بعد وفاة العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) عن عمر 85 سنة؛ تباينت ردود الأفعال والتغطيات الصحافية حول هذا العالم، الذي يوصف بأنّه «أبو القنبلة النووية الباكستانية». وفي الوقت الذي ركزت فيه الصحافة الغربية على الاتهامات الموجّهة إليه، بتكوين شبكة دولية لتوريد التكنولوجيا النووية لدول مثل كوريا الشمالية وليبيا؛ فإن الصحافة الباكستانية أشادت بدوره الوطني في تعزيز دفاعات البلاد ومساهمته في إدخال البلاد إلى النادي النووي.

جدير بالذكر، أنه منذ حصول الولايات المتحدة على السلاح النووي ثم استخدامها القنبلة النووية في تدمير هيروشيما وناجازاكي، ومع نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945؛ تسابقت القوى الدولية لامتلاك هذا السلاح المدمّر، إن لم يكن من أجل استخدامه في أيّة حروب مستقبلية؛ فعلى الأقل من أجل استعماله سلاح ردع أو حتى وسيلة لدخول نادي الكبار في الساحة العالمية وضمان مقعد في المشهد الدولي، وقد استطاعت باكستان عبر هذه التكنولوجيا أن تنجح أواخر التسعينيات في ذلك، بمساهمة محورية من الدكتور عبد القدير خان.

من بوبال إلى جامعات أوروبا.. رحلة «خان» البحثية في المجال النووي

ولد عبد القدير خان في بوبال التابعة للهند البريطانية آنذاك، لكن عائلته انتقلت إلى باكستان وهو في سن 16 سنة. في أوائل الستينيات، انتقل الباحث الباكستاني الشاب إلى ألمانيا، وتحديدًا لجامعة برلين من أجل إكمال رسالة الدكتوراه في تكنولوجيا المعادن؛ وهناك جرى استقطابه من طرف جامعة نيجيرية للتدريس فيها براتب مجزٍ، لكن أستاذه الألماني الدكتور ستارك حثّه على إكمال أبحاثه وعدم التفريط في مستقبله الأكاديمي من أجل المكسب المادي، وهي النصيحة التي أخذ بها عبد القدير خان.

الدكتور عبد القدير خان

عبر رحلات متنوّعة داخل أوروبا، سيلتقي عبد القدير خان بزوجته المستقبلية مصادفة في هولندا، حيث انتقل إلى هناك للانضمام إلى جامعة ديفلت الهولندية، لينتهي به المطاف إلى الانضمام لفريق بحثي تابع لمعمل اليورانيوم المخصّب بمدينة ألميلو بهولندا، وتبدأ رحلته الطويلة والمليئة بالمتاعب والمضايقات الأمنية لدرجة تهديد حياته.

مع حصول الهند، الجارة اللدودة لباكستان على القنبلة النووية، وثبوت ذلك من خلال تجربتها المعروفة باسم «بوذا المبتسم» في مايو (أيار) 1974، أصبح «النووي» بالنسبة لباكستان مسألة وجودية متعلّقة ببقاء الدولة نفسها، وكان عليها أن تدخل هي الأخرى النادي النووي بأي وسيلة كي لا تحرز الهند تفوّقًا حاسمًا عليها في الميدان العسكري والإستراتيجي، وتهدد أمنها القومي في أيّة حرب مستقبلية، خصوصًا أنه لم يكن قد مرّ على حرب 1971 بينهما، سوى ثلاث سنوات فقط.

بعد التجارب الهندية النووية، تحوّل قدر عبد القدير خان من مجرّد باحث غير معروف من بين عدّة باحثين في تكنولوجيا المعادن بمختبر أبحاث أوروبي، إلى شخصية رئيسية في المشروع النووي الباكستاني. صحيح أن إسهام عبد القدير خان في البرنامج النووي كان محوريًّا في وصول باكستان إلى التكنولوجيا النووية، ثم الوصول إلى إمكانية وضع هذه الرؤوس على صواريخ بعيدة المدى؛ إلا أن وصفه بـ«أبو القنبلة النووية الباكستانية» قد لا يكون دقيقًا بشكل كامل.

وذلك لأن باكستان قد بدأت برنامجها النووي قبل دخول عبد القدير خان على الخط، وذلك في سنة 1972 بقيادة عالم الفيزياء النووية منير أحمد خان؛ وهو ما يجعل باكستان ربما تملك العديد من «الآباء» لقنبلتها النووية، ويثار جدل كبير بين العلماء حول مقدار إسهام كل واحد منهم في المشروع.

سنة 1974، وهي السنة نفسها التي أجرت فيها الهند تجربتها النووية، بدأت الاتصالات بين عبد القدير خان والسفارة الباكستانية في هولندا، ثم رسائل ولقاءات بين عبد القدير خان – غير المعروف للسلطات آنذاك – ورئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو، لينضمّ بعدها عبد القدير خان إلى المختبر البحثي التابع للجيش الباكستاني المسؤول عن الوصول إلى القنبلة النووية.

بعد سنوات طويلة من التجاذبات والصراعات الأكاديمية بين الباحثين حول المسار الأجدى والأسرع للوصول إلى التكنولوجيا النووية، والرؤى المختلفة داخل المجتمع العلمي الباكستاني المسؤول عن الأبحاث النووية؛ أعلنت باكستان إجراءها خمس تجارب نووية ناجحة في أواخر شهر مايو 1998.

العديد من الاتهامات أحاطت بمسيرة عبد القدير خان، من بينها اتهامه على يد الهولنديين بالتجسس العلمي حين كان يعمل في «مجموعة أورنكو» المتخصصة في تكنولوجيا الطرد المركزي، وسرقة وثائق نووية سرية، ونقله تصميمات أجهزة الطرد المركزي إلى باكستان حيث جرى استخدامها لتخصيب اليورانيوم؛ لكن عبد القدير خان رفض هذه الاتهامات وأكد إن ما نقله كان غير مُحاط بالسريّة، بل مجرّد كتب وأبحاث منشورة ومتاحة للعيان، ما يفند تهمة «التجسس العلمي» المنسوبة إليه. وهو الأمر ذاته الذي توصلت إليه المحكمة العليا التي كانت تنظر في شكوى «مجموعة أورنكو» بعدما أثبت ستة علماء من زملائه في العمل القديم، أنّ المعلومات التي حصل عليها خان كانت من النوع «المتوافر» والمنشورة في المجلات العلمية في جزئيات منفصلة.

الأوجه المركّبة لشخصية عبد القدير خان

الجدل الذي صنعه عبد القدير خان ليس مرتبطًا بالبرنامج النووي الباكستاني نفسه، والذي انطلق حتى قبل انضمامه إليه – وإن كان قد أضاف بشكل شخصي مساهمة علمية ثابتة للبرنامج بلا أدنى شك – بل يطول شبكة العلاقات الدولية التي أنشأها على هامش البرنامج النووي.

سواء من خلال علاقاته بالمختبرات البحثية التي عمل فيها في هولندا والتي اتُّهم بسرقة تصميماتها لصالح برنامج باكستان النووي، بالإضافة إلى مجموعة من رجال الأعمال الذين تعاقد معهم من أجل الحصول على مختلف المكوّنات التقنية اللازمة لتشغيل المفاعل النووي؛ وبشكل أكبر، دوره في المقايضات الإستراتيجية التي جرت بين باكستان والعديد من الدول المغضوب عليها غربيًا، للاستفادة من التكنولوجيا النووية الباكستانية؛ وهو ما جعله في نظر البلدان الغربية عنصرًا شديد الخطورة لدرجة مقارنة مدير «وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)» السابق جورج تينيت، عبد القدير خان بأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة.

Embed from Getty Images

الدكتور عبد القدير خان

وتتّهم الأجهزة الأمنية الغربية عبد القدير خان بتكوين شبكة دولية في عدّة قارّات، ضمت العديد من الحكومات الراغبة في امتلاك التكنولوجيا النووية مثل إيران وكوريا الشمالية وليبيا والعراق، وأنّه عمل على تزويد هذه الدول بالتكنولوجيا والموارد اللوجستية والعلمية لتطوير برامجها النووية الخاصة، واتهامه باستخدام شبكة المورّدين التي كان يحصل من خلالها على القطع اللازمة للمفاعل النووي، وتزويد بلدان مثل كوريا الشمالية وليبيا وإيران بها عن طرق سلسلة توريد عبر العديد من البلدان مثل ماليزيا وتركيا ودبي؛ ويتّهم أيضًا بأنّه قد حصل على موارد مالية مقابل هذه الخدمات، من بينها 100 مليون دولار من طرف ليبيا في عهد القذّافي.

لكن هذا التصوّر عن عبد القدير خان باعتباره «مارقًا» استغلّ معارفه العلمية وشبكة التوريد الدولية من أجل التربّح المادي أو تزويد الدول المعادية للغرب بالتكنولوجيا الغربية؛ ما هو إلا تبنٍّ للرواية الأمنية الغربية، التي تنزع عن عبد القدير خان الصفات الانسانية شديدة التركيب، وتختزله في الرغبة المجردة للتربّح المادي.

فقد سمحت السرية المفرطة التي أحاطت بتفاصيل حياة خان، بسبب حساسية منصبه، لوسائل الإعلام والكتّاب الغربيين برسم سردية وحيدة التي تصوره على أنه دكتاتور وعالِم مارق، وجاء تصريح حكومة برويز مشرّف بأن خان كان يعمل «بصورة مستقلة وبدون علم الدولة»، – وهو التصريح الذي يصعب أخذه على محمل الجدّ – ليبدو وكأنه يتفق مع السردية الأمنية الغربية عنه.

إسرائيل تتحسر على نجاته من الاغتيال وباكستان تصدر تأبينًا رسميًّا

غطت الصحف الإسرائيلية خبر وفاته من منظور أمني إستراتيجي، إذ تحسّر الكاتب في صحيفة «هآرتز» يوسي ملمان المتخصص في تغطية الشؤون العسكرية والاستخباراتية، أن عبد القدير خان قد توفي في فراشه لأسباب طبيعية، وأن جهاز «الموساد» لم يغتله مثلما فعل مع عشرات العلماء النوويين حول العالم – آخرها اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زاده -.

واعتبر يوسي ملمان أن خان ليس فقط «أب المشروع النووي الباكستاني» بل «عرّاب المشروع النووي الإيراني» كذلك وأنّه ساعد أعداء إسرائيل في الحصول على تكنولوجيا تغيّر المعادلة الإستراتيجية، وتعجّب من قدرته على النجاة من الموت رغم انخراطه في لعبة جيوإستراتيجية عالمية تعرف بدمويتها وشراستها.

Embed from Getty Images
مراسم تأبين العالم الكبير عبد القدير خان

على جانب آخر، لا يمكن إغفال الوجه الآخر لهذا العالم النووي الباكستاني الذي انتقل إلى أوروبا لأغراض بحثية في الأصل، فإذا كانت الظروف هي التي تصنع مصير الإنسان، فقد وجد عبد القدير خان نفسه خلال عقد السبعينيات – بالخصوص بعد الحرب الباكستانية الهندية سنة 1971 – في خضم أحداث مفصلية في تاريخ باكستان الحديث وسباقها نحو التسلّح النووي، فاختار الانضمام إلى جهود بلاده في الحصول على القنبلة النووية بكلّ ما في ذلك من تبعات، ودفع ثمن هذا الاختيار بكل ما حمله من تضييق السلطات، بغض النظر عن الإشادة والعرفان من طرف الأوساط الشعبية سواء في باكستان، أو في العالم الإسلامي الذي يعتبره البطل الذي وهب العالم الإسلامي قنبلته النووية الوحيدة.

وزير الخارجية الباكستاني السابق رياض محمد خان، والمقرّب من عبد القدير خان، يتبنى رؤية مختلفة أكثر محليّة وحميمية حول العالم النووي، بالنظر إلى علاقة الصداقة التي جمعت بين الطرفين، ففي مقال له نشرته صحيفة «داون» الباكستانية، يشيد بدور عبد القدير خان في تعزيز دفاعات باكستان وإسهامه في دخولها النادي النووي.

كذلك يدين بشدّة ما تعرّض له عبد القدير خان بعد سنة 2003 إثر اكتشاف شبكته الدولية، من تضييق واتهامات حتى من طرف الحكومة الباكستانية نفسها وعدم حمايته والتنصّل من أي معرفة بنشاطاته، وهو التوجّه المدفوع بضغط أمريكي ودولي، في إشارة إلى إجبار خان على تقديم اعتراف واعتذار رسمي متلفز، حتى يجري العفو عنه من طرف الرئيس مشرف، ثم يوضع تحت الإقامة الجبرية والحراسة المشددة وتقيّد حركته إلى غاية وفاته.

يقول وزير الخارجية الأسبق رياض محمد خان: «إن حلقة 2003 كانت قبيحة وغير عادلة ومؤذية للدكتور خان وعائلته، لقد وقعنا في الفخ وعاملنا بسوء بطلاً عظيمًا مفيدًا لوطنه». كما يعطي وزير الخارجية السابق دوافع مغايرة لتلك التي يروّج لها الإعلام الغربي حول نشاط خان الدولي، إذ كانت مشاعر التضامن تجاه العالم الإسلامي المضطهد الذي يرى خان نفسه جزءًا منه، والمآسي التي حصلت في البوسنة وكشمير وفلسطين وغيرها تطغي على خان.

كذلك يؤكد وزير الخارجية السابق في مقاله أن خان كان يؤكد دائمًا أن السلاح النووي ينبغي أن يكون وسيلة لمنع الحرب وليس خوضها، من خلال استخدامه في عملية الردع، وأن العمل على مشروع مماثل ينبغي أن يحاط بحذر وحرص شديد من إساءة استخدامه.

ولعلّ الجنازة العسكرية الرسمية التي حظي بها خان إثر وفاته، والتي شارك بها الآلاف من مواطنيه في العاصمة إسلام آباد، تحتوي على تقدير وعرفان رسمي من الدولة الباكستانية التي ساهم في تعزيز قدراتها العسكرية والإستراتيجية من خلال عمله على المشروع النووي، رغم المضايقات الشديدة التي عانى منها منذ 2003 وإلى غاية وفاته في الدولة نفسها التي خدمها، عبر تقييد حركته داخل البلاد ومنعه من الحديث حول الاتهامات الموجّهة إليه!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد