يقف العالم منبهرًا عندما يتطرق الحديث إلى المخابرات الأمريكية، والعمليات الخطيرة التي تقوم بها في كل بقاع العالم لإسقاط الأنظمة غير الموالية لها. وقد صَدَّرت السينما الأمريكية هذه الصورة من خلال العميل 007 أو جيمس بوند. لكن بالبحث في تاريخ المخابرات الأمريكية، لا يمكنك بحال من الأحوال إغفال محاولات أمريكا المستميتة لإسقاط الزعيم الكوبي فيديل كاسترو وحكومته، بل والذهاب أبعد من ذلك بمحاولة اغتياله عدة مرات.

فيديل كاسترو يمثل الزعيم المتشبع بالشيوعية الثورية حتى النخاع، مما جعله أخطر أعداء أمريكا الرأسمالية منذ بداية الحرب الباردة. فلا تتعجب إذًا عندما تسمع أن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تمنى علانيةً أن يزول كاسترو من على وجه الأرض. وفي سبيل ذلك، حاكت المخابرات الأمريكية مؤمرات بالمئات لمحاولة التخلص منه. المثير للدهشة أن المخابرات الأمريكية حاكت مؤامرات أقرب للسخف من كونها عمل مخابراتي حقيقي للتخلص من زعيم شيوعي يمثل كل ما هو مخالف لأمريكا في رأسماليتها.

كشفت وكالة أسوشيتد برس، الأربعاء الماضي، عن تفاصيل بعض المؤامرات، التي وصفها بالاستثنائية في روعتها، فعلى سبيل المثال، أرسلت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في عام 2009 وكيل دعايا وإعلان صربي لتجنيد مغني راب غير معروف حينها سرًّا، كمحاولة ضمن العديد من محاولات أمريكا للإطاحة بالحكومة الكوبية، وعند فشل الخطة أثر ذلك بالضرورة على موسيقى الهيب هوب الوليدة في كوبا.

يصف الكاتب تلك المؤامرة »الغريبة» بأنها تشبه الكوميديا الهزلية لسيث روجان وجيمس فرانكو، يقصد فيلمهما الذي سيصدر في آخر الشهر الحالي، والذي يدور حول محاولة أمريكا تجنيد شخصين تعوزهم الخبرة والكفاءة لاغتيال زعيم كوريا الشمالية، فهي أبعد ما تكون عن كونها تخطيطًا مخابراتيًّا حقيقيًّا واقعيًّا. ولكن بالنظر في تاريخ مؤامرات أمريكا السرية للإطاحة بالزعيم الكوبي كاسترو، يعتبر ذلك المخطط «عادي». فقائمة المؤامرات الأمريكية لاغتيال كاسترو أو تغيير حكومته – الشائعات منها والمؤكد- طويلة جدًّا وسخيفة في كثير من الأحيان. وإليكم بعضها:

غزو خليج الخنازير الكوبي

بعد أن أطاحت الثورة الكوبية بالرئيس فولجنسو باتيستا حليف أمريكا في 1959، دعمت وكالة الاستخبارات الأمريكية بموافقة الرئيس الأمريكي جون كينيدي مجموعة شبه عسكرية – من المرتزقة- من شأنها شن غزو على كوبا، يتضمن إنزال 1400 من قوات الكوماندوس التابعة للـ  C.I.Aعلى شاطئ خليج الخنازير الكوبي في أبريل 1961، على أمل هزيمة حكومة فيديل كاسترو اليسارية. إلا أن الزعيم الكوبي استطاع التصدي للغزو بسرعة.

ذكر جورج إف ويل في الواشنطن بوست أن المخابرات الأمريكية كانت تجهل كل شيء في تلك العملية سواء قدرة كاسترو على صد الهجوم، أو الخريطة الجغرافية لكوبا، أو حتى التكوين النفسي للكوبيين. ووصف المؤرخ ثيودور درابر الغزو حينها بقولته الشهيرة إنه واحد من تلك الأحداث النادرة في التاريخ التي توصف بأنها “فشل ذريع”؛ حيث فاق عدد القوات الكوبية القوات الأمريكية بما يقارب الـ 32000 عسكري، وما بين الـ 200000 و 300000 عضو ميليشيات مسلحة.

انفجار السيجار ومحاولات اغتيال أخرى

بعد الفشل المأساوي لغزو خليج الخنازير الكوبي، ورفض أي خطة لإثارة حرب ضد كوبا من خلال ارتكاب أعمال إرهابية في المدن الأمريكية، ركزت الولايات المتحدة على تخريب كوبا وإفشالها بوسائل أخرى. أحد السبل لذلك كانت محاولات لاغتيال كاسترو نفسه.

يُعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية حاكت ثماني مؤامرات ضد كاسترو في الستينات، إلا أن بعضها المنسوب للمخابرات الأمريكية سهل جدًّا لدرجة الغرابة، كخطة “السيجار المنفجر” و”بدلة الغطس” الملوثة بفطر يسبب مرضًا جلديًّا خطيرًا يؤدي للوفاة، و”الصدفة البحرية” المفخخة في قاع البحر، و تجنيد حبيبته لتدُس “حبوب سامة” في شرابه.

في حين لم يَثبُت صحة مصدر تلك المؤامرات، أثبتت الوثائق الرسمية غيرها الكثير، فعلى سبيل المثال في عام 2007 كشفت الوثائق الداخلية للاستخبارات الأمريكية مؤامرة تتلخص في إعطاء رجلين من رجال العصابات المطلوبين للعدالة حبوب سامة لقتل كاسترو. إلا أن فشل جميع تلك المحاولات أصبح مصدر فخرٍ للزعيم الكوبي. في عام 2010 أنتج التليفيزيون الكوبي مسلسلاً باهظ التكاليف من 8 أجزاء عن المؤامرات المزعومة التي نجا منها كاسترو.  

الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وتويتر

بعد عام 1960، تحولت سياسة الولايات المتحدة تدريجيًّا من العمليات السرية إلى الاعتماد على فرض الحظر التجاري والاقتصادي والمالي على البلاد، ومع ذلك، العديد من المؤامرات التي خططتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والتي كُشِفَت في السنوات الأخيرة تعود بالذاكرة إلى عصر المؤامرات السرية السخيفة.

فوفقًا لما ذكرته أسوشيتد برس، حاولت الوكالة تجنيد مغني راب ليقود حركة مناهضة للحكومة عن طريق إنشاء حساب كوبي على موقع تويتر لتأجيج المعارضة في البلاد. وفي الحقيقة، حققت شركات كـ «زون زونيو» (تويتر استخباري بتمويل USAID) معدلات جذب كبيرة، حتى أنها حاولت توريط جاك دورسي أحد مؤسسي تويتر، لكن في نهاية المطاف لم تكمل المهمة بسبب إفلاسها.

تشرف الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID على مليارات الدولارات من المساعدات الخارجية. ولكن دورها في «تويتر كوبا» ومؤامرة الهيب هوب قد يكون فعالاً في مواجهة دول كروسيا، والتي تعتبر الوكالة شبيهة بـ »حصان طروادة» لمؤامرات أمريكا ضد الحكومات المعادية لها. والأسوأ من ذلك، أن تلك الإجراءات ليس ببعيدة عن وقت إلقاء الكوبين القبض على المقاول الأمريكي آلن غروس في 2009 بتهمة التجسس، وقد حكم عليه بالسجن 15 عامًا، حيث أثبتت التحقيقات أنه عميل للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وكان يعمل كمقاول تركيب شبكات إنترنت بكوبا للتجسس. ويعد إطلاق سراحه أحد الخطوات الرئيسة المطلوبة لزيادة وتحسين الحوار بين البلدين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد