يحيى العراقي، نائب البغدادي.

وبحسب، حديث للخبير بشؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي لموقع  «ارفع صوتك» فإن تلك القيادات «تقاربت داخل السجن بسبب تقاربها بالأفكار والعقائد»، موضحًا أن ذلك ساعدها في «خلو السجن من أي وسيلة لهو، فالنزلاء لا يملكون غير الجلوس لفترات طويلة والثرثرة، منتظرين الصلاة أو الطعام، أو النزول لساحة التشمس».

الخليفة الجديد.. ضابط سابق من أشرس قادة داعش

الخليفة الجديد المُحتمل هو عبد الله قرداش، الذي رشحه البغدادي، في أغسطس (آب) الماضي، لزعامة التنظيم وما سماه بيان التنظيم «برعاية شؤون المسلمين»، بحسب مواقع مقربة من تنظيم «داعش».

شعار داعش تدهسه الأقدام بعد سقوطه

وقرداش الذي ولد لأب خطيب «مفوه وعقلاني»، وينحدر من بلدة تلعفر، شمال غرب مدينة الموصل، وهي من أهم معاقل التنظيم المتطرف، خدم ضابطًا سابقًا  في جيش صدام حسين، قبل أن يبزغ نجمه في التنظيمات المتطرفة بعد سقوط صدام عام 2003.

وتخرج قرداش، وهو تركماني الأصل، من «كلية الإمام الأعظم» في مدينة الموصل، قبل أن ينضم لعدة تنظيمات دينية، خلال فترة حُكم الرئيس الراحل صدام حسين، حتى جرى اعتقاله بسجن البصرة، وبعدها زامل البغدادي في تأسيس «داعش»، التي شغل فيها منصبًا شرعيًّا عامًا.

وبرزت صفات «القسوة والتسلط والتشدد» في قرداش، بحسب روايات من تعاملوا معه، الذين حكوا أن وجوده كأول المستقبلين للبغدادي إبان سقوط الموصل؛ ساعد على تعزيز وتوطيد صلة الرجلين معًا.

وجاء إعلان تعيين قرداش خليفة للبغدادي، بعد نحو أربعة شهور من آخر ظهور للبغدادي، في 29 أبريل (نيسان) الماضي؛ الذي توعد خلاله الولايات المتحدة الأمريكية بمزيد من الأعمال، كما عد تفجيرات سريلانكا التي راح ضحيتها العشرات بمثابة ثأر لما حصل في منطقة الباغوز في سوريا.

ووقف خلف هذا الاختيار  أسباب رئيسية، أبرزها ثقة البغدادي فيه، الذي سعى عبر هذا الاختيار لسد الثغرات في التنظيم، والدفع نحو مزيد من توطيد صلاته مع قرداش، إلى جانب أنه يحظى بشعبية وسط أعضاء التنظيم، ويُعرف في أوساط عناصر التنظيم بـ«البروفسور».

وتصنف أجهزة أمنية واستخبارتية قرداش بأنه من «أشرس وأقسى قادة داعش»؛ إذ أعلنت أجهزة الاستخبارات العراقية، حالة استنفار معلوماتية حول شخصية قرداش، وما هي تحركاته، وأين يمكن أن يكون موجودًا.

فيما رجح تقرير صادر عن جهاز الأمن الوطني العراقي المعني بملف الإرهاب والجماعات الإرهابية، أن تولي قرداش زعامة داعش سيؤدي الى مرحلة «خطيرة للغاية» من العنف العشوائي الذي يطال المدنيين بطريقة انتقامية، كما أن ترشيح قرداش قد يطرح احتمالات خطيرة لعودة العمليات الإرهابية التي تستهدف إثارة الفتنة الطائفية في العراق.

وفي الشهور الأخيرة، توسعت مهام قرداش داخل التنظيم، ليصير مسئولًا مسئولية كاملة عن إعادة بناء التنظيم، خصوصًا المهمات اللوجستية والحركة، فيما تفرغ البغدادي لمسؤولية تجديد خطاب التنظيم ليجتذب المجندين كما كان يجذبهم عند بدايته.

خريطة داعش الجديدة مع قرداش.. العراق حاضنة أساسية

تنضم لقائمة الأسئلة المفتوحة مع مقتل البغدادي سؤال رئيسي عن خريطة التنظيم في المرحلة الزمنية المُقبلة في ضوء القيادة الجديدة المُرجح لها قرداش، وأبرز الوسائل التي سيعتمدها الأخير لإعادة إحياء التنظيم في ضوء الضربات القاضية التي تعرض لها في العامين الأخيرين، والتي أدت لانحسار تمدده، وخروجه من معظم المدن التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق.

آثار مواجهات عسكرية  لقوات تابعة لـ«داعش» في سوريا

وربما تكون خطط الهيكلة التي وضعها قرداش قد تكللت في عودة مقاتلي التنظيم لأحزمة المدن الحضرية في العراق، لتكون هي الحاضنة الرئيسية للتنظيم، خصوصًا في ظل صلات الرجل، ومعرفته بطبيعة مدنها الجغرافية.

يعزز من هذا الطرح ما أظهرته وثائق منسوبة لـ«داعش» عثرت عليها قوات الأمن خلال الهجوم العسكري في شمال شرق سوريا، حول أن التنظيم بدأ منذ عامين تقريبًا في إعداد نفسه لفرضية فقد أراضيه التي سيطر عليها في سوريا والعراق، والبحث (في عام 2019) عن رحلة ملاذات آمنة، خاصة في العراق.

وتطابقت هذه الوثائق مع التقرير الصادر حديثًا عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، حول تمكن تنظيم «داعش» الإرهابي من إعادة ترتيب صفوفه؛ ليظهر من جديد في سوريا، مستغلًا الانسحاب الأمريكي. وستتركز هذه الملاذات الآمنة لمقاتلي «داعش» في المناطق التي يتعذر الوصول إليها بالقرب من قرى السنة في العراق.

التحول الآخر هو دعم التنظيم لمقاتلي من أجل التخطيط لمزيد من الهجمات في أوروبا، من خلال دعم أعضائه الموجودين هناك في مجموعات غير معروفة فيما يُعرف عنهم «خلايا التمساح». كما سيعمل على دعم خروج مقاتلي التنظيم من السجون السورية والعرقية تباعًا، وهو ما اتضح في هروب الآلاف من عناصره خلال تنفيذ تركيا لهجماتها في سوريا مؤخرًا.

وبحسب تحليل منشور في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، فإن التنظيم يعمل على «إعادة بناء قوته باطراد ويحاول إخراج الآلاف من مناصريه من مراكز الاعتقال. وسيتيح الفراغ الناتج عن الانسحاب الأمريكي والتدخل التركي مجالًا أكبر أمام هذه الجهود، بينما يضاعف المشكلة الأصلية المتمثلة في عدم رغبة الدول في التعامل مع مواطنيها الذين انضموا إلى تنظيم «داعش» وبقوا في سوريا».

ولتوحيد هيكله التنظيمية بين مجموعة سوريا والعراق معًا بشكل أكثر ارتباطًا كما كان الحال؛ ستكون استراتيجية قرداش المُرجح اتباعها هي العمل على مزيد من انتشار عناصره في البادية السورية المترامية الممتدة من ريف حمص الشرقي حتى الحدود العراقية.

دفن المدنيين أحياء وحرق جثث بالفسفور.. تفاصيل القضاء على آخر جيب لـ«داعش»

المصادر

تحميل المزيد