أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة، منذ ساعات قليلة، تأجيل الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 أبريل (نيسان)، وعدم ترشحه لعهدة خامسة، وذلك عقب عودته ظهر الأمس من جنيف بعد رحلة علاج في المستشفى الجامعي السويسري امتدت 15 يومًا.

شكلت وقائع مُشتركة، منها تطورات على مستوى اتساع رقعة الاحتجاجات في الشارع، بالتزامن مع تحركات سياسية مؤثرة من فواعل سياسية هامة، عوامل ضغط مؤثرة أدت لتحقق مطلب الجزائرين بعدم ترشح بوتفليقة لولاية خامس، وسط استمرار التساؤلات عما هو قادم على المستوى السياسي.

مُرشحون ينسحبون وقضاة يرفضون وشعب يتظاهر

تطور سير الأحداث داخل الجزائر، عقب عودة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة قادمًا من جينيف عقب رحلة علاجية استمرت أسبوعين متزامنًا ذلك مع اتساع رقع الاحتجاج من جانب آلاف المواطنين ضد ترشحه، وتمسك المتظاهرين بطلبهم بعدم ترشح بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية المُقرر لها الانعقاد يوم 18 أبريل (نيسان).

وصلت هذه التطورات لأوجها، اليوم بعدما انضم أكثر من ألف قاض إلى احتجاجات المحامين ضد ما وصفوه بالاعتداء على الدستور، مؤكدين في بيان صادر عنهم «أنهم سيرفضون الإشراف على الانتخابات الرئاسية في البلاد المقررة الشهر المقبل إذا شارك فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة».

وقد شكل الموقف السابق أول تصعيد رسمي مُباشر من داخل الكيانات المُممثلة للسلطة ضد رمزها، ليُشجع ذلك جهات نقابية كاتحاد العمال الجزائري، أكبر اتحاد عُمالي بالبلاد، على إصدار بيان يقول فيه، إن التغيير ضروري لكن يجب أن يكون سلميًا في الدولة التي تشهد تظاهر عشرات الآلاف من الأشخاص ضد الرئيس بوتفليقة.

وأضاف الاتحاد في بيان «من الواضح أن الاتحاد العام للعمال الجزائريين يعتبر الحاجة إلى التغيير ضرورية، لكن يجب أن يكون ذلك من خلال الحكمة والحوار». وقد فتح الباب أمام جُل هذه الكيانات المحسوبة على السلطة تصريح رئيس أركان الجيش الجزائري، أمس، والتي نقلها التلفزيون الرسمي عن الفريق قايد صالح قوله إن «الجيش الجزائري والشعب لديهما رؤية موحدة للمستقبل»، ولم يشر للاحتجاجات، وهو التصريح الذي تم تفسيره بتجاوب المؤسسة العسكرية مع مطالب المحتجين.

في اليوم نفسه وبعد أقل من ثلاث ساعات من صدور بيان القضاة انسحب رئيس «حزب عهد 54»، علي فوزي رباعين، الاثنين من السباق الانتخابي قبل يومين من الفصل النهائي في قائمة المرشحين للانتخابات الرئاسية من قبل المجلس الدستوري.

وبقى أن نُشير إلى أن الإضراب العام الذي عم كافة نواحي الجزائر منذ يومين، كان العامل الأهم والأكثر فاعلية، خصوصًا بعدما اكتسب زخمًا شعبيًا، وتحول بفضل تجاوب الفئات العاملة بما فيها القطاعات الحكومية، لآشبه بإجازة رسمية.

أمام كُل هذه التطورات في الشارع، والانشقاقات داخل حُكم بوتفليقة، التي تعددت مؤشراتها كما ذكرنا سالفًا، خرجت رسالة عن الرئيس الجزائري، 82 عامًا، يعلن فيها تنازله عن الترشح للانتخابات الرئاسية، وتأجيلها، والبدء في سلسلة إجراءات لتهدئة غضب المتظاهرين، من بينها إقالة رئيس الحكومة الجزائرية أحمد أويحيى، وحل الهيئة العليا المُستقلة لمراقبة الانتخابات، والبدء في جلسات حوار وطني لمناقشة قضايا وإصلاحات عميقة بمُشاركة مُمثلين للمجتمع الجزائري.

وأتى مضمون الرسالة مشتملًا على بعض المُفردات التي غازلت مشاعر عموم المتظاهرين، عبر الإشارة لحالته الصحية، قائلًا: «حالتي الصحية وعمري لا يسمحان لي إلا بأداء واجبي الأخير تجاه الشعب»، مشيرًا إلى أنه «لم يكن لدي نية قط للترشح للانتخابات الرئاسية ». وأوضح: «أتفهم الرسالة التي جاء بها الشباب الجزائري »، مضيفًا: «سأعرض مشروع الدستور الذي تعده الندوة الوطنية للاستفتاء الشعبي. تنظيم الانتخابات الرئاسية سيجري بعد حوار وطني شامل».

بعد عدم الترشح: هل يعود الجزائريون إلى منازلهم؟

الأخبار الواردة من الجزائر، عقب رسالة بوتفليقة، والمنشورة على المواقع العربية كافة، تُشير إلى قبولهم بالأمر، وشعور بنشوة الانتصار بتحقق مطلبهم بعدم ترشح بوتفليقة؛ والذي كان مؤشرها الأهم هو الاحتفالات التي عمت شوارع الجزائر بعد قرار بوتفليقة عدم ترشحه لفترة رئاسية جديدة.

لكن يسيطر شعور آخر بالقلق من مناورة مُحتملة لبوتفليقة، أو الالتفاف على مطالب الشعب الجزائري، وهو ما عبر عنه السياسي المُخضرم، والناشط الحقوقي مصطفي بوشاشي، في رسالة تلفزيونية صادرة عنه، أكد فيها أن القرارات الصادرة اليوم هي انتصار جزئي للحراك الشعبي الذي عرفته الجزائر منذ أسبوعين؛ لكن مطلب الجزائرين لا يتمثل فقط في تأجيل الانتخابات، الشعب كان يتحدث عن مرحلة انتقالية بحكومة توافق وطني، ولا نريد أن يتم الالتفاف حول رغبة الشعب الجزائري في الذهاب لانتخابات حقيقية، وديمقراطية صحيحة، المرحلة الانتقالية يجب أن تكون تحت إشراف حكومة تكون نتيجة مشاورات واسعة، لديها مصداقية في الشارع الجزائري.

وقد ظهر رئيس أركان الجيش الجزائري، والرجل القوي داخل المؤسسة العسكرية، أحمد قايد صالح، في صورة بثها التلفزيون الرسمي، عقب رسالة بوتفليقة، إلى جوار الأخير، وهو مؤشر رأها البعض دعمًا لتراجع بوتفليقة، وقبوله بالواقع.

يبدو أن الموقف العام من واقع متابعة ردود فعل الساسة الجزائرين على رسالة بوتفليقة، هو الانتظار للنظر في خلفيات المُرشحين داخل الحكومة، وما إذا كانت هذه الشخصيات عليها إجماع وطني أم لا؛ والذي سيكون مُحددًا رئيسًا للشعب الجزائري للعودة إلى التظاهر من جديد، أو الاكتفاء عند هذا الحد.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد