يرفع صوته، ويُلوّح بيديه، ويُلقي قلمه بغضب، ويُهدد بالطرد والتحويل للجنة القيم، ويتحدث بعربية ركيكة مع كثير من الأخطاء النحوية، ويُوزّع الاتهامات، ويؤمن بالمؤامرة الكونية على النظام المصري، ومع ذلك كُله، يُحاول السيطرة على برلمان دون أغلبية حزبية، أو تكتّل سياسي مفهوم وواضح، إنه «على عبد العال»، رئيس مجلس الشعب المصري.

ومنذ البداية، أثار اختياره رئيسًا للبرلمان المصري العريق عاصفة من التساؤلات عن خبرة الرجل التي لم تمر على الإدارة والسياسة من قبل.

أصبح الأستاذ الجامعي بين ليلةٍ وضحاها على رأس السلطة التشريعية في مصر، بالرغم من كونه لم يكن معروفًا قبل ذلك الوقت، بالقدر الكافي، بين الأوساط السياسية والإعلامية في مصر، بالرغم من تواجده في عضوية العديد من اللجان القانونية المخصصة لدراسة الدستور، وبعض القوانين، عقب 30 يونيو (حزيران) 2013.

وُلد عبد العال في مدينة أسوان، في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948، وتخرج بكلية الحقوق، ثم حصل على دكتوراه الدولة في القانون بجامعة السوربون من باريس، في مارس (آذار) 1984، بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف.

شغل عبد العال عدة مناصب هامة من بينها وكيل النائب العام عام 1973، واستقال؛ ليُعيّن معيدًا بقسم القانون العام في كلية الحقوق جامعة عين شمس، كما عمل ملحقًا ثقافيًا لمصر في باريس من 1987 إلى 1991، ومستشارًا دستوريًا للديوان الأميري الكويتي.

وشارك عقب 30 يونيو (حزيران) 2013 في إعداد قوانين الانتخابات الثلاثة، وهي تنظيم مباشرة الحقوق السياسية ومجلس النواب وتقسيم الدوائر الانتخابية، كما كان عضو «لجنة العشرة» التي وضعت مبادئ دستور عام 2014، وانتدب للتدريس بكلية الشرطة، وكلية علوم الإدارات بالقوات المسلحة، وأصدر 19 مؤلفًا في شتى مجالات القانون.

الأكاديمي رئيسًا للبرلمان

أُعلن في 10 يناير (كانون الثاني) 2016، فوز على عبد العال برئاسة البرلمان المصري، مرشحًا عن ائتلاف دعم مصر، بأغلبية وصلت لنحو 401 من أصل 585 عضوًا شاركوا في التصويت، في المقابل حصل «كمال أحمد» على 36 صوتًا، فيما حصل «توفيق عكاشة» وقتها على 25 صوتًا.

ويمثل ائتلاف دعم مصر الأغلبية في البرلمان، ويتألف من جنرالات سابقين في الجيش والداخلية ورجال أعمال، وبعض المنتمين للحزب الوطني المُنحل، والعائلات الكبرى، وكان يقوده «سامح سيف إليزل»، الخبير الاستراتيجي الراحل، ويُقال إن أغلب أعضائه تم اختيارهم بإشرافٍ أمني.

ولم يكن يتوقع أحد رئاسة عبد العال للبرلمان، خاصة وأن معظم الاحتمالات قادت نحو اختيار الرئيس السابق، «عدلي منصور»، ومع إعلان رفض منصور التعيين، ذهبت الترجيحات نحو رئيس مجلس القضاء الأعلى سابقًا، «سري صيام»، لكن في النهاية وقع الاختيار على عبد العال.

ويُشار إلى أن تكرر المناوشات الكلامية والقانونية بين سري صيام، الذي تولى رئاسة اللجنة التشريعية، وبين عبد العال، وتعمد الأول إحراج عبد العال أكثر من مرة، دفع عبد العال إلى رفض إعطائه الكلمة عدة مرات. وكانت تعليقات صيام ضد عبد العال، متعلقة بالمصطلحات القانونية، والإجراءات التي يرى صيام، أنها خاطئة؛ ما دفع عبد العال إلى استبعاده من لجنة وضع لائحة المجلس الجديد؛ ليعلن صيام استقالته في فبراير (شباط) الماضي.

وشهد البرلمان المصري الحالى، في أقل من عام، اختفاء خمسة نواب؛ بسبب الموت أو الاستقالة أو الإقالة. البداية كانت مع سري صيام، مرورًا بتوفيق عكاشة الذي أُسقطت عضويته، ثم وفاة كل من سامح سيف إليزل، و«محمد مصطفي الخولي»، و«سيد فرّاج»، فيما اعتاد بعض النواب تقديم استقالتهم، ثم التراجع عنها، ومن بين هؤلاء النائب «كمال أحمد»، الذي تقدم باستقالته منذ أيّام، لكن المجلس لم يبت فيها بعد.

عبد العال يهدي السيسي درع «150 عامًا على البرلمان المصري» (مصدر الصورة: swxbt.com)

الولاء التام للسيسي

قبل أن يكمل الـ24 ساعة الأولى له في رئاسة المجلس، تلا عبد العال تلك الكلمات في البرلمان المصري «يا سيادة الرئيس (السيسي)، في ظل الظروف التاريخية التي يمر بها عالمنا العربي، وما يواجهه من تهديدات الإرهاب، يؤيد بصيرة وحكمة قائد تحرك لتوحيد الصف العربي؛ فسِر على بركة الله، قلوبنا معكم، ورعاية الله تحيطكم، وشعب مصر يؤيد خطاكم«.

وكانت تلك الكلمات جزء من برقية من البرلمان إلى الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، ألقاها عبد العال في مستهل انتخابه رئيسًا للبرلمان؛ ما وضع الرجل تحت طائلة انتقادات كثيرة، تشير إلى ولائه التام للسيسي، بالرغم من أن كلًا منهما على رأس سلطة منفصلة، ودور السلطة التشريعية، التي يترأسها عبد العال، رقابة كل عناصر السلطة التنفيذية، بما في ذلك الرئيس.

من جانبه، وجّه الصحافي المؤيد للنظام في مصر، «إبراهيم عيسى»، انتقادات لعبد العال، عاقدًا مقارنة بينه وبين رئيس البرلمان المصري في عهد الرئيس المخلوع «محمد حُسني مُبارك»، مُعتبرًا أن خطابات كليهما متشابهة، بالرغم من وقوع ثورتين، أو كما قال عيسى.

ويُقحم عبد العال، الرئيس المصري، في أي إنجاز تشريعي أو سياسية، حتى إنه كتب في افتتاحية العدد التذكاري من المنشور، المُعد من قبل البرلمان بمناسبة مرور 150 عامًا على الحياة النيابية في مصر «ولقد بدأت دورتنا بشعاع من نور أضاء طريق أمتنا، حيث وضع فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي دليل عملنا وإطار حركتنا، وبيّن لنا حقيقة الموقف على الصعيدين الداخلي والخارجي، وما يحيط بنا من مسالك وعرة وبالمنطقة من حولنا، ومجمل القضايا التي ينشغل بها الوطن كما تراها عين خبير«.

الإمكانات الشخصية

أبرز الانتقادات الموجهة لعبد العال، غياب الحنكة السياسية لديه في التعامل، وكذلك «الكاريزما» التي امتاز بها معظم رؤساء مجلس النواب المصري، مهما كان الاختلاف عليهم.

وإضافة إلى الأخطاء القانونية التي كان يتصيدها له سري صيام، وافتقاده للقدرة على السيطرة على المجلس، فثمة أيضًا مشكلة اُخرى تواجه رئيس البرلمان المصري، وهي ضبط اللغة العربية الفصحى، وقد رصد له لأكثر من مرة أخطاء لغوية ونحوية خلال خطاباته، منها على سبيل المثال 165 خطأ نحويًا في خطاب الاحتفال مناسبة مرور 150 عامًا على تأسيس البرلمان المصري، في 10 أكتوبر (تشرين الثاني) الماضي، بمعدل تسعة أخطاء في الدقيقة الواحدة، وبحضور 19 رئيس برلمان ومنظمة برلمانية دولية، إضافة لرصد أخطاء أخرى في جميع خطاباته تقريبًا.

والمتابع لأداء النواب في البرلمان المصري، يُدرك أنه يشهد حالة من عدم الانضباط العام، اعتبرها البعض تطورًا طبيعيًا لدخول عبد العال في معارك مع النواب، وطرد بعضهم، وتحويل آخرين للجنة القيم، بمجرد إبدائهم رأيهم، كما أنه أمر أكثر من مرة بحذف كلمات من المضبطة توجه فيها نواب بالنقد لوزراء.

وأثارت المشادة التي كانت بين عبد العال والنائب «أحمد طنطاوي»، حين حضر النائب للجلسة بقميص رياضي (تيشرت)، ورفض رئيس البرلمان القميص الذي كان يرتديه النائب، قائلًا «أرجو عدم الحضور بهذا الزي مرة اُخرى»، فرد النائب «هل هو ممنوع وفقًا للائحة، أم الهوى؟»؛ لينفعل عبد العال قائلًا «إحنا مش في ملعب كورة هنا».

ودفعت طريقة تعامل عبد العال، وضعف إمكاناته وقدراته الشخصية في إدارة البرلمان إعلاميين مُؤيدين للنظام المصري إلى انتقاده، مثلما فعل الإعلامي «محمد الدسوقي رشدي» واعتبر أنه يتعامل مع النواب بمنطق «ناظر المدرسة».

علي عبدالعال وفتحي سرور (مصدر الصورة: موقع برلماني)

وقال الباحث السياسي، «عمار علي حسن»، عن طريقة تعامل عبد العال بهذا الشكل: إن »افتقاد رئيس البرلمان للحنكة السياسية ، وراء الفشل في إدارة جلسات مجلس النواب؛ ما أدى إلى مشهد فوضوي، يتكرر في كل جلسة للبرلمان«.

ويرى علي حسن أن عدم قدرة عبد العال على السيطرة على نواب المجلس، تُعد «نتيجة طبيعية لافتقاره إلى مهارات الإدارة والخبرة السياسية اللازمة للسيطرة على نواب المصالح ممن يفتعلون معارك شخصية ليس لها علاقة بالمصلحة الوطنية»، على حد قوله.

ويُذكر لعبد العال حرصه على تطبيق نص الدستور المصري، في مادته 156، والتي تنص على وجوب عرض مجلس النواب ومناقشته للقوانين التي صدرت في قبل انتخاب البرلمان. وكان النظام المصري يخشى عدم قدرة البرلمان مناقشة تلك المواد خلال المدة المحددة، وإلا ستُلغى، لكنها نوقشت، ووفق عليها أيضًا.

معارك شبه يومية

يقول «رامي محسن»، مدير المركز الوطني للدراسات البرلمانية، في تصريحات صحفية: إن «حالة الفوضى المسيطرة على جلسات النواب سابقة لم تحدث في تاريخ البرلمان من قبل، مرجعًا إياها إلى أن قاعة البرلمان أصبحت طاردة، وتعمد رئيس المجلس توبيخ الأعضاء، ورفضه إعطاء الكلمة لعدد كبير منهم، والتعامل معهم كأنهم طلاب يجلسون أمام أستاذهم في مدرجات الجامعة«.

ومن أبرز المعارك التي قادها رئيس البرلمان، ما حدث مع توفيق عُكاشة، حين قرر رئيس البرلمان طرده من المجلس مرتين، الأولى لاعتراضه على الجلسة، والثانية بعد لقائه السفير الإسرائيلي، وعقب المرة الثانية، أُسقطت عضوية عكاشة من البرلمان.

وفي جلسة واحدة، في 20 يناير (كانون الثاني) الماضي، وقعت ثلاث حالات طرد، بدأت بطرد النائب أحمد طنطاوي عضو تكتل «25/30»، ثم النائب أحمد الشرقاوي الذي أعلن تضامنه مع طنطاوي، كما طرد عبد العال، خلال نفس اليوم، النائب «سعيد شبايك»، عضو مجلس النواب؛ لاعتراضه على قانون الثروة المعدنية.

وفي أبريل (نيسان) الماضي قرر عبد العال طرد النائب «سمير غطاس»، من قاعة الجلسة؛ بسبب محاولته الحديث للتعبير عن رأيه، وقرر المجلس إحالة غطاس إلى لجنة خاصة للتحقيق معه.

في يونيو (حزيران) الماضي، نشب خلاف حاد بين عبد العال، و«حسام الرفاعي»، عضو المجلس عن دائرة شمال سيناء، وهدد رئيس البرلمان النائب بالطرد، فرد عليه النائب »لست في بيتك«.

«المؤامرة الكونية» على مصر

وعلى ما يبدو، فإنّ رئيس البرلمان المصري، يظن طوال الوقت، أن ثمّة مؤامرة تحاك ضد مصر، فيلقي التهم طوال الوقت ضد أشخاص وجهات.

ففي مارس (أذار) الماضي، اتهم عبد العال بعض الموظفين في البرلمان بالانتماء للدولة العميقة؛ بسبب تعطّل أجهزة العرض الإلكتروني في البرلمان.

وفي 10 مايو (أيار) الماضي، وبدون سابق إنذار، اتهم عبد العال، نائب مدينة نجع حمّادي، «فتحي قنديل»، بالانتماء لتنظيم سري، قائلًا «أنا أعلم لأي تنظيم تنتمي، وممن تتلقى التعليمات وخطط التحرك»، والتزم النائب الصمت.

وفي مايو (أيار) الماضي أيضًا، قال عبد العال: إن بعض النواب يلتحقون بمراكز تُدرّبهم لانتقاد السياسة المالية للدولة، و«التجريح» في المؤسسة التشريعية. وفي نفس الشهر أيضًا، طالب عبد العال أعضاء المجلس بعدم الحديث عن السياسة النقدية، مُهددًا بإحالة من يتحدث عن السياسة النقدية للبلاد، وأزمة الدولار، إلى لجنة القيم؛ لأنه يرى أن ذلك «يضر بالاقتصاد القومي»!

وفي يوليو (تموز) الماضي، حدثت مشادة بين النائب محمد أنور السادات، وبين عبد العال، عندما تساءل السادات عن موقف رجال القوات المسلحة الذين يتولون مناصب مدنية عقب تخرجهم بعد المعاش، ثُم في نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، قال رئيس البرلمان «معظم المعارضين لقانون الجمعيات الأهلية متهمون في القضية المعروفة إعلاميًا بـ250 الخاصة بتلقي تمويلات مشبوهة لإسقاط النظام في مصر».

من جانبه يرى «وحيد عبد المجيد»، نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في مُؤسسة الأهرام، وذلك في تصريحات صحفية، أن « التصريحات المتكررة لعبد العال حول وجود مؤامرة وقوى شريرة هو جزء من خطاب الدولة الرسمي مؤخرًا، وأن أغلب المؤسسات تتحدث بهذه النبرة، وتتوالى تحذيراتها من أجندات تحرك أطرافًا للإضرار بالبلاد، بشكل يشوبه الغموض».

يُؤمن عبد العال بوجود مؤامرة تُحاك ضد مصر

الإعلام وعبدالعال

يبدو للوهلة الأولى كُره عبد العال للإعلام، بالرغم من سيطرة النظام الحالي بشكل كبير على قنوات الإعلام والصحافة في مصر، مع ذلك بدأ عبد العال رئاسة البرلمان بإصدار قرار بوقف البث المُباشر لجلسات البرلمان المصري.

وفي مارس (أذار) الماضي هاجم عبد العال صحفيتي «المصري اليوم» و«الشروق»؛ لنشرهما صورًا ومقاطع فيديو، لتصويت النواب بالوكالة، من خلال استخدام الكروت الممغنطة الخاصة ببعضهم، قائلًا «هناك جريدتان مغرضتان، لا تصدقوهما، نشرتا سابقًا ما تم وصفه بالتصويت بالوكالة، فتلك الجرائد المغرضة المعروفة بالاسم ندرك مقاصدها».

وفي أغسطس (آب) من العام الجاري، منع المصورين الصحافيين من دخول قاعة المجلس، واقتصر الأمر على مصوري الأمانة العامة للمجلس، وذلك عقب التقاط مصور في جريدة «اليوم السابع»، صورة يظهر فيها عبد العال وهو يلقي بقبلة للنواب.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أصدر عبد العال، قرارًا بمنع محررة جريدة «اليوم الجديد»، «رنا ممدوح»، من دخول المجلس؛ لأنها انتقدته؛ ما دفع عددًا من الإعلاميين للتضامن معها، والضغط على رئيس المجلس لإلغاء قرار المنع.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد