دخل البرلمان منذ حقبة حكم الرئيس الفرنسي «شارلي ديجول»، وآوته قُبة المؤسسة التشريعية منذ أن كان الرئيس الأمريكي «جون كيندي» في الحكم، ولايزال برلمانيًا حتى الآن بعد فوزه، للمرة التاسعة على التوالي، بمقعده المعتاد في الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب، للسابع من أكتوبر (تشرين الثاني) 2016.

إنه «عبد الواحد الراضي»، أقدم برلماني وأقدم معمر سياسي في العالم، لم ينافسه في الإصرار على البقاء في الكرسي السياسي، سوى الرئيس الكوبي السابق «فيديل كاسترو» الذي آثر التنحي، بينما الراضي لا يزال يواصل مسيرته الخالدة تحت قبة البرلمان.

شيخ البرلمانيين وعمله السياسي

ولد عبد الواحد الراضي سنة 1935، بمدينة سلا، حيث تابع دراسته الابتدائية، قبل أن ينتقل للعاصمة الرباط للحصول على البكالوريا، ثم التحق بعد ذلك بجامعة السوربون بفرنسا، التي أنهى بها دراسته الجامعية.

كان شيخ البرلمان المغربي، عبد الواحد الراضي، أحد المؤسسين لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عام 1959، كما تقلد مسؤوليات قيادية بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب، حيث انتخب كاتبًا عامًا لفيدرالية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بفرنسا في الفترة ما بين 1958 إلى 1960، وساهم في تأسيس فيدرالية طلبة شمال إفريقيا.

انخرط عبد الواحد الراضي مبكرًا في العمل السياسي، كما شارك في العديد من المنظمات السياسية، وتقلد مسؤوليات عديدة في ذلك، إذ انتخب الراضي عضوًا في المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي عام 1962، ثم عضوا في لجنته الإدارية عام 1996، وأصبح عضوًا بالمكتب السياسي لحزب منذ عام 1989. كما شغل مسؤولية نائب للكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي سنة 2003، وغدا كاتبًا أول في سنة 2008.

الراضي وكرسيه المخلد في البرلمان

كان فوز عبد الواحد الراضي بمقعده البرلماني، إحدى غرائب نتائج الانتخابات التشريعية لـ2016، محطّما بذلك كل التوقعات، التي كانت تنتظر خاتمة حقبته البرلمانية المديدة لأزيد من نصف قرن.

وفاز الراضي بمقعد الدائرة الانتخابية «القصيبية»، التابعة لإقليم «سيدي سليمان»، باسم حزب الاتحاد الاشتراكي، ويتولى منصب رئيس مجلسها الجماعي منذ 1983م إلى اليوم، دون أن يستطيع منافس الإطاحة به.

ويعد ارتباط عبد الواحد الراضي مع البرلمان، موغلًا في التاريخ، إذ انتخب نائبًا برلمانيًا منذ 1963، وأعيد انتخابه من جديد خلال الولايات التشريعية «1977–1984» و«1984–1993»، و«1993-1997»، و«1997-2002»، و«2002-2007»، و«2007-2011»، و«2011-2016»، وكذلك الآن، بعد أن استطاع أن يُحافظ على مقعد في البرلمان.

وُصف الراضي عندما ولج قبة البرلمان المغربي لأول مرة سنة 1963، بكونه أصغر نائب في تاريخ المغرب، ليتحوَّل اليوم إلى أقدم برلماني في العالم، لم يُهزم أبدًا في أي استحقاقات تشريعية على مدى 53 سنة إلى اليوم، ولا يزال بقاؤه في البرلمان مستمرًا.

ورغم الانتقادات الواسعة، التي تطاله بسبب أقدميته الغابرة في قبة البرلمان، إلا أنه يأبى اعتزال كرسيه السياسي وإفساح المجال للآخرين، كما يفعل سياسو العالم عادة بعد إمضائهم فترة من الزمن، وهو الأمر الذي يجعله مادة دسمة للسخرية من قبل رواد الشبكات الاجتماعية.

ويبدو أن عبد الواحد الراضي ليس الوحيد في عائلة «آل الرياضي» المغرم بالكرسي البرلماني، إذ حصل ابن أخيه أيضًا، «ياسين الراضي»، على مقعد بمجلس النواب عن دائرة «الغرب»، باسم حزب الاتحاد الدستوري، خلال الانتخابات الأخيرة للمرة الثانية على التوالي، بعد أن دخل البرلمان لأول مرة سنة 2011 وهو في عمر 21 سنة.

أزمة العمل السياسي

قد يرى البعض أن عبد الواحد الراضي، يُمثل أزمة العمل السياسي والحزبي في المغرب، إذ بالرغم من انتمائه لحزب اشتراكي، إلا أنّه حرص جاهدًا على جمع أملاك فلاحية، تُقدّر بآلاف الهكتارات، فضلًا عن نضاله عشرات السنين للحفاظ على كُرسيّه.

وأدى غياب الديموقراطية الداخلية لدى معظم الأحزاب السياسية بالمغرب إلى بقاء زعماء معمرين ممثلين لهم، دون إفساح المجال لشخصيات جديدة، ما ساهم في بروز أطر شعبوية، فاقدة للكفاءة والنزاهة، تستميل الناخبين من خلال المال والانتماء والعلاقات.

لعل ذلك أدّى إلى خلق عزوفٍ حاد لدى قطاع عريض من المواطنين، جسدته النسبة المنخفضة في المشاركة بالانتخابات التشريعية الأخيرة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد