عقب قضائه ست سنوات في أحد السجون السعودية، توفي الناشط الحقوقي السعودي، عبد الله الحامد (69 عامًا)، المعتقل في أحد السجون السعودية منذ سنوات بتهمة «ازدراء الحكم»، وفقًا لما أفاد به ناشطون. الحامد يُعد أبرز رموز «التيار الإصلاحي» داخل المملكة، والذي دعا قبل ذلك عبر مؤلفات ومقالات نشرها إلى التمسك بالمنهج الإصلاحي، والدعوة لما سماها «بالملكية الدستورية» في السعودية.

التقرير التالي يحاول استعراض مسيرة الرجل السياسية، وأبرز محطاته التي ظل خلالها متمسكًا بأفكاره غير عابئ بالضغوط أو سنوات السجن التي كانت نهايته في أحد زنازينها كما توقع في أحاديث سابقة له مع زملائه وطلابه.

عبد الله الحامد.. الإصلاحي الذي ظل متمسكًا بآرائه

خلافًا لأطروحات المعارضة الجذرية الرامية لإسقاط خُكم الأسرة الحاكمة داخل المملكة التي أطلقها أمراء منشقون من آل سعود، أو نشطاء سعوديون في الخارج، أسس عبد الله الحامد، الأكاديمي والمُثقف السعودي، منهاجًا جديدًا من داخل المملكة، حاول من خلاله التعاطي مع منظومة حُكم المملكة باعتبارها مهيأة للإصلاح، وليس الإسقاط كما تروج وجهات النظر الأخرى، مُدافعًا عن فكرة الإصلاح من داخل منظومة الحُكم، على أسس شرعية وفقهية وليس من منظور الديمقراطية الغربية.

ومن هذا المنظور أطلق أبو بلال، كما ذاع صيته، المولود ببلدة بريدة عام 1950، حركة الملكية الدستورية في السعودية، التي  طالب من خلالها بإعادة صياغة العقد أو العلاقة بين الأسرة الحاكمة والشعب من حكم الملكية المطلقة إلى ملكية دستورية جديدة تعتمد المشاركة والعدل والحرية.

وهو في هذا المطلب لا يؤيد وجهة نظر المجموعات الأخرى التي ترى أن الإصلاح مستحيل بوجود حكم آل سعود، ولا سبيل للإصلاح إلا بإزالة النظام الملكي من جذوره وإقامة حكم شعبي منتخب، والتي يروج لها المعارض السعودي سعد الفقيه.

وعكست المؤلفات – التي أصدرها عبد الله الحامد الحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الأزهر – خطوطًا عامة عن شخصيته وأفكاره، والتي شملت ستة مؤلفات ناقش خلالها قضايا الحرية والإصلاح من منظور شرعي وفقهي، وهي «حقوق المتهم.. بين الإسلام وغبش الفقهاء والحكام»، و«الكلمة أقوى من الرصاصة»، و«البرهان بقوامة الأمة وسيادتها على السلطان من خلال صريح القرآن»، و«الطريق الثالث الدستور الإسلامي»، و«البحث عن عيني الزرقاء»، و«تعليم القرآن الكريم».

تتشابه خلفية الحامد كثيرًا مع الكاتب السعودي الراحل جمال خاشقجي في نظرته للشأن الداخلي للمملكة؛ فكلاهما لم يعارضا مُسألة الملك وولاية العهد، ولم يقدما نفسيهما باعتبارهما مُعارضين، بقدر ما يعتبرون ما يطرحونه محاولات للإصلاح، والدعم لمنظومة الحكم عبر تقديم النصح والإرشاد.

عربي

منذ سنتين
جمال خاشقجي: التقيت ولي العهد السعودي مع بعض المعتقلين.. وأنا لست معارضًا!

ويتقاطع هذا ما ذكره أو بلال في مؤلفه «الطريق الثالث الدستور الإسلامي» والتي ناقش خلالها  فكرة أن النظام الدستوري هي صورة متجلية من النظام الشوري. الواضح من هذه المقالات تركيزه الشديد على جانب استقلال القضاء ونزاهته والمعايير التي تحكمها. تحدث أيضًا بإسهاب عن سمات المجتمع المدني، ورد على بعض المفاهيم الشائعة في الخطاب الديني المرتبك من مسألة التشريع، والبيعة، والحاكمية.

ولهذا تحدث خاشقجي في لقاء تلفزيوني قبل موته ببضعة أسابيع عن حامد واصفًا إياه بأنه «رجل مثقف، وحركة الإصلاح الدستورية التي أطلقها هي حركة متقدمة جدًا. ونحن كسعوديين علينا أن نكتشفها. المُبادرة فيها إبداع دستوري، والجميل فيه أن الشخص الذي أطلقها غير أجنبي، ليس مستوردًا. لكنه من التربة السلفية السعودية الخالصة. عبد الله الحامد مثقف، لكن خلفيته إسلامية راسخة».

أمام مطالب الرجل الإصلاحية، كانت المملكة تمضى نحو حصار أي صوت يغرد خارج الدوائر الرسمية، لتعتقله في عام 2013 مع ناشط آخر هو محمد القحطاني، وحكم عليهما بالسجن 10 و11 سنة على التوالي، بتهمة ارتكاب مجموعة من الجرائم. كان أبرز هذه التهم التي وجهتها لعبد الله هي «التحريض على الفوضى، وتفتيت الوحدة الوطنية، وتدمير قدرات الأمة ومكاسبها، وزرع بذور الشقاق والمعارضة. ونشر معلومات على الإنترنت تتعلق باستجوابه، بعد تعهده بعدم نشر مواد لأغراض التحريض والتأثير على الرأي العام والمحاكمة العادلة».

جاء هذا الاعتقال بعد 10 جلسات للمحكمة بدأت في يونيو (حزيران) 2012، معظمها تم عقده سرًا، حتى الجلسة الأخيرة التي دعت لها وسائل الإعلام وأفراد الأمن، وصدر فيها الحكم بسجن الرجلين. وتشديدًا في التضييق على الرجلين،  نال الرجلين فترة حظر سفر مساوية لفترة السجن، لتبدأ بعد الانتهاء من عقوباتهم. كما حلت المحكمة جمعية الحقوق المدنية والسياسية السعودية، اللذان أسساها، وصادرت أصولها ووقف أنشطتها، بتهمة الفشل في الحصول على ترخيص رسمي.

التضييق لاحق كُل من زامل عبد الله، لتبدأ السلطات بعد ذلك في إصدار سلسلة قرارات اعتقال بحق زملاء له في الجمعية الحقوقية، وتصدر بحقهم أحكامًا بالسجن لسنوات، كان أبرزهم محمد صالح البجادي العضو المؤسس في الجمعية، وسليمان إبراهيم الرشودي، وهو أحد المدافعين عن حقوق الإنسان في السعودية ومدير الجمعية.

سبق هذا الاعتقال أكثر من محاولة اعتقال له كا أبرزها في العام 2004 على خلفيّة مطالبتهم بـ«إصلاح سياسي»، وعرفت قضيّتهم إعلاميًا باسم «الإصلاحيين الثلاثة»، قبل أن يُفرج عنه وتعاود السلطات اعتقاله مجددًا.

مضى الأكاديمي السعودي الذي كتب الشعر، متمسكًا بنهجه الإصلاحي في أشد ظروف اعتقاله، متمسكًا بالخطاب الذي أطلقه حتى وهو في السجن حين خاطب السلطة في أحد مرات اعتقاله قائلًا: «أصبح الآن المصلحون هم المخربون ومعطلو عجلة التنمية، يكرهون النصيحة، يكرهون المصلحين».

متمسكًا بمطلب الإصلاح، مضى حامد في جلسات محاكمته، غير متنازل أو متراجع عما نشره من أفكار، حين سأله أحد  القضاة  خلال الجلسة التي عقدت في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 في الرياض، عن رأيه في شعار «الملك ولي أمرنا»، ردّ المدعى عليه أن «الشعب ولي أمرنا»، وأصبحت عبارته فيما بعد شعارًا لمجموعات المعارضين المختلفة.

ظروف الاعتقال الأخيرة التي تعرض لها عبد الله الحامد كانت عاملًا رئيسًا في تدهور حالته الصحية، ليُصاب بجلطة دماغية قبل أسبوعين، في سجن الملز بالرياض، وتتشدد السلطات السعودية في منحه العلاج الطبي المناسب، ليسقط في النهاية «كضحية جديدة في السجون السعودية التي توقع أن تكون نهايته فيها»، وذلك وفقًا لشهادات عدد من أصدقائه تحدثوا خلالها عن أيامه الأخيرة.

من بين هؤلاء نواف القديمي، أحد تلاميذ عبد الله الحامد، الذي نشر تغريده عبر سابه على موقع «تويتر»، نعاه خلالها، قائلًا: «رحل شيخنا وأستاذنا أبو بلال، توفي كما يليقُ بمثله أن يفعل، حياةٌ حافلة بالنضال الحقوقي من أجل الحريات والديمقراطية، أنتجت ست مرات اعتقال، و15 كتابًا، وسيرة شُجاعة ومُلهِمة. توفي د.عبد الله الحامد في السجن كما كان يتوقع. رحمه الله، ورفع درجاته، وإنا على فراقِك يا شيخنا لمحزونون».

بينما روى الأكاديمي السعودي المقيم في أمريكا عبد الله العودة في تغريدة على حسابه بموقع «تويتر» قائلًا :«رمز الإصلاح د. #عبدالله_الحامد بعد إهمال طبي متعمّد داخل السجن، وتأخير لعملية القلب، وتركه لساعات في زنزاته بعد أن أغمي عليه بسبب الجلطة الدماغية التي أصابته. ورحل عنّا تاريخ بأكمله من النضال المجيد».

سياسة

منذ 3 سنوات
من داخل العائلة وخارجها.. كيف أصبحت المعارضة السعودية تخيف الحكومة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد