خالف الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون أغلب التوقعات التي رجحت اتباع الرجل سياسة خارجية مماثلة لسلفه في تجنب المناورة، والتبعية الجزائرية دومًا لمواقف الدول الكبرى، والالتزام بالحد الأدني من تسيير الأمور بشكل تقليدي. فشلت هذه التوقعات مع بدء تبون اتباع سياسة خارجية فاعلة في القضايا الكُبرى، دون ضجيج، ملتزمًا بسياسة كسب حلفاء جدد، وحريصًا أن يكون لبلاده نفوذ فاعل، ورقم مؤثر في تسوية الأزمات الخارجية، مودعًا سنوات من الركود الدبلوماسي.

الرجل البالغ من العمر أربعة وسبعين عامًا، الذي حاول النأي بنفسه عن دائرة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بالرغم من أنه كان من بين وزرائه البارزين لسنوات عديدة، رسم سياسة خارجية أكثر فاعلية عما كان عليه الحال في السابق، محاولًا كسب حلفاء جدد. في التقرير التالي، نتتبع عقل رئيس الجزائر في كُبرى القضايا التي جعلت من بلاده مؤثرًا ورقمًا هامًا، وما هي خطوط السياسة الجديدة التي يحاول رسم أطرها، وانعكسات هذه السياسة على مستقبل بلاده.

تبون ليس كسلفه.. يبحث عن المبادرة والمغامرة

منذ الإعلان الرسمي عن فوز عبدالمجيد تبون في الانتخابات الرئاسية الجزائرية من خمسة شهور، والجميع في الداخل والخارج يرقب سياسة الرجل المستقبلية نحو الكثير من القضايا التي كانت مُعطلة وراكدة عن أولويات السياسة الخارجية الجزائية، وسط توقعات في الخارج تُرجح استمرار نفس هذا المنوال. وبعد شهور من تنصيب تبون الذي حصل على أكثر من 58% بالمئة من إجمالي أصوات الناخبين، كشفت تحولات كُبرى في عقل الرجل السبعيني تجاه سياسات بلاده الخارجية، تناقض ما كانت عليه الأوضاع في عهد بوتفليقة.

انكشف الخلاف في الرؤى من جانب تبون مع سلفه مُبكرًا، حين شغل مناصب وزارية أبرزها منصب رئيس الحكومة خلال نحو سبع سنوات من حُكم بوتفليقة، انعكس التوتر في «خلافات مستمرة بين رؤية رئيس الوزراء مع رؤية الرئيس» ووجود مشاكل في التواصل بين الرجلين.

كان أبرز مظاهر هذا الخلاف في سلسلة القرارات التي أصدرها خلال شغله منصب رئيس الوزراء بمنع استيراد العديد من المنتجات من الخارج من قبل رجال أعمال مقربين من بوتفليقة وشقيقه سعيد، والتي كانت وراء إنهاء مسيرته سريعًا. وأعلن تبون في مؤتمر صحفي بعد إعلان ترشحه: «تعرضت للعقاب حتى أنهم نزعوا صوري من قصر الحكومة» حيث توجد صور كل رؤساء الحكومة منذ استقلال البلاد في 1962.

وقد حاول تبون في أيام حُكمه الأولى نفي أي ارتباط بينه وبين بوتفليقة عبر عدة محاور أبرزها طلبه نزع لقب «الفخامة» عنه، كما كان يُكنّى أسلافه، وإطلاق خطط لسياسات داخلية وخارجية تتقاطع مع مطالب المحتجين لكسب شعبية بين صفوف المحتجين، والتي كان أبرزها صدور سلسلة قرار بسجن كبار قادة النظام السابق، وتحولات في عدد من الملفات الإقليمية دون ضجيج.

وإمعانًا في نفي صلته بالنظام السابق، تعهد في صُلب أولوياته بـ«أخلقة الحياة السياسية» وتكريس مبدأ «الفصل بين المال والسياسة». كما تعهّد بالاستمرار بمكافحة الفساد كما فعل حين تبوأ منصب رئيس الوزراء لفترة وجيزة في العام 2017، ووضع آليات من شأنها تفادي حصول أي تضارب للمصالح في القطاع العام.

توديع الركود الدبلوماسي.. دون ضجيج

قبل صعود تبون لمنصب رئيس للجزائر، كان بوتفليقة مُتبعًا لسياسة الركود الدبلوماسي تجاه القضايا العديد من القضايا الخارجية، غير عابئ كثيرًا بأن يكون لبلاده دور مؤثر، محولًا كافة قدراته تجاه الداخل.

غير أن تسلم الرجل السبعيني مقاليد الحكم، دفع بكثير من التغييرات في رؤى بلاده في عدد من النزاعات السياسية، ويُشكل حجر عثرة لكثير من الدول التي حاولت تجاوزت الدور الجزائري في أوقات سابقة. في الفقرات التالية نستعرض أبرز القضايا التي شهدت تحركًا فاعلًا وملموسًا من جانب الجزائر.

الملف الليبي.. لا تسوية دون موافقة جزائرية

صعود تبون عزّز الدور الذي تلعبه بلاده في المساعدة على إيجاد حلّ للنزاع الليبي، عبر استقبال رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج، باعتباره أول مسؤول يلتقيه بعد استلامه مقاليد السلطة، ووزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، والمشاركة لاحقًا في مؤتمر برلين حول ليبيا في 17 يناير (كانون الثاني)، بعد تلقيه دعوة رسمية من المستشارة الألمانية أنيجلا ميركل. كما اقترح تبون وخلال المؤتمر، بأن الجزائر على استعداد لاستضافة محادثات بين «الإخوة الليبيين».

منطقة الشرق

منذ 5 شهور
3 قضايا كُبرى تنتظره.. هل سيتغير شيء خلال ولاية رئيس الجزائر الجديد؟

كانت الإشارة الأهم على بداية تشكل موقف جزائري جديد وحاسم، ما صدر عن وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية حين ذكرت بوضوح أن «تعثر مسار التسوية في ليبيا سنة 2019 بفعل العدوان العسكري الذي تشنه المجموعات المسلحة بقيادة الضابط المتقاعد، خليفة حفتر، منذ شهر أبريل (نيسان) على العاصمة طرابلس مما وجه ضربة موجعة لكل المساعي الوطنية والدولية لإخراج البلاد من الأزمة التي تعصف بها منذ 2011».

تتابعت بعد ذلك اللقاءات مع طرفي الأزمة، وتسابق وزراء خارجية دول مؤثرة في الداخل الليبي على زيارة الجزائر، والالتقاء بتبون أو مسؤوليه بحثًا عن تنسيق معهم، لتصبح الجزائر محطة مهمة ونافذة على الشأن الليبي، ورقمًا يصعب القفز عليه لتمرير مبادرة لتسوية النزاع.

علامة أخرى على أهمية الدور الجزائري الجديد في ليبيا كونها البلد العربي الوحيد الذي طلبت منه حكومة الوفاق الليبية تفعيل اتفاقيات التعاون الأمني إلى جانب كل من تركيا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإيطاليا. وقد أدى بروز هذا الدور الجزائري في الأزمة الليبية، لتذمر دول من هذا النفوذ الكبير الذي اكتسبه تبون لبلاده في الأزمة الأهم في الشرق الأوسط حاليًا. الإقرار الجزائري الرسمي بهذا التذمر انكشف في تصريح لتبون خلال مقابلة تلفزيونية له قبل أيام، أكد خلالها «أن بلاده كادت أن تطلق مسارًا لحل الأزمة الليبية، لكن جهات لم يسمّها عطلت هذا الحل لـ(حسابات سياسية)».

وأردف «لن يكون هناك أي مسعى في ليبيا دون مشاركة الجزائر. هذا الأمر أبلغته لعدة مسؤولين ومبعوثين من مختلف الدول ونحن لدينا تصورا للحل، ونعتمد على الشرعية الشعبية هناك، وليست لدينا أطماع سياسية».

تونس.. تحول لافت نحو تحالف سياسي

البعد الثاني من جانب رؤية تبون لسياسة بلاده الخارجية هو تعزيز تحالفه مع تونس، والذي ظهرت في مؤشرات عدة منذ تسلم الرئيس الجزائري مقاليد السلطة. كان أبرزها في تبادل الدولتين بعد وصول عبد المجيد تبون إلى رئاسة الجزائر، زيارات رسمية كثيرة رفيعة المستوى، من بينها زيارة الرئيس التونسي للجزائر في أول زيارة رسمية له للخارج في الأول من فبراير (شباط) 2020.

كما أعلنت الجزائر خلال هذه الزيارة عن وضع وديعة قيمتها 150 مليون دولار لدى البنك المركزي التونسي لمساعدة تونس على مواجهة الصعوبات الاقتصادية الحالية وتقديمها تسهيلات لسداد المستحقات المتأخرة للغاز والمحروقات الجزائرية. وانعكس هذا التقارب السياسي على توحيد الرؤي في كثير من القضايا الخارجية، وعلى نجاح الجزائر في كسب مواقف تونس، وسد الهوة التي كانت موجودة خلال فترة ولاية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

وبحسب تحليل منشور في المعهد المغربي لتحليل السياسات، فقد «كانت تونس في ظل حكم كل من الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي أقرب سياسيًّا إلى المغرب منها إلى الجزائر لاعتبارات تاريخية. فهل ستتغير المعادلة في ظل حاجة تونس للدعم المالي والاقتصادي والعسكري الجزائري خلال السنوات القادمة وفي ظل ولاية الرئيسين الجديدين في كلا البلدين».

المغرب.. على نهج الأسلاف

القضية الثالثة التي أخذت أولوية في سياسة تبون الخارجية هي علاقة بلاده مع المغرب، ويبدو أن الرئيس الجزائري الجديد على نهج أسلافه من حيث التشدد في هذه القضية. ظهر ذلك بعدما طالب تبون في جلسة نقاشية في منتدى جريدة «الحوار»، من السلطات المغربية تقديم اعتذار للجزائر قبل أي شيء آخر، قائلًا إن «المغرب ارتكب خطأ كبيرًا عندما قرر بمفرده فرض تأشيرات على الجزائريين في أعقاب الهجوم الذي ارتكب بمدينة مراكش سنة 1994».

وفي هذا الصدد، يستبعد محمد حمودة، الصحافي المغربي في جريدة «أخبار اليوم» المغربية تجاوبًا من جانب الرئيس تبون تجاه دعوات الملك المغربي، في ضوء مواقف الرئيس الجزائري الجديدة المتشددة من المغرب في أوقات سابقة، كان أبرزها حين طالب المغرب بالاعتذار بعدما فرضت المغرب التأشيرة سنة 1994 على الجزائريين، وهذا طلب لا يمكن للنظام المغربي أن يقبله.

سياسة

منذ سنتين
«أردوغان الجزائر».. هل سيكون عبد المجيد تبون رجل المرحلة بعد بوتفليقة؟

غير أن التحول الأبرز في سياسة الجزائر نحو المغرب ليس الجمود الدبلوماسي كما كان الحال في عهد الرؤساء الجزائرين السابقين، بل مزاحمة المغرب في كثير من القضايا الخارجية، والتنافس معها فيها، كما هو شأن سياستها الخارجية في منطقة الساحل والصحراء.

العلاقة مع مصر.. البحث عن دورٍ قيادي في العالم العربي

التحركات الجزائرية في أبرز قضايا العالم العربي باعتبارها وسيلة لأن تكون الجزائر فاعلًا أساسيًّا أو صاحب مبادرة، لا لمسايرة استراتيجيات دول أخرى، أثار الكثير من القلق في دول أخرى، ربما لم تعتد هذه التطلعات الجزائرية، بالأخص مع وجود ملفات تتقاطع فيها المصالح.

كان أبرز نتائج هذا التفاعل الجزائري خارجيًّا نشوء خلاف صامت مع مصر، تجلت مظاهره في رفض الجزائر على نحو غير معلن دعوات زيارة وجهت إليه رسميًا وشفهيًا أكثر من مرة، قبل أزمة كورونا. ويُشير تقرير نشرته صحيفة الأخبار اللبنانية إلى أن الخلاف مع مصر يرتبط بقضية أكبر وهي رفض تبون الدور المصري المنفرد في عدد من الملفات في الشأن العربي عامةً والليبي خاصةً، ولا سيما خلال المدة التي شهدت خلوّ منصب الرئاسة في بلاده.

ويوضح المصدر كذلك أن أبرز النقاط الخلافية تتضمن تحفظ الرئيس الجزائري، ويضع اشتراطات تسبّبت في إعاقة أي مفاوضات مشتركة، فضلاً عن تحفظات مرتبطة ببعض القرارات التي اتخذت ولم تكن الجزائر شريكة فيها خلال المرحلة الانتقالية في الجزائر.

وكان أحد التسريبات من الجانب المصري التي كشفت عن حقيقة الخلاف بين البلدين، هو ما نشره خالد عكاشة، الباحث الأمني، والمُقرب من السلطات المصرية الرسمية، يقول فيها إن الجزائر أرسلت، في 21 ديسمبر (كانون الثاني) الماضي، أي بعد ثلاثة أيام على تنصيب تبون رئيسًا لبلاده، طائرة عسكرية (B7 47) إلى مدينة مصراتة، متمنيًا ألا: «يكون ما حملته الطائرة حقيقيًٌا. وأن يكون هناك خلط ما قد جرى، في تسجيل خط الرحلة المسجل على شاشات الملاحة. مسجلًا الإقلاع من الجزائر العاصمة، وصولًا إلى مطار مصراتة الليبية».

وقد عمق من هذه الخلافات توسع طموحات تبون إلى قضايا كانت محل شبه إجماع عربي سابق كرئاسة الجامعة العربية، والمقر الرئيسي لها، إذ يرى تبون أن «تقديم إصلاحات على هيكل الجامعة العربية خلال القمة المرتقبة، وفي مقدمتها تدوير منصب الأمين العام للجامعة ليكون متداولًا بين جميع الدول وليس مصريًّا فقط، فضلاً عن خطوات أخرى تحظى بدعم عدد من الدول الأعضاء» أمرًا ضروريًا. فالرئيس الجزائري أصبح ناقلاً لرسالة ذات مضمون واحد وكاشف هو الاشتراط على دور جزائري في جميع الاجتماعات واللقاءات التي تعقد في مختلف الملفات العربية والإقليمية، وهو ما شكّل صدمة لعدد من العواصم العربية من أبرزها ربما القاهرة.

المصادر

تحميل المزيد