واليوم بلغت جمهورية الضباط امتدادها الأوسع. لذا فإن تقليصها وردّها إلى حجمها الطبيعي سيكون عملية دقيقة وطويلة تستغرق سنوات عديدة.

كان هذا هو ما تنبأ به يزيد صايغ في دراسته “فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر“، التي أطلقها في أغسطس 2012 ضمن إصدارات مركز كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط. ولأنَّ الضباط في مصر الآن يحظون بنفوذ متزايد وسلطة واسعة، نعيد عرض هذه الدراسة.

يزيد صايغ هو أحد الباحثين الرئيسيين في المركز وقد عمل أستاذا (بروفسور) لدراسات الشرق الأوسط في جامعة كينغز كولدج لندن، كما عمل صايغ مستشارًا ومفاوضًا في الوفد الفلسطيني إلى محادثات السلام مع إسرائيل في الفترة بين 1991- 1994، ومن مؤلفاته الأردن والفلسطينيون و الأسلحة المدفعية في الشرق الأوسط، وكان أحدثها دراسته الفرصة الضائعة: السياسة وإصلاح الشرطة في مصر وتونس التي صدرت قبل أيام وتناولت الفرصة التي سنحت مع أحداث الربيع العربي لإصلاح القطاع الأمني في كل من تونس ومصر وكيف تم التعامل معها.

وفي هذه الدراسة يسبر صايغ أغوار ما أسماها “جمهورية الضباط في مصر” وخباياها كاشفًا عن الكثير من امتيازاتها، ومحذرًا من أن هواجس الضباط حيال رواتبهم وظروفهم المعيشية حقيقية. ودعا فيها الأحزاب السياسية في مصر للتوصل لتوافق قوي للحد من السلطات الاستثنائية التي كان المجلس العسكري يسعى لتضمينها في الدستور الجديد أثناء حكم المجلس العسكري. كان نداؤه “من أجل تجنب قيام وصاية عسكرية صريحة” لكن يبدو أن صوته لم يصل بعيدًا.

فكيف تكونت هذه الجمهورية منذ البداية؟ – التي شكلت قبل ثورة يناير 2011 أداة للسلطة الرئاسية وكيف وإلى أي مدى تغلغل نفوذها داخل أجهزة الدولة؟ بحيث بدت – مبكرًا جدا – خطرا على المسار الديمقراطي الذي وضعت مصر أقدامها على بداياته؟

مصر في قبضة الضباط  

ظهرت جمهورية الضباط في أعقاب الإطاحة بالحكم الملكي في مصر عام 1952 وخصوصا بعد تثبيت الرئيس جمال عبد الناصر نفسه رئيسا للبلاد عام 1956، وبدت عاملَ تغيير اجتماعيًا حيث أشرفت على إعادة توزيع الأراضي وتطبيق السياسات الاشتراكية.

وفي عهد مبارك تم دمج القوات المسلحة بالنظام فتخلت عن مهمتها الأيديولوجية تلك وتم استقطاب كبار الضباط إلى النظام الرئاسي، وتغلغلت في الحياة المدنية لدرجة أصبح معها وجودها أمرا اعتياديا وطبيعيا في نظر الآخرين وفي نظر أفرادها أنفسهم.

يؤكد الكاتب أن “جمهورية الضباط” ظلت قائمة منذ ذلك اليوم بل وتوسعت بأشكال جديدة لتصبح الدعامة الأساسية لحكم مبارك قبل أن تخرج من ظله لتتولى السلطة الكاملة عام 2011.

كيف سار الدمج في «نظام المحسوبية»؟

يوضح الكاتب كيف سار الدمج في نظام المحسوبية التابع لمبارك بعد عام 1991 من خلال الوعد بمنح “بدل ولاء” يحصل عليه كبار الضباط عند التقاعد في مقابل امتناعهم عن الانخراط في السياسة وقبولهم لرواتب متدنية نسبيا خلال سنوات الخدمة، وهذ ما يضمن لهم فيما بعد فرصة لمواصلة وظيفة في القطاع الحكومي، فيضيف راتبًا ثانيا إلى المعاش التقاعدي العسكري.

وبالنسبة إلى القلة يجري التعيين بالتزامن مع الخدمة الفعلية في القوات المسلحة وهو ما يساعدهم في تكوين السير الذاتية وبناء العلاقات للحصول على مناصب أفضل بعد التقاعد.

ويكشف الكاتب أنه وفقا لمقابلات أجراها فإن صغار الضباط ممن يعتبرون ذوي توجهات سياسية أو غير جديرين بالثقة لا تتم ترقيتهم بعد رتبة رائد ويتقاعدون في أوائل الأربعينات على أبعد تقدير.

وحدهم الضباط الذين يعتبر ولاؤهم مؤكدا هم من يتجاوزون هذا الحاجز غير المرئي.

وحين يصل هؤلاء الضباط إلى الرتب الوسطى يتحملون رواتبهم وظروفهم المعيشية المتواضعة على اعتبار أن دورهم سيأتي أيضا، ويشير الكاتب هنا إلى أن عدد المستفيدين لم يكن متواضعا فقد تضخمت “طائفة” الضباط الكبار بشكل كبير خاصة بعد استحداث رتبة عسكرية جديدة هي فريق أول، والتي زاد بعدها عدد من يمكن ترقيتهم لرتبة لواء.

يبلغ عدد الجنود في الخدمة الفعلية 648500، و479000 في الاحتياط و72000 في القوات شبه العسكرية المرتبطة بالقوات المسلحة.

يوضح الكاتب العوامل التي دفعت مبارك إلى دمج جمهورية الضباط في نظام المحسوبية التابع له، وكان أولها تصميمه على ألا يجازف بصعود رجل عكسري قوي آخر يمكن أن يشكل تحديا للسلطة، وهذا ما دفعه لإقالة وزير الدفاع القوي عبد الحليم أبو غزالة.

وزير الدفاع أبو غزالة الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة

كما أدى الصراع المتصاعد مع الجهاديين الإسلاميين المسلحين خاصة بعد محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا عام 1995  إلى التسريع في ضم سلك ضباط القوات المسلحة إلى داخل نظام مبارك. وكانت نقطة التحول التي حدثت في عام 1991 عندما أطلق مبارك حملة كبرى لخصخصة المشروعات الاقتصادية والتي وفّرت فرصة لكبار الضباط للوصول إلى حيز كبير من الاقتصاد المصري الذي بقي مملوكا للدولة.

بعد مبارك

يؤكد الكاتب أن المجلس العسكري كان يرغب في الحفاظ على النفوذ الفعلي لجمهورية الضباط في جهاز الدولة وفي الجزء المملوك للدولة من الاقتصاد المصري، وعلى الفرص التي يوفرها هذا للتمدد إلى القطاع الخاص.

“قام المجلس العسكري وبعناد متزايد منذ إطاحة مبارك بالتعبئة للدفاع عن مكانته الاستثنائية، وعن المصالح الجوهرية لجمهورية الضباط”.

ميدان التحرير في ذكرى الثورة..  تحت حراسة الجيش

إلى أين وصل العسكر؟

ويكشف الكاتب عن الأجهزة التي تغلغل فيها الضباط، مؤكدا أنه تركز بشكل خاص على هيئات رقابية وإدارية منتقاة وكان أهمها هيئة الرقابة الإدارية التي كان الهدف من إنشائها أن تكون أداة للسلطة الرئاسية إذ يطابق دورها دور هيئة النيابة الإدارية وقد عملت في عصر مبارك كوسيلة لترهيب المعارضين ومعاقبتهم، ومثلت وسيلة لاستعادة اختراق الجيش لإدارات الدولة.

“من الواضح أن بعض الوزارات والإدارات المدنية أصبحت أشبه بإقطاعات عسكرية يشغل فيها الضباط السابقون دائما المناصب العليا”.

وشهد مجال الحكم المحلي أيضا أكبر تركيز للضباط المعيّنين في مناصب مدنية حيث يلعبون دورا في المحافظة على النظام على جميع مستويات السلطة بداية من المحافظات ووصولا إلى الأحياء والقرى.

كما يخترق الضباط أيضا قطاعات الخدمة المدنية حيث يديرون الجامعات أو يتواجدون في مجالس إدارة الكليات الأكاديمية، ويعملون مدراء وموظفين في المستشفيات الحكومية والملاعب الرياضية، ويرأسون هيئات متنوعة مثل الإذاعة والتليفزيون.

ويتمتع المتقاعدون العسكريون أيضا بتمثيل كبير في الوزارات والهيئات الحكومية التي تتعامل مع القطاعات المتعلقة بالأراضي، ويهيمنون على الجهاز المركزي للتعمير التابع لوزارة الإسكان الذي يتولى بناء المساكن والطرق.

للقراءة أكثر حول “جمهورية” الضباط المتقاعدين، اقرأ: أين يذهب جنرالات الجيش المصري بعد التقاعد؟

وهذا كله إلى جانب الاقتصاد العسكري الرسمي الخاص الذي تديره “جمهورية الضباط” والذي يدرّ عليها مصادر لا تمر عبر الخزينة العامة، ويشمل الصناعات العسكرية التابعة لوزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع المملوكة للدولة، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع، والمشاريع المدّرة للدخل كالنوادي والفنادق العسكرية.

تأثير هذه الجمهورية على كفاءة الجيش

يلفت الكاتب النظر إلى أن رأس هذه الجمهورية التي شكلها مبارك كان يتم اختياره وفقا للولاء السياسي وليس لكفاءتهم المهنية العسكرية، لذا فقد تراجعت الجهوزية التكتيكية والعملياتية للقوات المسلحة المصرية وفقا للتقييم المسرب من موظفي السفارة الأمريكية في  برقية تعود لعام 2008، ويدعمها أيضا شهادات ضباط مصريين صغار تم الاستشهاد بهم في تقارير صحفية نشرت مؤخرا.

الجيش وكأنه فاعل خير

ويصف الكاتب آثار الاندماج في نظام المحسوبيات الذي أسسه مبارك على جمهورية الضباط حيث تخلت عن سياستها في إعادة توزيع الثروة (في العهد الناصري) وتبنت مقاربة أبوية تجاه الغالبية العظمى من المصريين الذين لم يستفيدوا من الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي تم تطبيقها في العقد الماضي، وبدل أن تكون استحقاقات تحولت الرعاية الاجتماعية والتنمية إلى صدقات وحظوات تُمنح وفق تقدير ومزاج القادة.

“حين تبني القوات المسلحة الجسور والطرق السريعة بين المدن والطرق الدائرية تصفها بأنها “هدية إلى شعب مصر” متجاهلة حقيقة أن الموارد المستخدمة في نهاية المطاف تأتي من المال العام”.

ويذكّر الكاتب بأن المجلس العسكري لجأ إلى تبني هذا الموقف الأبوي بصورة متزايدة بعد عام 2011 فأعلن المشير طنطاوي عن تخصيص أفدنة لبناء وحدات سكنية للمدنيين في أسيوط، وعن التبرع بأراضٍ في القاهرة وحلوان، وعن أنه سيقرض البنك المركزي مبلغ مليار جنيه لدعم الجنيه المصري، وكان كل هذا في ذروة الاحتجاجات المناهضة للمجلس العسكري.

ويشير الكاتب إلى الحملة الإعلامية التي أطلقها المجلس العسكري في مارس 2012 تحت عنوان “الجيش والشعب إيد واحدة” والتي تكشف عن نظرة الجيش للشعب باعتباره طفلا رضيعا.

وهذا يعكس أيضا الاعتقاد أن المجلس العسكري هو بالضرورة “الأعلم” وبأن السياسيين والبيروقراطيين المدنيين أقل كفاءة ونزاهة ووطنية وأنهم على أقل تقدير في حاجة للتوجيه الأبوي.

لكن ارتفاع معدلات الفساد في مصر وازدياد نسبة من يعيشون تحت خط الفقر رغم تغلغل الضباط في النظام الإداري كان مؤشرا على مساهمة جمهورية الضباط لإدارة الدولة، لذا عاد المجلس العسكري مرارا وتكرارا لاستحضار “انتصار” القوات المسلحة في حرب 1973 مقرونا بإشارات إلى “الأيدي الخفية” و”المؤامرات الخارجية” ليدافع بذلك عن زعمه بأنه لا يمكن ترك الشؤون الخارجية والدفاع في أيدي القادة المدنيين، وليؤكد على حقه في التدخل في مجالات السياسة الداخلية بحجة تأثيرها على الأمن القومي.

ويشير الكاتب إلى أن أحد أكثر الأمور لفتا للنظر هي المفارقة بين المدى الشمولي لحضور القوات المسلحة في حياة مصر وبين قلة ما يعرفه أي شخص من خارج المؤسسة العسكرية عنها وهو ما يعكس الطريقة الخاصة التي تفاعلت بها جمهورية الضباط منذ عام 1991: المزيج المتناقض بين التغلغل والعزلة.

وبعد كل ما يعرضه الكاتب من نفوذ وسلطات يرغب العسكر في الحفاظ عليها يختتم دراسته مؤكدا:

“لن تولد الجمهورية الثانية في مصر إلا عندما تُفكّك جمهورية الضباط وتُستخرج من باطن الدولة المصرية بالكامل”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد