تواترُ اختطاف دبلوماسيين.. بعثاتٌ أجنبية تدرس إمكانية تخفيض وسحب عاملين بسفاراتها وبعثاتها الدبلوماسية في ليبيا، في وقت بدأت جماعات ليبية متشددة تنشر أشرطة فيديو للمختطفين وهم يترجون مسئولي بلدانهم للتفاوض مع المختطفين من أجل إطلاق سراحهم.. هذه ليبيا ما بعد ثورة 17 فبراير التي ما تزال تتخبط في مشاكلها الأمنية في ظل فراغ سياسي لم يؤد حتى الساعة إلا إلى مزيد من الشنآن والصراع بين القوى السياسية والمجموعات المسلحة.

على درب القاعدة!

مجموعة تطلق على نفسها اسم “شباب التوحيد” بثت مؤخرًا مقطع فيديو، يظهر فيه الموظف في السفارة التونسية بليبيا، الذي اختطف في الحادي والعشرين من مارس الماضي في العاصمة الليبية طرابلس، وهو يناشد الرئيس التونسي التفاوض مع خاطفيه، ويعاتبه على عدم التفاوض معهم لحد الآن علمًا أنه أب لثلاثة أطفال، كما قال، وهم في أمس الحاجة إليه.

الشريط الذي أظهر الدبلوماسي المختطف، محمد بن الشيخ، تضمن أيضا رسالة أخرى مكتوبة يوجهها المختطفون إلى الحكومة التونسية، قائلين فيها: “كما تأسرون منا نأسر منكم.. كما تقتلون منا نقتل منكم.. والبادئ أظلم. ولن تأمنوا لا أنتم ولا أعوانكم حتى يأمن إخواننا في دينهم وأعراضهم وأرزاقهم”.

عناصر ليبية مسلحة

الاختطاف كان أيضا مصيرَ دبلوماسي تونسي آخر اسمه العروسي القنطاسي اختطف في الأسبوع الماضي، مباشرة بعد اختطاف السفير الأردني، فواز العطيان، في عملية مسلحة كاد سائق السفير – المغربي الجنسية – أن يلقى حتفه بعد إصابته بطلقات نارية من طرف المختطفين.

الحكومة التونسية كما الحكومة الأردنية في أولى ردود أفعالها عن اختطاف مواطنيها أشارتا إلى أن الأمر يتعلق بجماعات “إرهابية” اختطفت الدبلوماسيين لمقاضاتهم بعناصر متابعين بتهم تتعلق بالإرهاب، ومنهم من له علاقة مباشرة بتنظيم “القاعدة”.

سلطة القوة وقوة السلطة!

حادث الاختطاف الأخير الذي وقع على التراب الليبي مؤخرًا أعاد إلى الأذهان حادث الاختطاف الجماعي لسبعة دبلوماسيين مصريين في وقت سابق من السنة الجارية، وهو الاختطاف الذي قيل وقتها أنه جاء ردًّا على اعتقال السلطات المصرية أحد “زعماء” الجماعات المسلحة المتشددة في ليبيا..

أخبار هذه الاختطافات وأخرى تكاد تصبح أخبارًا عادية اليوم من بلد كليبيا لا سلطة تعلو فيها إلا “سلطة القوة” وليس “قوة السلطة” التي لم يستطع حتى الآن – وبعد مرور ثلاث سنوات ونيف على ثورة 17 فبراير التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي – ساسةُ طرابلس التوفر عليها لفرض القانون بحيث ما تزال الجماعات المسلحة، التي تدين بالولاء لعناصر القبيلة أو الانتماء الديني والأيديولوجي، وتملك من السلاح ما يجعلها تتوفر على سلطة تكاد تضاهي أو تتفوق على السلطات المركزية بطرابلس.

السلطات..عجْز

تكشف التجربة أن عمليات الخطف التي تمت على الأرض الليبية في أوقات سابقة إن لم تكن انتهت نهايات مأساوية بقتل المخطوفين، أو أن مصيرهم أصبح مجهولاً، فإن الإفراج عن البعض من المخطوفين اكتنفه الغموض، وجاء في الغالب بعد تسويات بين أهالي المخطوفين وخاطفيهم. وهو ما يعني أن السلطات الليبية اكتفت بدور “المتتبع”، دون تسجيل أية محاولة مثلاً لتحرير بعض المخطوفين، وهذا ما يعني “عجز” السلطات الليبية عن محاربة هذه “الظاهرة” التي باتت تقض مضجع ليس فقط الأجانب ولكن حتى المواطنين.

السفير الأردني المختطف فواز العطيان

بالإضافة إلى عجز السلطات على مواجهة ظاهرة الاختطاف التي باتت منتشرة بشكل مثير للقلق، فإنه يبدو أن الفراغ في السلطة الذي تعانيه البلاد والتي لم تنجح حتى الآن في انتخاب رئيس للبلاد، واكتفت فقط برؤساء وزراء وقبلهم برؤساء مجالس انتقالية، نتج عنه (الفراغ) في التشريع وفي سن عقوبات على مرتكبي جرائم الخطف، ولعل ذلك هو ما جعل “نشاطات” الخاطفين تزداد، بل إن البعض بات يستعملها أداة وسلاح لمواجهة بعض السياسيين وابتزازهم لأجل تحقيق مكاسب سياسية في سياق الصراع السياسي الذي تعرفه البلاد.

ويبدو من خلال ما ترشح عن “المفاوضات” الجارية بين السلطات الأردنية من جهة، وبعض الأجهزة الأمنية الليبية وبعض المجموعات المسلحة، بشأن إطلاق سراح السفير الأردني، أن السلطات الليبية بات تقوم بدور “الوسيط” بين الخاطفين وأهالي وسلطات بلدان المخطوفين، تمامًا كما هي حالة السفير الأردني؛ حيث ذكرت تقارير أن المفاوضات جارية بين الأطراف السالفة لـ”مقايضة” السفير الأردني بـ”الإرهابي” الليبي الجنسية، محمد الدرسي، المسجون بالأردن منذ سبع سنوات. ما يعني أن السلطات الليبية هي في “أسوأ” حالات العجز والضعف، برأي متتبعين.

صورة أرشيفية لثوار ليبيين

ويبقى أمل لليبيين معلقًا على “لجنة الستين” المكلفة بوضع دستور للبلاد، وهي اللجنة التي وإن كانت تقاطعها بعض الأطياف بناء على اعتبارات قبلية وعرقية إلا أن كثيرين يعلقون على هذه اللجنة “المستقلة”، والتي تم انتخاب أعضائها في 20 فبراير الماضي، آمالاً عريضة لإخراج البلاد من النفق الذي أدخلها فيه صراع السياسيين وسطوة الجماعات المتشددة بـ”اسم الثوار” على السلاح، فهل سيسير الليبيون في طريق تأسيس دولة القانون والمؤسسات أم أن شبح “صوملة” ليبيا المخيم على الأجواء سيتحول إلى واقع لا سمح الله؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد