عيّن الرئيس الجزائري السيد عبد العزيز بوتفليقة الأربعاء الماضي، عبد المجيد تبون في منصب الوزير الأول في الحكومة الجزائرية الجديدة، خلفًا لعبد المالك سلال، وجاء في بيان الرئاسة الجزائرية أنه «عقب إعلان المجلس الدستوري عن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية وتنصيب تشكيلة العهدة التشريعية الثامنة للمجلس الشعبي الوطني، فقد قدم الوزير الأول عبد المالك سلال اليوم الأربعاء استقالته واستقالة حكومته لرئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة».

ويعد تبون أحد أبرز رجالات النظام الجزائري، فقد تبوّأ منصب وزير السكن والعمران والمدينة، وكذا المكلف بمهام وزير التجارة بالنيابة في الحكومة السابقة، وقد سبق له أن شارك في عدة حكومات جزائرية، إذ كان وزيرًا منتدبًا بالجماعات المحلية عامي 1991 و1992، كما عُين وزير السكن والعمران عام 1999، ووزيرًا للاتصال عام 2000.

وعاد لوزارة السكن والعمران عامي 2001 و2002، وهو نفس المنصب الذي تبوّأه منذ عام 2012، قبل أن يُعيّن مكلفًا بمهام وزير التجارة بالنيابة بداية من هذا العام مكان بختي بلعايب الذي غادر الوزارة لظروف صحية عجلت من وفاته، وقد تخرج تبون في المدرسة الوطنية للإدارة، اختصاص: اقتصاد ومالية، وهو من مواليد عام 1945 بمحافظة النعامة الجزائر.

في انتظار عبد المجيد تبون وتشكيلة حكومته ومن ورائهم 40 مليون جزائري، ملفات كبيرة ستعرض على طاولة الوزراء الجدد يحدوهم الأمل إلى فك شفراتها، في هذا التقرير سنحاول جمع تلك الملفات .

التحديات الأمنية وحلّ الأزمة الليبية

يأتي الملف الأمني في قمة التحديات التي تنتظر الحكومة الجزائرية القادمة لما له من أهمية وترابط مع نجاح القطاعات الأخرى. وبالتالي فإن رهان المؤسسة العسكرية ومختلف الأجهزة والأسلاك الأمنية يأتي بالدرجة الأولى حول ضمان استمرار الأمن الداخلي، مع مواجهة أي خطر خارجي يحدق بالبلاد، خاصة على مستوى الشريط الحدودي الشرقي والجنوبي، وهي نقاط التماس مع الجماعات الجهادية المنتشرة في ليبيا ومالي، والتي لن تدخر أي جهد لتوجيه ضربات ولو كانت بسيطة للجزائر بعد الهزائم الكبيرة التي منيت بها أمام الجيش الوطني الشعبي، خلال السنوات الماضية واستعصاء الحدود الجزائرية عليها.

بالموازاة مع تعزيز التواجد الأمني بالقرب من الحدود، يرى المتابعون لشؤون المنطقة أن نجاح الجزائر في لمّ الأطراف الليبية حول مبادرتها السياسية القائمة على مبدأ الحوار، من شأنه أن يساهم في حل الأزمة الليبية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يخفف العبء على الجبهة الشرقية للجيش، ويسمح بعودة الهدوء التدريجي إلى المنطقة، ما يعني بأن الدبلوماسية الجزائرية المتمثلة في وزارة الخارجية سيكون لها دور كبير، ورهانها الأساسي والأهم خلال الفترة هو نجاح الحوار الليبي وحل القضية بشكل سلمي، وخاصة دون تدخل أطراف خارجية، فخلاف ذلك قد يجعل الجزائر في دائرة الخطر .

الانتخابات الرئاسية

ستشهد سنة 2019 تنظيم أول انتخابات رئاسية في ظل الدستور الجديد، إذ يراهن المتابعون للشأن السياسي الجزائري، بأن الاستحقاق الرئاسي القادم من شأنه أن يؤسس لمرحلة جديدة بعد 20 سنة في ظلّ حكم بوتفليقة، ويرى المراقبون أن دور الحكومة القادمة التي من المتوقع أن تستمر حتى الانتخابات الرئاسية القادمة هو العمل على الاستقرار السياسي في البلاد، وإذ كان الحديث عن الرئاسيات سابق لأوانه إلاّ أنّ بوادر الصراع حول من سيكون رئيسًا للبلاد قد تجلى من خلال هذه الحكومة، بعد إسناد مهام أخرى للوزير الأول السابق عبد المالك سلال، ونأي رئيس التجمع الديمقراطي أحمد أويحي بنفسه من رئاستها .

بناء اقتصاد خارج المحروقات ومعالجة ملف البطالة والسكن

في الشق الاقتصادي، من المنتظر أن تواصل الحكومة في مسعى الحكومة السابقة للتخلي عن الريع البترولي من خلال بناء نظام اقتصادي يرتكز على الإنتاج الصناعي والفلاحي، وذلك بإزالة كل العراقيل البيروقراطية أمام المستثمرين الأجانب، من خلال مراجعة القوانين وتسهيل الأمر أكثر عليهم، حيث يؤكد المسؤولون والمراقبون أن الوقت حان لجلب الأموال الصعبة من الخارج، بوصفها إيرادات مالية تنعش الخزينة، من خلال فتح الفضاء الاقتصادي أكثر أمام رجال الأعمال وأصحاب الأموال المغتربون، الذين يرغبون في الاستثمار في بلدهم الأم.

وبالرغم من محاولة استدراك الجزائر للأمر بزيادة الرسوم والضرائب في قانون المالية لهذه السنة، إلا أن هذا يبقى غير كاف، وأمام هذا الوضع، فإنّ ذهاب الحكومة إلى استغلال الطاقات المتجددة من خلال إنشاء مصانع محطات توليد الطاقة الكهربائية والشمسية، واستغلال الغاز الصخري بات الأمر الأكثر ضرورية.

ويعتبر ملف البطالة أحد أهم الملفات الساخنة التي تنتظر حكومة تبون، فالحكومة مطالبة اليوم بتوفير فرص عمل للأعداد الهائلة من العاطلين عن العمل وتحريك الركود الاقتصادي, وحسب الأرقام الرسمية فإن البطالة بلغت نهاية السنة الماضية 10.5 بالمائة، ويعود هذا الارتفاع إلى الجمود الذي مس معظم القطاعات المشغلة لليد العاملة كقطاع الوظيفة العمومية، وإذا كان الوزير الأول الجديد عبد المجيد تبون هو أدرى رجل في الجزائر بمشكلة السكن باعتباره وزيرًا للقطاع منذ 2012، فإنّ هذا الملف استعصى على الحكومات السابقة وبات نقطة سوداء في تاريخ الجزائر، إلاّ أن الجزائريين استبشروا خيرًا في الوزير الأول بحكم وعده بالقضاء على هذا المشكل قبل نهاية السنة القادمة .­­

جبهة اجتماعية ساخنة

في الشق الاجتماعي، ستتوجه أنظار المواطنين إلى جانب تطبيق قانون المالية لـ2017، ­وما حمله من رسوم وضرائب ستؤثر على القدرة الشرائية للمواطن، وهو ما ينعكس على الوضع الاجتماعي وحالة الغليان التي ستترجم إلى احتجاجات واعتصامات من قبل فئات مختلفة، إذ سارعت مختلف القطاعات إلى استقبال الحكومة الجديدة بالاحتجاجات والإضرابات، ولعلّ المسيرة الأخير لمتقاعدي الجيش الوطني لأبلغ رسالة عن التحدي الذي ينتظر الحكومة القادمة في ظلّ سخط شعبي ورفض منقطع النظير جسدته نسب المشاركة المتدنية في الانتخابات الماضية، هذا ما سيجعل حكومة تبون تواجه مشكلة شرعية ومشكلة تمثيل لدى الشعب الجزائري .

المرجعية الدينية الجزائرية

وآخر ملف يعتقد أن يكون حاسمًا في الفترة القادمة ينتظر الحكومة، هو المرجعية الدينية الجزائرية، ومواجهة موجة الفتاوى المستوردة ،الناجم عن تراجع الإفتاء لدرجة كبيرة أربك المرجعية الدينية وتديّن الجزائريين، حتى أصبحت الأحكام المسلم بها مشكوك فيها، وأصبح المواطن يستورد الفتاوى من الخارج سواء عن طريق الفضائيات أو السماع لمفتين من الخارج، وهو ما يجب أن تراجعه – بحسب المراقبين- الحكومة القادمة من خلال ضبط الفتوى لدرجة تخدم المرجعية الدينية الموحدة، وترشيدها بطريقة منتظمة وذلك بإنشاء المجلس الأعلى للإفتاء، وتفعيل مفتي الجمهورية .

ملفات ثقيلة، يزيدها ثقلًا الوضع المالي للبلاد، وتراجع مداخيلها إلى النصف، والوضع السياسي الصعب، فهل وضع تبون وطاقمه نصب أعينهم هذه الملفات، وحجم مسؤولية الحفاظ على القدرة الشرائية للجزائريين عند المستوى الحالي، وضمان معدلات نمو، ببرميل نفط عند مستوى 50 دولارًا في أحسن الأحوال­­؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد