«سنقاتل إلى النهاية، وسيقاتل أبناؤنا وأصدقاؤنا من بعدنا. فنحن مصممون على القتال. نحن لا نرغب سوى أنّ نعيش في سلام، غير أنّ الدول الكبرى تريد غير ذلك». عبد القادر الحسيني. 

كانت سنوات الحروب العالمية، وتغير الخارطة والجغرافيا، سنوات خطّت فيها الدول الاستعمارية حدود الدول الأخرى على الورق، ووزعت الأراضي في غرف مغلقة بعيدًا عن مسامع وأبصار أصحابها. كانت بداية القرن العشرين هي ولادة الشرق الأوسط الحديث، عهد «سلام ما بعده سلام» كما وصفه المؤرخ الأمريكي ديفيد فرومكين في كتابه الشهير.

كانت فلسطين محطة الصراع الكبرى، وأطماع الدول العظمى، فقد طبقت الإمبراطورية البريطانية نظامها الانتدابيّ الذي بدأ في فلسطين عام 1920، ولم ينته حتى كان ممهدًا لدخول كيان عنصريّ، اقتلع مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم بغير حقَّ، وبدأ بحلمه؛ دولة تمتد من البحر إلى النهار.

لم يخضع الأهالي لهذا المحتل المزدوج، وجاهدوا بكلِّ ما في وسعهم لوقف امتداده، وقد أفرزت هذه الحقبة تيارات جهادية وسياسية متنوعة في الساحة الفلسطينية، وأخرجت إلى النور رموزًا قادوا نضال الشعب. وكما كان للجزائر قائدها الشيخ عبد القادر، كان لفلسطين أيضًا، إذ لا تذكر هذه الحقبة حتى يُذكر اسم المجاهد المقدسي اللامع، عبد القادر الحسيني، قائد جيش الجهاد المقدس، الذي قتل في معركة القسطل، وبهذا أضاء نجمةً جديدة في سماء أبطال القضية الفلسطينية.

يحكي هذا التقرير قصة البطل عبد القادر الحسيني، منذ نشأته وحتى استشهاده، مارًا بأهم المحطات في حياته وبطولاته، وشارحًا السياق الفلسطيني الذي عاش وتفاعل فيه.

عبد القادر الحسيني – مصدر الصورة: ويكيبيديا

الشارع الفلسطيني يغلي.. نشأة عبد القادر المحرض على الثورة

كثيرٌ من أبناء الجيل القديم لا يعرف سنة ميلاده بالضبط، وذلك لأسباب عدة منها تأخير الأهالي تسجيل أولادهم بسبب بُعد المدينة، أو بسبب الهروب من الضرائب، ومهما يكن السبب فلم يكن عبد القادر الحسيني استثناءً، فقد اختلفت الأقوال في سنة ميلاده، وتتراوح الأقوال بأنّ سنة ميلاده كانت ما بين عام 1907 إلى 1910، واختلف البعض في مكان ميلاده فمنهم من قال ولد في القدس وآخرون قالوا في إسطنبول.

ولكنّ ما هو معلوم هو نشأة الفتى عبد القادر في مدينة القدس، ودراسته الابتدائية في المدرسة الرشيدية التي تقع مقابل باب الساهرة في المسجد الأقصى. والد عبد القادر هو موسى كاظم باشا الحسيني، رئيس بلدية القدس، وموظف الدولة العثمانية، وقد أخذ لقب الباشا من الدولة بسبب منصبه ومكانته، فقد كان عميدًا لعائلة الحسيني، وفي هذه العائلة العريقة والنافذة نشأ عبد القادر، ويُقال إنّ نسبها يصل إلى الحسين حفيد الرسول.

ترأس الباشا موسى الحسيني بلدية القدس في فترات تاريخية انتقالية في غاية الحساسية، فخلال فترة ترأسه أعلنت بريطانيا عن «وعد بلفور» الذي يدعم تأسيس وطن قومي يهودي في فلسطين، ومع سقوط الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى، وبداية نظام الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1920؛ بدأ الفلسطينيون يشعرون بأن بلادهم تسلم للصهاينة شيئًا فشيئًا، وعلى أثر هذا نشطت الساحة الفلسطينية، وبدأت بالتحرك ضد هذا التوجه.

وقد عاش عبد القادر في منزل الباشا الذي يتوجه إليه المثقفون والقادة لنقاش المستجدات على الساحة، وكان قد دخل الاحتلال البريطاني في فلسطين وعمره تسعة أعوام، وقد أدرك بفطرته أهمية السلاح في معادلة المقاومة؛ ليشتري مسدسًا من مصروفه عندما بلغ عمره 12 عامًا.

في تلك السنوات كان والد عبد القادر، الباشا موسى قد بدأ معارضته لوعد بلفور وسياسات الانتداب، مع اتخاذِ نهجٍ برجماتي ودقيق لموازين القوى، وكان يحاول استغلال علاقاته مع حكومة الانتداب للضغط عليها بعدم تقديم تسهيلاتٍ لليهود للعيش في فلسطين، وقد شارك ونظم الباشا موسى الحسيني مؤتمرات وجمعيات مناهضة للسياسات البريطانية آنذاك، وقاد وفدًا إلى لندن عام 1921 للاجتماع مع السلطات البريطانية وإقناعهم بالتخلي عن وعد بلفور، وبعد عدة محاولات من هذا النوع، بات واضحًا للباشا أنّ وجود الاستعمار البريطاني يعني بالضرورة قيام دولة قومية يهودية.

وقد عُرف برسالة أرسلها إلى اللجنة التنفيذية العربية في القدس قائلًا: «إنّ القضية العربية في فلسطين لن تحل حلًا عادلًا من قبل الحكومة الإنجليزية التي يؤثر عليها الصهيونيون»، وفي نهاية العشرينات من القرن الماضي، التحق عبد القادر بالجامعة الأمريكية في القاهرة لرغبته في عيش تجربة الحركة الوطنية الطلابية المصرية عن قرب، الحركة التي بلغت أوج شدتها ونشاطها، وقد كانت الجامعات تجمعًا أساسيًا يمارس فيه الطلاب نشاطهم السياسي، وفي هذا السياق نشط عبد القادر ليؤسس رابطة لنصرة فلسطين.

لم يطق الشاب عبد القادر الروح الاستعمارية والتبشيرية التي رآها في الجامعة الأمريكية، ولأنّه ثوريّ لا يهمه أحد سوى مبادئه وقيمه، أراد أنّ يُعلّم الجامعة درسًا لا تنساه أبدًا؛ ففي حفل التخرج وبحضور شخصيات بارزة، نودي عبد القادر لاستلام شهادته، وبعد استلامها مزقها وصرخ وكله حماس وغضب: «إني لست في حاجة إلى شهادة من معهدكم الذي هو معهد استعماري وتبشيري فأنا الذي حققتها، وليست هي من حققتني».

صعق الشاب إدارة الجامعة، وأشعل الحماسة في الجماهير، فقامت القاعة بالتصفيق الحار للشاب الفلسطيني، وغطى الإعلام هذا الحدث الاستثنائي، وقيل عنه: «شابٌ فلسطيني في مصر ينسف الجامعة في وجهها»، وأدى ذلك إلى حرمانه وطرده من مصر، أثناء حكومة إسماعيل صدقي باشا.

عاد عبد القادر الحسيني إلى بلاده مرفوع الرأس، والكلُّ ينادي باسمه وبموقفه الشجاع، عاد وكلُّه يقين بأهمية مقاومة المحتل بشتى الوسائل، وقد عمل صحافيًا في مجلة الجامعة الإسلامية وجريدة اللواء التابعة للحزب العربي، وقد حاولت بريطانيا استمالة الشاب وابتلاعه ضمن نظامها، فعرضت عليّه منصبًا هامًا في دائرة تسوية الأراضي، وقبل به عبد القادر الحسيني وحاول عن طريق منصبه منع تملك اليهود أراضي فلسطينية.

لم تجد مبادرات والده الباشا موسى السياسية نفعًا في تلك الفترة، وقد ساد نهج غاندي في المقاومة المدنية العالم في تلك الفترة، وقد حاول الباشا برئاسته اللجنة التنفيذية العربية انتهاج هذا المسلك ضد بريطانيا، فنظمت اللجنة احتجاجات سلميّة رافضة للسياسات المسهلة لهجرة اليهود وبناء المستوطنات، وقام بترتيب إضرابات، وتنسيق مظاهرات على مستوى فلسطين، حيث كانت الحشود تزحف من كل مكان للتجمع في المظاهرة المخطط لها، وكان وجهاء البلاد ورؤساء اللجنة التنفيذية يسيرون في مقدمتها.

وقد شهدت الساحة الفلسطينية في الثلاثينيات تنوعًا فكريًا كبيرًا، فمع قيام نظام الانتداب البريطاني، كان قد وصل أهم رموز المقاومة المسلحة، عز الدين القسام، الذي حمّل أمتعته مهاجرًا من بلدته جبلة الواقعة على ساحل اللاذقية في سوريا بعدما طارده الاستعمار الفرنسي، إلى ثغرة الجهاد الثانية فلسطين، وتحديدًا في حيفا المدينة الساحلية الواقعة شمال شرق البلاد، حيث كان خطيبًا يحث ويعظ الناس، ويؤسس فكرًا مقاومًا أصيلًا.

أضف إلى ذلك تياراتٍ وتوجهات مثل الحزب العربي الفلسطيني أو ما يسمى آنذاك بتجمع «المجلسيين» الذي قاده شخصيات، مثل أمين الحسيني، وإميل الغوري، الذين كانوا يحاولون التوفيق بين النهج السياسي والنضالي المدني آنذاك، وتجمع النشاشيبي أو حزب الدفاع، وهو تجمعٌ صغير كانت سمته العامة التساهل مع بريطانيا والابتعاد عن استخدام العنف، وغيرها من التيارات السياسية والفكرية.

بدأت التوترات تصل إلى أقصاها في الساحة الفلسطينية بغضون عام 1930، فقد كانت الساحة قد خرجت للتو من ثورة البراق 1929، التي سميت على اسم حائط البراق غرب المسجد الأقصى، والذي يسمونه اليهود من خارج المسجد حائط المبكى، وقد نظم الصهاينة مسيرة حاشدة تصيح وتنادي بأنّ «الحائط لنا»، وقد هبَّ الفلسطينيون للدفاع عن مقدساتهم ومسجدهم، واندلعت مواجهات عنيفة بين الطرفين، أدت إلى مقتل 133 صهيونيًا، واستشهاد 116 فلسطينيًا، وجرى على أثرها اعتقال بريطانيا مئات الفلسطينيين، وإصدار أحكام بالإعدام على بعضهم.

زاد ضغط الشارع على الباشا موسى الحسيني لقيادة حراكٍ واسع يوقف هذه الانتهاكات، وقد ظلَّ والد عبد القادر صامدًا أمام الضغط البريطاني من جهة أخرى، ولم يتخل عن حقوق الفلسطينيين، وكان عبد القادر الحسيني أكثر الناس الذين كانوا يضغطوا على والده للتحرك وفعل شيءٍ ما لإيقاف هذه الانتهاكات. وفي عام 1933، اندلعت مظاهرات في كل فلسطين، بدأت الأولى في القدس، وانتقلت إلى يافا في 27 أكتوبر (تشرين الأول) 1933، وقبل مظاهرة يافا كان عبد القادر الحسيني يحثّ ويضغط على والده للخروج على الرغم من كبر سنه فقال له:

«فلسطين كلها تنتظرك، وأبناؤها يريدونك قائدًا للمسيرة فلا تخذلهم، لا عذر لك اليوم يا والدي فالوطن يناديك، يا والدي لقد بلغت من العمر ما يشتهيه الكثيرون، فاختم هذا العمر الطويل الجليل بقيادة أمتك في ثورتها ضد الظلم، واخرج على قوانين الاستعمار، ويا والدي: إن لم يمت مثلك في سبيل وطنه فمن ذا الذي يموت».

خرج الباشا موسى في المظاهرتين، وأصيب فيهما، وقد توفى بعد إصابته في مظاهرة يافا الكبرى، كما أصيب عبد القادر الحسيني، فقد قوبلت بقمع وعنف شديد من الشرطة البريطانية، وقبل وفاة الباشا موسى ترك وصيته لابنه عبد القادر: «يا بني، فلسطين أمانة في عنقك»، وتيقن عبد القادر حينها بأنّ البارودة سبيل الخلاص.

سقوط الباشا موسى كاظم في مظاهرة يافا – مصدرة الصورة: ويكيبيديا 

مع هذا القمع، واستمرار الهجرة اليهودية، والاكتشافات المتكررة عن خطوط إمداد سلاح لليهود، بات جليًا أهمية التصدي لما يحصل، وقد اضطر عز الدين القسام في حيفا للتحرك بتنظيمه السري قليل العدد لمقاومة مسلحة ضد البريطانيين واليهود، وقد استشهد بعدها في عام 1935 في معركة أحراش يعبد، عندما حوصر مع قلة من رجاله، وكان استشهاد القسام مفجرًا نفسيًا أساسيًا وممهدًا للثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، وأصبحت بعده المقاومة المسلحة ضرورة لا بدَّ عنها.

قائد عسكري فذّ.. بروز عبد القادر في الثورة الفلسطينية الكبرى

تأثر الفلسطينيون باستشهاد عز الدين القسام، واستلهموا من تجربته السرية والتنظيم الدقيق، ولهذا بدأوا ينظمون أنفسهم في خلايا ثورية ذاتية، كلُّ مع أهل بلدته أو أقربائه أو أصدقائه. شكّل عبد القادر الحسيني نواته السرية المسلحة وما سمي لاحقًا بجيش «الجهاد المقدس» وبدأ بالتجهيز والتخطيط لمشروعه، واجتمع مع المفتي أمين الحسيني لعرضه، وقد رحب المفتي بالمشروع، مع التأكيد على أخذ الحذر بأنّه سيدعمهم، ولكن بدون علم أحد.

كان أمين الحسيني قياديًا في الحزب العربي الفلسطيني، واللجنة العربية العليا، وكانت إستراتيجيته هي تهيئة خلايا سرية مسلحة إلى حين اللحظة المناسبة، وفي عام 1935 تزوج عبد القادر من وجيهة الحسيني التي كانت سنده وداعمته الأولى في مشروعه المسلح، وأنجب منها ابنة واحدة اسمها هيفاء، وثلاثة أبناء هما: موسى، وفيصل، وغازي. وتقول هيفاء ابنة عبد القادر إنّه في بداية زواجهما خرج عبد القادر ووجيهة لنقل السلاح معًا، وكانت وجيهة تحمل الأسلحة على أكتافها.

الزوجان عبد القادر ووجيهة الحسيني – مصدر الصورة: موقع عريق

انطلقت الثورة الفلسطينية الكبرى في أبريل (نيسان) 1936 ولأول مرة يصبح للحراك قيادة موحدة مشكلة من جميع الأحزاب والتوجهات الفلسطينية، وقد اعتمدت الثورة بدايةً على تنفيذ إضرابات عامة ومظاهرات حاشدة في كلِّ فلسطين، وخلال سنوات الثورة بدى للبريطانيين بأنّ الأمور تخرج عن السيطرة فنادوا بالتعبئة العامة للجيش، واعتمدت نهجًا قمعيًا للثورة محاولة الفتك بها بكل ما تستطيع، وقد اشتعلت نقاط مواجهة بين الثوار والمحتلين في عدة نقاط، وشنَّ الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر العديد من العمليات النوعية، وكانت قاعدته الرئيسة القدس، وقد صقلت هذه الفترة مهاراته العسكرية خلال هذه الفترة.

استشهد خلال سنوات الثورة، العديد من القيادات مثل المناضل السوري سعيد العاص الذي قاد معركة الخضر وشارك معه عبد القادر وأصيب بها إصابة خطيرة، وتداوى في مستشفى بريطاني وخرج إلى الشام هربًا من البريطانيين.

كان عبد القادر يحاول ويتابع الإشراف على العمليات من المنفى، وزاد شعوره بالخطر يتفاقم بأنّ فلسطين تضيع يومًا بعد يوم، وكانت القبضة كانت تزيد يومًا بعد يوم على الجماعات المسلحة التي تدافع عن الوطن، ويظهر هذا الشعور لدى عبد القادر في رسالةٍ لأحد رجاله من المنفى:

«صحيح أنّ الثورة قوية وشديدة وأنّ الإضراب مستمر بإحكام ورسوخ، وأن الناس يتحملون التضحية بكل ارتياح وتصميم ولكني لا أخفي عليك أننا أصبحنا نواجه تيارات مخيفة واتجاهات عجيبة لا تدعو أبدا للاطمئنان والثقة، ففيما يتعلق بالثورة نفسها فإننا نجد صعوبة عظيمة في الحصول على السلاح والفشك (الرصاص)، فضلًا عن أنّ الإنجليز يتشددون في حراسة الحدود، ويضيقون علينا الخناق، وقد بلغ سعر البندقية أكثر من 60 جنيهًا والمسدس وصل سعره إلى 35 جنيهًا، وإننا لا نجد المال اللازم للشراء، وأشعر أنّ أخواننا العرب في الخارج أخذوا يتخلون عن الثورة ومساعدتها وهناك أمر يحملني على الخوف… فإن العم الحاج أمين يتعرض لبعض التدخلات من الخارج ولضغط كبير من زعماء الأحزاب لفك الإضراب ووقف الثورة».

وقد اشتدت الأحداث بعد قرار التقسيم عام 1937 التي أعلنته اللجنة الملكية بتوصية لدولة يهودية تشكل 33% من الأراضي الفلسطينية. ولم ترض القيادة بهذا القرار، وقامت باستئناف الثورة، وعلى أثرها حلّت بريطانيا جميع المنظمات السياسية الفلسطينية، ونفي معظم قادتها إلى جزيرة سيشل.

عاد عبد القادر إلى فلسطين في السنوات الأخيرة للثورة، وأكمل مسيرة نضاله إلى حين إصابته إصابة خطيرة في الخليل بمعركة بني نعيم، فقد استهدفته القوات البريطانية ورجاله وهم متحصنين بالقرية، وانطلقت المعركة بعد صلاة العصر في يناير (كانون الثاني) 1939، عندما حشدت بريطانيا قواتها وبدأت تقصف بطائراتها، فاستشهد الكثيرون وأصيب عبد القادر إصابة بالغة، وعثر عليه في اليوم الثاني، ونقل إلى مستشفى بريطاني باسمٍ مستعار، وبعد خروجه منها هاجر إلى العراق.

ثوار وثائرات فلسطينيون في الثورة – مصدرة الصورة: ويكيبيديا 

يحكي بهجت أبو غربية، شيخ المناضلين الفلسطينيين، وأحد الذين قاتلوا وأرخوا لهذه الفترة، بأنّ من أسباب انحسار الثورة الكبرى كان اعتماد بريطانيا على إعادة احتلال القرى التي كان يتحصن بها المجاهدون، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل حلِّ وسجن القيادات الشعبية، والانقسام الفلسطيني الذي جرى حينها عندما جُندت بعض القيادات لمحاربة الثورة بحسبخ. وقد قدرت العمليات العسكرية للثورة خلال هذه السنوات حوالي 5 آلاف عملية.

في المنفى وعينه على القدس.. عبد القادر الثوريّ العابر للحدود

مع نهاية الثورة، اندلعت الحرب العالمية الثانية، وانشغلت بريطانيا، وسادت حالة من الانتظار في الشارع الفلسطيني، ولكن لم يتوقف المناضلون عن الاستعداد والتأهب والإعداد العسكري، وفي هذه السنوات، استغل اليهود اللحظة للاستحواذ على مزيد من الأراضي الفلسطينية، ومحاولة تهجير سكان الأراضي، فقاموا بتنفيذ عمليات تفجيرية وإرهابية في المناطق السكنية والقرى الفلسطينية.

وصل عبد القادر إلى العراق فوجد حكمًا بريطانيًا متغلغلًا هناك أيضًا، ولم يكن عبد القادر يرى بأنّ الجهاد والنضال يقتصر على فلسطين، وخلال هذه الفترة، شارك عبد القادر ورفاقه مثل فوزي القطب وصبحي أبو غربية في الجهاد مع الجيش العراقي في ثورة رشيد الكيلاني ضد بريطانيا التي انطلقت في أبريل 1941، وقدّ زجَّ به مرة أخرى في السجن، وقضى عدة شهور.

عبد القادر مسجون في العراق – مصدرة الصورة: وثائقي الجزيرة 

كان عبد القادر المجاهد، شاعرًا أيضًا فكتب في مديح رشيد عالي الكيلاني الشعر فقال:

رشيد العروبة عالي الهمم فذكراك في

سموت بقومك فوق الأمم يثير

كل قلب غدا فأنت الرشيد مهاب الجناب

النفوس ويحيي الهمم وأنت الكريم

يحُييك أسد العراق ومن رعاك الإله ليوم

سليل الكرم وراء العراق وخلف الهرم

أغرٍّ ليوم تدفق فيه الدما ليوم السيوف

ليوم العروبة يوم الشمم تهون

ويوم القنا رعاك الإله وهان عداك

النفوس فداء العلم ليوم تبدد فيه الظلم

وعشنا نفاخر فيك الأمم

بذلت السيدة وجيهة زوجة عبد القادر جهدًا كبيرًا لإخراج زوجها من السجن وطلبت من العديد من قادة الدول العربية التوسط، مثل الملك فاروق والملك عبد العزيز الذين توسطوا لإخراجه، وعند خروجه ذهب كلاجئ سياسي إلى المملكة العربية السعودية، وبات يتنقل بينها وبين مصر.

كانت سنوات المنفى سنوات صعبة على عبد القادر، ولكنّه اكتسب خلالها أحد أهم المهارات العسكرية، وهي صناعة المتفجرات والألغام، فقد استدعاه أمين الحسيني إلى ألمانيا للتدرب والتعلم على صناعة المتفجرات، وكانت في نفس الفترة التي لحقه بها رفيقه فوزي القطب، إذ خضع لدورة المتفجرات من الكوماندوز للوحدة الوقائية الألمانية.

وفي أبريل 1947، التقى عبد القادر الحسيني مع رفاقه في القاهرة، وأعيد تشكيل الهيئة العربية العليا وذراعها العسكرية جيش «الجهاد المقدس»، وقد كانت الساحة الفلسطينية مليئة بوحدات جهادية، وأصبحت بعدها تحت قيادة الجهاد المقدس وقيادة عبد القادر ومن هذه الوحدات كانت:

  • المنظمة العسكرية العربية لفلسطين؛ المكونة من رؤساء الفصائل، ومهمتها إشرافية وتنسيقية بين جميع المنظمات والخلايا.
  • وحدات الحرية: تنفذ حملات مقاطعة للبضائع الصهيونية، وتطارد العملاء وتفجر بيوتهم ومخازنهم.
  • فرق القوة: مهمتها وقف عمليات بيع الأراضي لليهود، وملاحقة السماسرة المتواطئين.
  • فرق الثأر: مهمتها الردّ على أعمال الصهاينة الموجهة ضد العرب.
  • منظمة الشباب: التي قادها المجاهد كامل عريقات، ومقرها القدس.
  • منظمة النجادة: تمركزت في يافا تحت قيادة فيضي الحسيني، وأسست خلال فترة الاحتلال البريطاني.
  • منظمة الفتوة: منظمة شبه عسكرية أنشأها جمال الحسيني وقت الاحتلال البريطاني أيضًا.

ولخوض المعركة الإعلامية، أنشأت إذاعة «صوت الجهاد المقدس» التي كانت تبث للجماهير باللغة العربية والعبرية والإنجليزية، وجهزت بمساعدة من بعض الخبراء مثل المهندس المصري أنور الصدر.

وكان عبد القادر ينسق دخول السلاح عن طريق مصر للمجاهدين في الداخل للتصدي للتمدد الصهيوني. فبعد قرار التقسيم في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1947، بدأ الصهاينة تنفيذ عملياتٍ تفجيرية لتهجير الفلسطينيين، مثل إلقاء براميل متفجرة في ساحة القدس بباب العامود، وتفجير فندق سميراميس في القدس.

جيش الجهاد المقدس – مصدرة الصورة: ويكيبيديا

وفي يناير 1948، وبعد عشر سنوات في المنفى، عادَ عبد القادر إلى فلسطين، ليقود الجهاد المقدس وتبدأ معركة البقاء، ومنع خطة التقسيم، وفي المعارك التي نشبت ما بعد التقسيم، اعتمد اليهود على تطويق المدن بالمستعمرات، وكانوا يملكون سلاحًا وعتادًا أكبر بكثير من المجاهدين.

على الجانب الآخر اتخذ الجهاد المقدس إستراتيجية دفاعية في البداية، ففرض حصار على هذه المستعمرات بالسيطرة على طرق الإمداد أهمها كان باب الواد، الذي يشبك المستعمرات في القدس بتل أبيب، بالإضافة إلى حصار الأحياء المقدسية حصارًا محكمًا حيث كان يوجد قرابة 100 ألف يهودي في القدس الشرقية، وكان الحيّ اليهودي أحد أكبر الأحياء، وكان صبحي أبو غربية قائد الحصار بقيادة عدة سرايا في القدس، في باب الزاهرة، وحي الشيخ جراح، وغيرها.

وكان عبد القادر يرسل إلى زوجته رسائل عن هذه الأوضاع في تلك اللحظة، ففي رسالة كتبها في الرابع من يناير 1948 يطمئن وجيهة عن صحته، قال فيها:

«لقد أصبحت القدس الآن الجبهة الأولى، شباب حي الشيخ جراح أسود، وكذلك شباب كل القدس، بارك الله فيهم، سنبدأ هجومنا الحقيقي بعد عشرة أيام على أكثر تقدير، وربما بدأنا قبل ذلك إذا وصلنا الذخائر» وقد استخدم عبد القادر منزله مخزنًا للذخيرة والسلاح، ولذلك ذكر في الرسالة: «يوجد بعض الذخيرة عندك في البيت، الرجاء إرسالها مع عبد الله».

خريطة القدس عام 1948 – مصدر الصورة: موقع هوية 

توحش الصهاينة حينها، فنفذت عصابة الهاجاناة والبالماخ أول عملية تطهيرٍ عرقي شمال فلسطين في قرية قيسارية في قضاء حيفا، وبعد رؤية هذه العمليات، بدى للجهاد المقدس أن الإستراتيجية الدفاعية وحدها لن تؤدي نتيجة، وقرروا الاعتماد على إستراتيجية هجومية مثل حرب العصابات، وقد تميّز بالعمليات التفجيرية، فقد كانت أكبر عمليات عبد القادر في شارع «بن يهودا» باعتباره إحدى القلاع الحصينة للعدو، وكان يسكن الشارع الطبقة الغنية، بالإضافة إلى وجود رئاسة قيادة الإرغون (المنظمة العسكرية القومية للصهاينة).

قام عبد القادر وفوزي القطب الذي كان يترأس «فرق التدمير العربية» في بيرزيت بشراء وتجهيز ثلاثة شاحنات عسكرية معبئة كل منها أطنان من متفجرات «التي إن تي – TNT» أحضرها رفيقهم قاسم الريماوي من دمشق، وبخبرته الكبيرة قام فوزي القطب بإضافة 100 كيلوجرام من مركب لزج «فلاش باورد – Flash Powder» الذي يضاعف القدرة الانفجارية ويساعد على إحداث وهج يساوي ألفي قنبلة مضيئة.

انطلقت مسيرة الشاحنات المفخخة في فبراير (شباط) 1948، وكان يتقدمها مصفحة بريطانية، وعند الوصول إلى شارع بن يهودا بالقدس انفجرت الشاحنات بفارقٍ وقتي دقيقتين بين كل انفجار، وانهدمت على أثره تسع بنايات كبيرة بما فيها مقر قيادة الإرغون، فتسببت بمظاهرة لليهود ضد قيادتهم، لأنّ هذه العملية كانت ردًا على العمليات التي نفذها الصهاينة في باب العمود وغيرها، وقد أعادت العملية الروح المعنوية لدى المجاهدين، ونشرت الرعب في الأوساط اليهودية.

وبعد العملية عقد عبد القادر مؤتمرًا صحافيًا يهدد الصهاينة بالنذير والوعيد، حيث قال: «كنا قد حذرنا اليهود وأنذرنا مجرميهم مرات عديدة بأن لا يعودوا إلى تكرار أعمال الغدر والاعتداء على العزل الآمنين، ولكنهم لم يسمعوا النصح فاضطررنا أن نقابل الاعتداء بالاعتداء»، وقد هددهم بأنّهم إذا استخدموا الجامعة العبرية مركزًا لتحركاتهم العسكرية، فسوف يدمرها عن بكرة أبيها. وقد كانت الجامعة العبرية، التي تبدو على أنّها مؤسسة علمية بحتة، نقطة أراد بها الصهاينة وصل حي الشيخ جراح وباب الساهرة.

من عملية نسف شارع بن يهودا – مصدرة الصورة: موقع باب الواد

استمرت العمليات التفجيرية، فقد نظّم فوزي القطب عملية تفجيرية بعدها، عندما فخخ سيارة «فورد» خضراء، مرسومٌ عليها علم الولايات المتحدة، وقادها حينها أنطوان «داود»، الفلسطيني الكولومبي، وفجر بها مبنى الوكالة اليهودية، وقتل في هذه الحادثة آري ليب جافي أحد مؤسسي الحركة الصهيونية.

كان العتاد بدأ ينفذ من الجهاد المقدس، وقد ضغطت قادة الجهاد المقدس مثل صبحي أبو غربية على عبد القادر الحسيني لتدبير الأمر كونه المسؤول الأول، فموازين القوى ليست بصالحهم، وما اكتسبوه من قوة معنوية عن طريق عملياتهم لن يحقق لهم نصرًا أمام العتاد الصهيوني، المدعوم من القوى الدولية الكبرى مثل بريطانيا وأمريكا.

وكان بن غوريون قد وضع عملية «الأفعى – نخشون» لفكِّ حصار المجاهدين على طريق تل أبيب القدس، ومفاد العملية احتلال القرى المحيطة بالقدس، خاصةً الواقعة على طريق باب الواد، وكانت القسطل أول وجهة من بين هذه القرى، والتي سطرت لمرحلة جديدة في الصراع.

عندما خذلته الجامعة العربية.. قائد الجهاد المقدس يستشيط غضبًا

في تلك الفترة، شكلت الجامعة العربية اللجنة العسكرية التي قادها إسماعيل صفوت، وطه باشا الهاشمي، وكانت تحتها «جيش الإنقاذ» وهو جيش من المتطوعين بقيادة فوزي القاوقجي، وقد تماهت اللجنة العسكرية وجيش الإنقاذ مع بريطانيا ونسقت معها دخولها إلى فلسطين، وتمركزت في النقاط المحددة ضمن خطة التقسيم 1947.

على عكس جيش الإنقاذ، كان الجهاد المقدس رافضًا التقسيم، وعليه كان يخط تحركاته ونضاله ضد قيام الدولة الصهيونية على أي شبر من الأراضي الفلسطينية. لم يكن أمام عبد القادر سوى طلب السلاح من اللجنة العسكرية بالجامعة العربية، ويقول أبو غربية بأنّ عبد القادر كان موعود منها للحصول على السلاح، وقد سافر عبد القادر مباشرة إلى دمشق وقضى عدة أيام للقاء مسؤولو الجامعة العربية واللجنة العسكرية، والحاج أمين الحسيني.

خلال أيام الاجتماعات، لم تقدم الجامعة العربية شيئًا لعبد القادر الحسيني، وبدأت تماطل بالإجابة على طلبه بإمداد الجهاد المقدس بالسلاح، وبعد مرور عدة أيام من تواجده بدمشق، هجم اليهود على قرية القسطل واحتلوها، وجنَّ جنون عبد القادر، فقد كان يعلم بأنّ سقوط القسطل يعني سقوط القدس، والقسطل تعني «كاستيل» أي القلعة باللغة الإنجليزية.

وفي آخر اجتماعٍ له مع الجامعة العربية، دار نقاش حاد بين الأطراف سيسجله التاريخ:

طه الهاشمي (رئيس اللجنة العسكرية): «لماذا كل هذا الاهتمام بالقدس يا عبد القادر… إنها لا تستحقه لو كانت القدس ميناء على البحر لاستحقت الاهتمام وقمنا بمساعدتك».

إسماعيل صفوت (نائب رئيس اللجنة العسكرية): «ها قد سقطت القسطل.. عليك أن تسترجعها يا عبد القادر وإذا كنت عاجزا عن استرجاعها فقل لنا لنعهد بهذه المهمة إلى القاوقجي»

عبد القادر الحسيني: القسطل يا باشا مأخوذة من كلمة كاستيل الافرنجية ومعناها الحصن وليس من السهل فتح الحصن بالبنادق الإيطالية والذخائر القليلة التي بين أيدينا… ليس باستطاعتي أن أحتل القسطل إلا بالمدافع أعطني ما طلبته منك وأنا كفيل بالنصر»

طه الهاشمي: «شنو عبد القادر؟ ماكو مدافع»

عبد القادر الحسيني: «أنتم خائنون، أنتم مجرمون سيسجل التاريخ أنكم أضعتم فلسطين سأحتل القسطل وسأموت أنا وجميع إخواني المجاهدين».

القسطل.. عندما قدم عبد القادر روحه من أجل قرية

كان عبد القادر يوجه المعركة من مكانه، ويشدد على أهمية القسطل قائلًا لقيادته «القسطل هي القدس»، وقد توجه المجاهدون إليها وطوقوها، وبدأت معركة ضارية بينهم وبين اليهود، وقد حققوا بداية تقدمًا، ولكنّ ذخائرهم بدأت بالنفاد، وتزامن وصول الإمدادات لليهود حيث غلبت الكفة لصالحهم واستردوا ما كانوا قد خسروه.

وكانت رسالته الأخيرة إلى عائلته في تاريخ الثاني من أبريل عندما أرسل فيها:

«أعزائي: هيفاء، وموسى، وفيصل، وغازي: قبلات حارة لكم جميعًا، كيف أحوالكم، لماذا لا تكتبون لي، أرجو أنّ تكونوا متحابين وأولادًا طيبين، لا تعذبوا أمكم، كما أني أرجو أن تكونوا مجتهدين بدروسكم، وإذا نجحتم بالمدرسة فسأشتري لكم بنادق ومسدسات حقيقية لتقتلوا بها اليهود، وسأشتري لهيفاء أدوات إسعاف لتضمد جراح المجاهدين، سوف أراكم قريبًا… الله يرضى عليكم»

ومع نيته للدخول إلى القسطل كتب عبد القادر الحسيني رسالة إلى الجامعة العربية، يحملها مسؤولية ما جرى وما سيجري، وكتب فيها: «إني أحملكم المسؤولية بعد أنّ تركتم جنودي في أوج انتصاراتهم بلا عون أو سلاح».

أسرع عبد القادر بالعودة إلى القدس وتوجه مباشرة إلى القسطل، واندلعت معركة ثانية صباح السادس من أبريل، ووزع بعض الذخائر على قواته، واستطاع تطويقها بداية، ثم بدأ التوجه إلى قلب القسطل، والمجاهدين من حوله، ولكن قلة السلاح حالت دون إحراز النصر، وقد استطاع اليهود من حصار عبد القادر ومن معه.

زحف المجاهدون لتحرير القسطل على يد الهاجاناة – مصدرة الصورة: ويكيبيديا 

انتشر خبر حصار عبد القادر الحسيني كالنار في الهشيم في كل أنحاء فلسطين، وبدأت الهبات والنجدات بالزحف لتلبية النداء، وكلهم أمل بأنّ قائدهم لم يزل على قيد الحياة. قُدّر عدد النجدات حينها بحوالي 500 مقاتل، واستطاعوا تطويق القرية من كل جانب. ولكنهم لم يكونوا على علم بأنّ قائدهم عبد القادر الحسيني، استشهد ليلة الثامن من أبريل 1948 وهو حامل سلاحه، وحوله مجموعة من القتلى اليهود.

نقلت جثة عبد القادر الحسيني داخل القدس وكفنت، ودخلت جنازته من باب الملك فيصل للمسجد الأقصى، فصلى عليه الناس، ونعاه المؤذنون من مآذن المسجد، ودقت أجراس الكنائس، وشارك في جنازته عشرات الآلاف، ودفن بجانب والده الباشا موسى كاظم الحسيني.

استشهد عبد القادر الحسيني، واستعاد المجاهدون قلعتهم التي تحكي إلى اليوم تاريخ تضحيات رجال عرفوا أنّ القدس بوصلة التحرير، ولم تزل القدس الشعلة التي تحيي وتحشد الهمم، وقد ترك هؤلاء الرجال بتضحياتهم إرثهم في روح كلِّ مقدسي، وفلسطيني، وعربي.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنتين
دليلك المبسط لفهم القضية الفلسطينية في 5 محطات

المصادر

تحميل المزيد