بات الإجهاض أمرًا غير مستهجن لدى العديد من السوريين – بالرغم من الخلاف المجتمعي والشرعي عليه – بسبب حالة الحرب التي تعيشها سوريا منذ تسع سنوات، ووقوع العديد من السوريات ضحايا جرائم اغتصاب، أو تعرضهن للقصف بأسلحة النظام الكيماوية؛ ما أدى إلى تشوه الأجنة في أرحامهن، إذ صنفت الأمم المتحدة الأزمة السورية واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين وكارثة صحية عامة، منذ 15 مارس (أذار) 2011.

وبالرغم من أن عمليات الإجهاض حضرت بشكل جلي في الساحة السورية – دون رقابة – إلا أن الأرقام أو الإحصاءات الرسمية حول هذا الإجراء غائبة عن المشهد، ولا يعرف منها سوى الشهادات والمشاهدات المتداولة.

ووفقًا لتقرير أصدرته منظمة الصحة العالمية في سبتمبر (أيلول) 2020 تبين أن حوالي 25 مليون امرأة تجهض سنويًا بشكل غير آمن في العالم، تقع 97% منهن في البلدان النامية بأفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية.

الجوع والفقر وهجرة الشباب والاغتصاب.. أسباب الإجهاض في سوريا

على الرغم من أن الأرقام التي تقدر على الصعيد العالمي أنه ما بين ثمانية إلى 18% من وفيات الأمهات حول العالم ناتجة عن عمليات الإجهاض غير الآمن، والتي تحدث كلها تقريبًا في البلدان التي يُحظر فيها الإجهاض أو يقيده بشدة، بحسب منظمة «هيومن رايتس ووتش»، فإن الحالة السورية لها زاوية أخرى.

يعتبر الناشط في المجال الإغاثي والاجتماعي عبيدة رزق أن «العنف الجنسي في مناطق النزاع من أهم الأسباب التي ترغم الفتيات على حالات الإجهاض، وبرر ذلك من خلال مناشدات أهمها كان من قبل مركز العدل العالمي الذي أطلق عريضة بعنوان «احترموا حق ضحايا الاغتصاب في الإجهاض في سوريا»، فضلًا عن أن أسباب الهجرة والنزوح الداخلي سبب مرحلة متقدمة من عمليات الإجهاض نتيجة عدم وجود استجابة مبكرة للنازحين؛ ما أدى إلى كثرة الإجهاض لدى النساء، ولا سيما في مراحل الحمل الأولى دون الالتزام بالوازع الديني أو القانون».

من ناحية أخرى يعد الزواج المبكر سببًا من أسباب إجهاض النساء اللواتي تزوجن في مقتبل العمر، وتطلقن، أو غاب عنهن أزواجهن، ولجأن إلى العيش بمفردهن، كما يرى رزق. فخلال سنوات الحرب ارتفعت نسبة الزواج المبكر في سوريا من 13 إلى 46%، كما أعلنت المسؤولة عن برنامج مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي في صندوق الأمم المتحدة للسكان، وداد بابكر.

ومع أن سوريا من الدول التي تتبع قوانين مقيدة للإجهاض، تشير مجلة «فارميسيا» الطبية إلى أن دراسة استقصائية أجريت على الصعيد الداخلي عام 2006 سُئلت فيها النساء عما إذا كن قد أجرين إجهاضًا مقصودًا، فجاءت النتائج أن 4% من النساء المتزوجات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 إلى 49 عامًا أُجهضن مرة واحدة على الأقل إجهاضًا مقصودًا.

عربي

منذ 5 شهور
بالأرقام.. 10 أشباح تطارد المواطن يوميًّا في سوريا

وإذا استثنيت فتيات الدعارة من إجراء عمليات الإجهاض، فإن رزق يرى خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أن مجمل الدوافع التي حضت الفتيات على الخوض تجربة الإجهاض تندرج تحت الفقر والجوع وهجرة الشباب، وارتفاع نسب الفتيات العزاب، فالعلل الاقتصادية التي سببتها الحرب في سوريا ساهمت في إزهاق الأرواح التي لم تولد، على حد تعبيره.

جدير بالذكر أن القانون السوري لم يتعرض لتعريف الإجهاض بشكل صريح، وإنما عرفته محكمة النقض السورية بقولها: «إنه عمل عمدي يقصد به تحقيق نتيجة معينة، هي إسقاط الجنين قبل الميعاد المحدد». وحددت المحكمة ثلاثة أنواع من الإجهاض: العفوي الذي يتم من ذاته دون تدخل خارجي من أحد. والدوائي عبر إفراغ محصول الحمل لإنقاذ حياة الأم، ويكون إما دوائيًا، أو جراحيًا، والثالث الذي فرضت له القوانين، ويستوجب العقوبة والمسؤولية، ويُعرف بالجنائي الناتج عن عملية تفريغ محتوى رحم الحامل دون مبرر طبي.

وقد عاقب القانون السوري المرأة التي تجهض نفسها بما استعملته من وسائل، أو استعمله غيرها برضاها بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وتشدد عقوبة الفاعل إذا أفضى إلى الموت حتى تصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة من أربع إلى سبع سنوات، وفقًا لأحكام المادة «528»، من قانون العقوبات السوري الفقرة الثانية.

وجاء في الفقرة الثالثة منها: «تكون العقوبة من خمس إلى 10 سنوات إذا تسبب بالموت وسائل أشد خطرًا رضيت بها المرأة»، مع العلم بأن القانون قد منح المرأة التي تجهض نفسها للحفاظ على شرفها عذرًا مخففًا، وفقًا لأحكام المادة «531» من القانون ذاته لتصبح العقوبة الحبس من ستة أشهر إلى سنتين.

دمشق مقصد للإجهاض!

تحدث موقع «بزنس تو بزنس» الموالي للنظام السوري أن مصادر طبية كشفت عن أن عدد حالات الإجهاض في سوريا نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 بلغت ما يقارب 15 ألف حالة، منها 3 آلاف حالة كانت نتيجة علاقات غير شرعية، و4 آلاف حالة نتيجة تقدم في العمر، وخاصة النساء اللواتي تجاوزن سن الأربعين سنة، مشيرة إلى أن مثل هؤلاء النساء يقدمن على الإجهاض نتيجة نظرة المجتمع لهن، وأنهن بلغن سن اليأس!

وتوضح طبيبة نسائية سورية، فضلت عدم الكشف عن اسمها لـ«ساسة بوست»، أنه خلال السنوات الأخيرة ارتفعت نسبة النساء اللواتي يرغبن في عمليات الإجهاض بطريقة غير شرعية، إذ يجبر القانون في سوريا الأطباء على إرفاق تقرير طبي للحالة الراغبة في عملية الإجهاض على إحدى حالتين: إما أن الجنين قد توفي. أو أن الجنين يسبب حالة خطرة للأم.

وتؤكد الطبيبة أن عشرات الأطباء في الوقت الراهن مستعدون لإجراء عمليات الإجهاض إذا امتنع طبيب واحد، إذ ترد العيادة ما يقرب من حالتين إلى ثلاث يوميًا، لمحاولة إقناعهم بإجراء العملية بإغراء مالي، وابتزاز عاطفي.

وتُجرى العملية لهن إما عن طريق جراحة بسيطة داخل العيادة للحامل في الأشهر الأولى، أو عن طريق صرف وصفة طبية (حبوب محرضة على الإجهاض) لمن مضى على حملها أكثر من ثلاثة أشهر، فأحيلت إلى المستشفى لإجراء العملية بحالة إسعافية.

وتعتبر سوريا مقصدًا سهلًا وقريبًا للراغبين في إجراء عملية الإجهاض لمن لا يمتلك المال الكافي في لبنان نظرًا لارتفاع أجور عمليات الإجهاض لما يقارب 1500 دولار أمريكي هناك.

فبحسب إحدى الشهادات لصحيفة «الأخبار اللبنانية»، «لم تكن ثمة حاجة للبحث عن طبيب؛ إذ يسهل الوصول إليهم عن طريق الوسيط، لبناني يُحضر لك سيارة تاكسي تنقلك من بيروت، وينظّم أوراق السفر على الحدود، ثم سريعًا إلى العيادة، ومن هناك إلى بيروت مجددًا بكلفة 50 دولار للرحلة، ومثلها للعملية، ويمكن إجراؤها في أية عيادة نسائية».

المحامي المتخصص في قضايا الأحوال شخصية، معن المسالمة، يقول لـ«ساسة بوست»: إن «السنوات العشر الأخيرة لم تشهد رفع قضية واحدة حول الإجهاض الجنائي في محاكم دمشق وريفها، ولم يرد ذكر قضية واحد في مناطق سيطرة النظام السوري، فهنالك رضا شبه رسمي حول مراكز الإجهاض غير المرخصة».

وبهدف الرشوة والضغط على الراعين لهذه العمليات غير الشرعية، يُير فرع الأمن الجنائي التابعة للنظام السورية دوريات شهرية على العيادات والمراكز التي ظاهرها عيادات تجميل، ولكن تقوم بعمليات الإجهاض الصغيرة، والتي لا تستدعي وجود أخصائيين، أو غرفة عمليات بآلات حديثة، وفق المحامي معن المسالمة.

فوضى طبية في مناطق المعارضة

توضح الصيدلانية صفا عماد لـ«ساسة بوست» أن عمليات الإجهاض من قبل العيادات غير المعترف بها بشكل رسمي في المناطق التي لا تخضع لسلطة أو قانون؛ غالبا ما تعتمد على دواء «ميفيبريستون» – يؤخذ عن طريق الفم – الذي يوصف من قبل الطبيب في حال جرت عملية الإجهاض بشكل فردي في المنزل، وهذه العملية تتم غالبًا للفتيات في الأسابيع السبع الأولى من الحمل؛ إذ يدفع الدواء الرحم إلى الانقباض، ولفظ الجنين.

عربي

منذ 5 شهور
جاء مع الميليشيات الإيرانية.. هذه الأسباب قد تُعزز انتشار «زواج المتعة» في سوريا

أما إذ تخطت الحامل الشهرين الأول والثاني، فتشير صفا عماد إلى أن «العيادة المختصة تقوم بإجراء عمل جراحي خارجي يستغرق نصف ساعة لإخراج الجنين عبر المقص الطبي، وفي الوقت الحديث أصبح إجراؤها أمرًا طبيعيًا حتى دون الحاجة لوجود أطباء تخدير».

وللوقوف على إحصائية رسمية حول عمليات الإجهاض، وكيفية التعامل مع الوصفات الطبية الخارجية وتنفيذ الجراحة دون ترخيص طبي ضمن العيادات، تواصل «ساسة بوست» مع وزارة الصحة في الحكومة المؤقتة ومكتب الصحة التابعة لحكومة الإنقاذ في إدلب؛ لكن لم يتلق إجابة من الأخيرة، أما الأولى فاكتفت «بأنه لا توجد إحصائية رسمية لعدم انتظام الأمور الإدارية والعسكرية في المنطقة».

أما في مناطق شمال وشرق سوريا التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية الكردية، أشارت منظمة «وومن ديفند روج آفا» في يناير (كانون الثاني) 2020، أن حالات الإجهاض بين النساء النازحات في شمالي شرقي سوريا تصاعدت، إذ ارتفعت ما لا يقل عن أربعة أضعاف عدد حالات الإجهاض منذ أكتوبر 2019، وأشار الطبيب في مستشفى الولادة في كوباني أن هناك ما يقرب من 80 حادثة في الشهر، معزيا الزيادة إلى مستويات شديدة من النزوح والصدمات والحرمان.

وحول أوضاع النساء والفتيات المحاصرات بسبب التدهور المتزايد في الوضع الإنساني في سوريا، عبّر صندوق الأمم المتحدة للسكان المعني بالصحة الجنسية والإنجابية عن قلقه المتزايد.

ومع دخول النزاع عامه العاشر، لا تزال النساء والفتيات يتحملن وطأة هذه الأزمة ويكافحن من أجل البقاء خاصة في شمال البلاد؛ إذ يقدر عدد النازحين بحوالي 960 ألف شخص منذ ديسمبر (كانون الأول) 2019، 80٪ منهم من النساء والأطفال، وحوالي 25 ألف منهن حوامل حاليًا.

وأخيرًا.. القانون سهَّل الأمر على السوريين في تركيا

يقول أبو محمد محير أحد اللاجئين السوريين في تركيا لـ«ساسة بوست»: إن القاطن ضمن الأراضي التركية يمكنه إنهاء الحمل بشكل قانوني حتى نهاية الأسبوع العاشر، وفي حالة الضرورة الطبية، من القانوني إنهائه بعد الأسبوع العاشر، «فكان سهل على اللي غير قادر على إعالة عائلته أنو يتخلص من الطفل في الأسابيع الأولى، وأغلب اللي بيسقط بيكون بين مفلس أو الجنين يكون مشوه».

تظهر دراسة لـ«هيئة إدارة الكوارث والطوارئ» برئاسة الوزراء التركية، أن 23٪ من النساء السوريات في تركيا تعرضن للإجهاض، 11٪ منهن تعرضن للإجهاض الطوعي، إذ يوجد في تركيا ما يصل إلى 63.4٪ من إجمالي اللاجئين السوريين في العالم وفقًا لبيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين.

يعيش 6٪ من اللاجئين السوريين في المخيمات التي أنشأتها الحكومة التركية، والباقون منتشرون في أنحاء البلاد في تركيا، 46٪ منهم من الإناث، و51.2٪ من هؤلاء الإناث في سن الإنجاب (15- 49 سنة).

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة التركية لا تعترف بالسوريين بوصفهم لاجئين، ولكنها تمنحهم «وضع الإيواء المؤقت»؛ بسبب القيود الجغرافية لاتفاقية جنيف لعام 1951، ولكن تم تنفيذ سلسلة من التشريعات التي سمحت للسوريين المسجلين بالحصول على الخدمات الصحية والاجتماعية الأساسية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد