«الربيع العربي انتهى، والعمل الآن هو إنقاذ تونس من منظومة الخراب التي جاءت بها الثورة الوهمية التي أُنجزت في الغرف المغلقة لدوائر المخابرات الأجنبية لإسقاط البلاد وتحويلها إلى دولة فاشلة» *عبير موسى، رئيس الحزب «الدستوري الحر».

لا يكاد يخلو يوم من تصريح جديد حاد لعبير موسى تتوعد فيه كل شيء يخالف عقيدة «أزلام بن علي»، أو يدعم التغيرات التي حدثت بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011. ليظهر أي مراقب لتصريحات وتحركات عبير موسى أنها تهدف لضرب مسار الانتقال الديمقراطي في تونس معتمدة الآن على تحقيق نجاح يرضي أطرافًا عدة ـ أولها الإمارات ـ في الانتخابات التشريعية والرئاسية القريبة في تونس.

عبير موسى.. سياسية تستغل حنين التونسيين لـ«زمن» بن علي

ولدت التونسية عبير موسى عام 1975، درست الحقوق وحصلت على دراسات أخرى في قانون الأعمال والقانون الاقتصادي، وتتولى الآن منصب الأمين العام المساعد للتجمع الدستوري الديمقراطي، المكلفة بشؤون المرأة، والأمين العام للحزب «الدستوري الحر».

عبير موسى

تحوّلت عبير موسى إلى ظاهرة تثير اهتمام الرأي العام بخطابها المهاجم للتيار المهيمن على الساحة السياسية في تونس، وهو خطاب يثير بالأكثر اهتمام أبناء الطبقات الشعبية الذين ضجوا من تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية عقب الثورة، حتى رأى البعض منهم أن إسقاط نظام الرئيس المخلوع زين العابدين عاد عليهم بالفقر والتهميش.

وتكاد عبير موسى لا تفوت يومًا دون إظهار العداء لثورة 2011 ولحزب «النهضة» التونسي والولاء للنظام السابق من خلال خطاباتها وتصريحاتها وتعقيباتها على الأحداث التونسية. ولذلك جاء تأسيس حزبها منبثقًا من تجربة الحزب «الحر الدستوري» الذي أسّسه الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، و«التجمّع الدستوري الديمقراطي» المنحل الذي أسّسه بن علي.

وتؤكد عبير موسى دومًا أمام مؤيديها أنها لن تعترف «بثورة 14 يناير 2011، وأن الدساترة عائدون بقوة للساحة السياسية لإنقاذ البلاد من الإرهاب، وأنها لا تعترف بالدستور المنبثق عن المجلس التأسيسي، وأن حزبها بصدد إعداد دستور مغاير».

وبالحديث إليه يشير الباحث التونسي كريم المرزوقي أن هناك موجة ردّة وحنين للديكتاتورية تخترق المشهد السياسي الجديد، وتستغل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بسبب فشل السياسات الحكومية في تونس.

ويوضح المرزوقي أن  عبير موسى لا تعمل إلا على استغلال حنين جزء من التونسيين لزمن ما قبل الثورة، وهو في الحقيقة وفي عمومه ليس حنينًا لجرائم الاستبداد ولانتهاك الحقوق، بقدر ما هو حنين لفترة يراها عدد من التونسيين كانت توفر الحد الأدنى من القدرة الشرائية، واستقرار الأسعار، وقدرة أجهزة الدولة على مواجهة الانفلات بمختلف أنواعه.

مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «تستثمر عبير تردي الوضع الاجتماعي والاقتصادي بعد الثورة، وهي تقدم خطابًا «جاذبًا» بالنسبة لجزء من التونسيين يرى في الثورة «مؤامرة». وهذا الخطاب غير المتصالح بعدُ مع الثورة يحمل صبغةً شعبويةً يجعلها في أقصى المشهد السياسي، وتستند في حزبها على الشبكة المحلية القاعدية لـ«حزب التجمع» المنحل، وهي شبكة ناشطة ميدانيًا خاصة في المناطق الداخلية والأرياف التونسية».

من جانبه، لا يعتقد المدير السابق لـ«»المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية» ـ طارق الكحلاوي ـ أن عبير موسى والخبراء الذين استقدمتهم من خزان المنظومة القديمة قادرون على اقتراح بدائل جدية وفعالة، ويدلل على ذلك بالقول لـ«ساسة بوست»: «لم يفعلوا ذلك طوال ثلاثة عشريات، ولم يستطيعوا إنقاذ منظومة الاستبداد، هم فقط بصدد التعلم والتأقلم في المنظومة الديمقراطية».

هل يعود رجال بن علي قريبًا إلى حكم تونس؟

هل تكون عبير موسى فاعلًا رئيسًا في الانتخابات القادمة؟

«رجاء فيقوا يا نخبة تونس! يا إعلاميي تونس! ورياضيي تونس! وفناني تونس! لا تخذلوا تونس، ولا تسلّموها مرّة أخرى للخوانجية في 2019، حطّوا يديكم معانا وخلّصوا تونس منهم»، بهذه الكلمات نادت عبير موسى جمهورها والدموع تنساب على وجهها يوم 19 يناير 2019 وهي تحتفل مع حزبها بالذكرى 67 لاندلاع الثورة التونسية عام 1952، تلك الثورة التي لا تعترف إلا بها.

فهي ومنذ أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس عن روزنامة الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019 في الخريف القادم، تمضى متخذة من معاداة الإسلاميين والدعوة إلى إقصائهم ركيزة في برنامجها الانتخابي. وترتكز وحزبها على لعب ورقة المشاركة الكثيفة في الانتخابات التشريعية، خصوصًا بعد النتائج الإيجابية التي حقّقها الحزب مقارنة بمنافسه «حزب المبادرة».

فقد برز اسمها في المرتبة الرابعة في نتائج سبر الآراء للشخصيات التي يرى التونسيون أنّها الأقدر على قيادة البلاد لشهر فبراير (شباط) الماضي، مستبشرة باستمالة أكبر عدد من أنصار النظام السابق، الأمر الذي يثير ريبة التونسيين من أن تعيد الانتخابات القادمة فلول النظام السابق إلى تونس؛ إذ قالت عبير موسى: «سنكتسح البرلمان التونسي بقوة وحكومتنا القادمة لن تضم الإخوان».

يقول الكاتب والمحلل السياسي التونسي نزار مقني: «لم أر في الخطاب الذي قدمته عبير موسى أي برنامج اقتصادي، أو اجتماعي واضح؛ فهي تعتمد على خطاب تحريضي، وعلى حجج شعبوية؛ لتصل إلى نقطة تكون فيها هي المرشحة التي سوف يتم التصويت لها لمعاقبة ائتلاف الأحزاب الموجود في السلطة»، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «الإمارات تلعب على عدة حبال في تونس، وتعاضد كثير من الأحزاب المعارضة للنهضة، وبما أن خطاب عبير مرتكز على معاداة الحركة، فإن ذلك يخدم أجندة أبوظبي في تونس».

وشنت عبير موسى خلال الأيام الماضية هجومًا على تعديل القانون الانتخابي الذي يقضى برفض ترشح من لا يحترم النظام الديمقراطي ومبادئ الدستور، أو من يدعو إلى العنف والتمييز والتباغض، أو من يمجد النظام الديكتاتوري السابق وممارسة انتهاكات حقوق الإنسان، أو من يمجد الإرهاب. إذ ترى عبير موسى أن هذا القانون يستهدفها بالإقصاء من الانتخابات، فقالت وهي تحذر من المصادقة على تنقيح القانون الانتخابي: «إياكم ثم إياكم أن تصوتوا على هذا القانون.. حذارِ.. لحمنا مٌرْ، ولن تمر مثل هذه المخططات».

وفيما يتعلق بالمصادقة على القانون الانتخابي الذي تم في اليوم الثامن عشر من الشهر الجاري، يبين الباحث كريم المرزوقي أن القانون بصيغته الحالية لا يمس بصفة مباشرة «الحزب الدستوري الحر» ورئيسته عبير موسى، لكنه يمثل ناقوس تحذير ورسالة واضحة في علاقة بالخطاب الذي تروجه عبير. إذ أضاف التنقيح فصلًا جديدًا يمكّن هيئة الانتخابات من رفض ترشحات كل من يثبت قيامه بشكل صريح ومتكرر بخطاب «لا يحترم النظام الديمقراطي ومبادئ الدستور والتداول السلمي على السلطة أو يهدد النظام الجمهوري ودعائم دولة القانون» أو «يدعو للعنف والتمييز والتباغض بين المواطنين» أو «يمجد ممارسة انتهاك حقوق الإنسان».

ويشير المرزوقي إلى أن «استطلاعات نوايا التصويت تعطي حزب عبير مراتب متقدمة في حدود 10% من الأصوات في المرتبة الثالثة، ما يجعلها قد تمثل فاعلًا داخل المشهد البرلماني بعد 2019، ولكن لن تكون فاعلًا رئيسًا؛ إذ لا ينتظر تغيرًا جوهريًا في التمثيلية البرلمانية».

عبير موسى.. عرابة المصالح الإماراتية في تونس

في 26 أبريل (نيسان) 2019 عقد «الحزب الدستوري الحرّ» ندوة صحفية، توسط حضورها السفير الإماراتي بتونس، راشد محمد جمعة المنصوري، الذي واكب تقديم عبير موسى برنامج حزبها الاقتصادي والمالي والاجتماعي في المرحلة القادمة.

لم يمر هذا الحضور «مرور الكرام»، لقد أحدث ضجة كبيرة تركزت حول نقطتين: أولهما أن حضور السفير لندوة صحافية عمومية لحزب هو مخالفة صريحة للأعراف الدبلوماسية، وثانيهما أن من استضاف السفير هي رئيسة الحزب التي طالما هاجمت «حزب حركة النهضة»، متهمةً إياها «بالعلاقات المشبوهة مع دول أجنبية».

كما تورطت عبير موسى مع السفير الإماراتي نفسه، إذ غضب المنصوري من تعاطي الاعلام التونسي مع حضوره الندوة السابقة، إذ كان قد تلقى ضمانات من الحزب بعدم الإساءة لحضوره، لكن الإعلام التونسي انتقد هذا التدخل الواضح في السياسة التونسية من دولة الامارات.

بيد أن هذا الموقف لن يزعزع ثقة الاماراتيين في عبير موسى؛ إذ يولي الإعلام الإماراتي اهتمامًا كبيرًا بتحركاتها وتقديمها على أنها «الشخصية السياسية المثالية التي تحظى بإعجاب التونسيين».

ويتغلغل دور عبير موسى ـ التي ورد اسمها في وثيقة سرية كشفت عن سعى الإمارات لإعادة رموز نظام المخلوع زين العابدين بن علي إلى الواجهة ـ في المشهد التونسي ضمن خطة كاملة تقودها جهات معادية لثورات الربيع العربي؛ لضرب المسار الانتقالي في تونس.

يشدد الباحث التونسي كريم المرزوقي على أنه يوجد خيار إماراتي واضح بضرب المسار الديمقراطي التونسي والاستثمار في أي مخطط يهدد لإرباك هذا المسار أو إسقاطه، وذلك بدلًا عن استثمارها في الاقتصاد التونسي، ودعم هذه التجربة الديمقراطية الفريدة في المنطقة العربية.

ويقول المرزوقي: «عبير موسي تتصدر خطابًا إقصائيا يبيّض جرائم الاستبداد، ويهدد الإسلاميين بإعادتهم للسجون، وهو ما ترمي الإمارات إلى تحقيقه كما فعلت في مصر مثلًا. بهذا المعنى نجد التقاءً بين الطرفين». وبرغم تأكيد المرزوقي على أن التونسيين طيلة ثماني سنوات أثبتوا قدرتهم على حماية ديمقراطيتهم الناشئة من كل المخاطر والتهديدات، إلا أن اليقظة والحذر مطلوبان دائمًا، على اعتبار أن المحور الذي تقوده السعودية والإمارات يرى في التجربة التونسية نموذجًا لافتًا للديمقراطية أمام العالم، ومثالًا يسعى الجيران في المنطقة العربية للاقتداء به. وعليه يجب على هذا المحور إفشاله بكل الطرق.

الأموال مقابل الولاء.. التدخل السعودي في تونس «يحمل بصمات حرب اليمن»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد