حين تخلى أبو بكر بن عمر اللمتوني المرابطي عن السلطة من أجل إنقاذ الدولة.

يقولون: إن للحكم وللصدارة بين الناس شهوة جامحة بين الرجال، يهون دونَها العمر، والمبدأ، والولد، والعالم كله إن لزم الأمر. وفي تاريخ كافة الأمم البشرية مئات الأدلة على ذلك، فراح – وسيروح – الملايين من البشر ضحايا صراعاتٍ سلطوية بين أمراءٍ وملوك ورؤساء طامحين، وأحيانًا ما كانوا من أبناء أسرٍ واحدةٍ.

في تقريرنا هذا، سنتحدث عن شخصيةٍ استثنائية كانت من القلة التي كسرت تلك القاعدة السابقة، إذ كان نقطة نبوغها وبروزها الأبرز في مسيرة حياتها، هي تنازل كريم عن سلطانٍ كان لصاحبها، وهو تنازلٌ اجتمعت الواقعية والمثالية معًا في جعله أمرًا واقعًا.

الشخصية المقصودة هنا هو أبو بكر بن عمر اللمتوني المرابطي، أول زعيم لدولة المرابطين بعد وفاة مؤسس دعوتها الشيخ عبد الله بن ياسين، تلك الدولة التي هيمنت في ذروتها على المغرب الإسلامي كاملًا، والأندلس، وأجزاء واسعة من غربي القارة الأفريقية، قبل ما يقارب الألف عام من الآن.

البداية.. دعوة المرابطين وتوحيد قبائل صنهاجة

لا تنقل إلينا كتب التاريخ الكثير من التفاصيل عن النشأة الأولى لأبي بكر بن عمر اللمتوني، الذي ينتسب إلى قبيلة لمتونة، وهي أحد مكوناتِ تجمعِ قبائل صنهاجة الكبرى، التي كانت من أبرز مكونات البربر في المغرب الإسلامي.

إلى جانب لمتونة، تضم قبائل صنهاجة قبائل عديدة من أشهرها جدالة، لكن شهرة لمتونة طغت حتى غلبَ اسمها على باقي القبائل، وعلى المنتسبين لدعوة المرابطين عمومًا، ولعل هذا سبب اشتهار وصفهم بالمرابطين اللمتونيين.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
المرابطون في الأندلس.. هكذا بدأت الدعوة الدينية هناك

كان المغرب الإسلامي في مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر ميلاديًّا)، يموج باضطراباتٍ كبرى، في ظل غياب دولة كبرى تجمع شتات تلك المناطق الشاسعة.

كثر تقاتل القبائل فيما بينها، واختلَّ الأمن والاستقرار، وأصبحت الطرق والقرى نهبًا لقطاع الطرق، وضعفت وشائج الإسلام مع انقطاع الدعاة عن الوصول إلى تلك الأصقاع البعيدة عن مراكز العلم الرئيسة في شرقي العالم الإسلامي، وحتى في الأندلس القريبة التي غرقت حتى النخاع في أحداث فتنتها الكبرى التي تسببت في سقوط الدولة، حتى أوشكت معظم قبائل البربر أن تعود إلى الوثنية الجاهلية قبل الإسلام.

يبزغُ ذكر أبي بكر بن عمر فجأة مع ذكر أخيه يحيى بن عمر بن طرغوت، زعيم قبيلة كُدالة، والذي ساءته أحوال المغرب الدينية والسياسية بوجهٍ عام، وأحوال قبائل صنهاجة بوجهٍ خاص؛ إذ انحسر نفوذها انحسارًا كبيرًا، وطغى عليها خصومها من قبائل زناتة ومصمودة، ونكَّلوا بأبنائها.

حينئذٍ خرج الأخَوَان بنهاية الربع الأول من القرن الخامس الهجري، وبعض أقاربهما إلى الحج تقربًا إلى الله، ولاستلهام ما يحتاجه المغرب من الشرق، وفي طريق العودة من الرحلة الطويلة استقروا إلى حين في مدينة القيروان – بتونس الحالية – والتي كانت من مراكز العلم الكبرى في غرب العالم الإسلامي.

في تونس طلب الأخوان من أحد كبار فقهاء المالكية أن يرسل بصحبتهم داعية ثقة يعودون به إلى مناطقهم ليجدد الدعوة الإسلامية التي أوشكت على الاندثار في تلك الأنحاء. فأرسل معهم الفقيه عبد الله بن ياسين، والذي سيسجل اسمه بالنحت البارز في تاريخ المغرب لتأسيسه دعوة المرابطين بعد حين.

كانت المفاجأة عند العودة إلى المغرب صحبة الفقيه ابن ياسين، أن دعوة الشيخ لم تُحدثْ صدىً إيجابيًّا لدى الكثيرين، خاصة الزعامات المحلية المستفيدة من الأوضاع القائمة، وعزَّز النفور منها شدة الشيخ وتشدده النسبي، حتى وصل الأمر إلى حد إجباره على الرحيل.

«إن ألفًا لن يغلبوا من قلة، فاخرجوا بنا للجهاد والقيام بالحق والدعوة إليه».
*زعيم المرابطين عبد الله بن ياسين في خطاب لجماعته.

لم يستسلم ابن ياسين، إنما اتجه جنوبًا مع بضعة رجال من خاصة المؤمنين به، وعلى رأسهم يحيى وأبو بكر ابنا عمر، ورابطوا جميعًا في منطقة منعزلة قرب وادي نهر السنغال، ليكونوا نواة دعوة المرابطين، التي بدأت لاحقًا بجذب المزيد من المؤمنين بها تدريجيًّا حتى بلغ عددهم ألفًا.

عندئذ رأى ابن ياسين أن الوقت قد حان لرفع السيف لنشر دعوة المرابطين، وإخضاع القبائل المتناحرة، والعُصَب المحلية، وقال: «إن ألفًا لن يغلبوا من قلة، فاخرجوا بنا للجهاد والقيام بالحق والدعوة إليه».

شنَّ المرابطون عام 445هـ (1053م)، عدة غارات ناجحة ضد خصوم دعوتهم في المغرب الأقصى، لا سيَّما من بطون زناتة، وكانت القيادة السياسية والعسكرية بيد يحيى بن عمر الجُدالي، أخي أبي بكر، بينما كان لابن ياسين القيادة الروحية والعامة.

في العاميْن التالييْن، استولى المرابطون على منطقتيْ درعة وسجلماسة جنوبي المغرب، للمرة الأولى، لكن يحيى قُتِل في إحدى المعارك عام 447هـ (1055م)، حينئذٍ أمر عبد الله بن ياسين أن يخلُف أبو بكر أخاه في مواقع القيادة.

أبو بكر بن عمر اللمتوني قائدًا للمرابطين

حين تولى أبو بكر بن عمر اللمتوني قيادة المرابطين، نشط على الفور في استعادة سجلماسة عام 448هـ (1056م) التي سقطت مجددًا من جرَّاء الهزة التي أعقبت مقتل الأمير يحيى، ثم اتجه إلى توسيع رقعة سيطرة الدعوة في المغرب الجنوبي للحفاظ على المكتسبات، ومنع سقوطها مرة أخرى، ثم بدأ بالتوسع شمالًا بالتدريج.

في العام التالي 449هـ (1057م) استولت جيوش المرابطين بزعامة أبي بكر بن عمر على منطقة وادي السوس جنوبيْ المغرب، وعاصمتها تارودنت، فانتشرت في الآفاق أنباء دعوة المرابطين، وقوتهم، وعدل أمرائهم، فانضم المئات إلى تلك الدعوة، وتسارع سعي المرابطين لضم المزيد من المناطق المغربية.

في العام الذي يليه، تمكَّن المرابطون من الاستيلاء على أغمات، وهي من أبرز قواعد قبائل مصمودة المناوئة، بعد أن ضمنوا ولاء بعض أفرادها.

تشجَّع ابن ياسين إثر تلك الانتصارات المتتابعة؛ فتوغل في مناطق قبائل برغواطة غربًا، لتدور معركة كبيرة يُقتَل فيها الشيخ ابن ياسين، لكن قبل وفاته نجح في أن يوصي بأن تجتمع كل قيادات المرابطين في يد أبي بكر بن عمر.

تزوَّج أبو بكر من زينب النفزاوية، والتي كانت من أشهر نساء المغرب قاطبةً، وأكثرهن ذكاءً وثراء، فأعانته كثيرًا على كسب ولاء المزيد من قبائل المغرب، لتنضوي تحت لواء دعوة المرابطين.

في السنوات التالية، شرع أبو بكر في تأسيس مدينة مراكش عاصمةً لدولة المرابطين، في وادي نهر تاسفنت، وأخذ ينظم أحوال الدولة الناشئة، وأوكل قيادة الجيش إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين، والذي واصلَ الحروب شمالًا، وأظهر كفاءةً منقطعة النظير في محاربة خصوم المرابطين، ونجح في ضم المزيد والمزيد من الأراضي المغاربية، حتى تكللت الجهود بضم مدينة فاس، حاضرة المغرب الشمالي عام 462هـ (1070م).

لوأد الفتنة وإنقاذ الدولة.. أبو بكر بن عمر اللمتوني يتجه نحو الجنوب

في تلك الأثناء حدث ما ليس في الحسبان؛ إذ في العام نفسه، علم أبو بكر بن عمر اللمتوني بوقوع فتنة كبرى بين قبائل لمتونة وجُدالة في صحراء الجنوب، وهي القبائل التي مثَّلت العمود الفقري للدولة المرابطية في بداية نشأتها؛ مما ينذُر بتداعي الصرح الكبير وهو ما يزال في مرحلة البناء.

اتَّخذ أبو بكر بن عمر اللمتوني قرارًا جريئًا كان له بعيد الأثر في تاريخ المرابطين والمغرب الإسلامي؛ إذ قرر أن يعود بنفسه إلى عمق المغرب الأقصى لرأب الصدع بين القبائل، ولجم الفتنة. وخوفًا من غيابه لأشهر أو لسنوات في تلك المهمة الشاقة البعيدة، قرَّر أن يوكل قيادة المرابطين إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين، الذي أظهر كفاءة كبيرة شهد له القاصي والداني فيما سبق أن أوكلَه له من مهام.

بل وصل الأمر إلى حد تطليق زوجته الأثيرة زينب النفزاوية، وتوصيتها بالزواج من ابن عمه يوسف؛ حرصًا من أبي بكرٍ على ألا يعرضها لخياريْن أحلاهُما مر؛ إما تركها في مراكش تقاسي الوحدة لأجلٍ غير معلوم، وإما تعريضها للخطر وشظف العيش في مناطق القبائل المضطربة.

اصطحب أبو بكر بن عمر معه شطرًا من جيش المرابطين، ونجح بعد جهودٍ مضنية امتزجت فيها الشدة واللين في قمع الفتنة في مناطق الصحراء الكبرى، وتوحيد القبائل الصنهاجية مرة أخرى تحت الراية المرابطية، وأعاد الاستقرار إلى الجزء الجنوبي من الدولة المرابطية، ثم أخذ يوسع رقعة نفوذ الدولة في مناطق أوسع من الصحراء الكبرى، وغربي القارة الأفريقية.

لحظة الامتحان.. عودة أبي بكر بن عمر اللمتوني إلى المغرب

لعلَّ اللحظة الأخطر في حياة أبي بكر بن عمر اللمتوني، كانت عندما عاد إلى المغرب بعد أن قضى بضعة أعوام في أعماق أراضي القبائل في أقاصي المغرب.

كانت العاصمة مراكش التي وُضِعَت لبناتُها الأولى في عهده قد ازدهرت، وأصبحت محطَّ عشرات الآلاف من السكان والتجار وطلبة العلم والمقاتلين وغيرهم، واستتبَّ الأمن والاستقرار في معظم أرجاء المغربيْن الأوسط والأقصى، وكان العامة والخاصة ممن قابلهم أبو بكر يلهجون بذكر يوسف بن تاشفين، وعدلِه وحزمِه، وحسن قيادته للدولة الفتية.

اصْطَرعتْ في نفسِ أبي بكر الأفكار، بين حقه في العودة إلى إمارة المرابطين العامة التي كانت في يده، وأوكلها بمحض إرادته لابن عمه يوسف بن تاشفين، وبين خوفه من وقوع التنازع إن فعل ذلك؛ إذ كان أمر الدولة قد استقرَّ في يد يوسف بن تاشفين، وتوطَّدت أركان حكومته، ورضي به العامة والمُقدَّمون، وأذعنت العديد من المناطق والقبائل لسلطانه، وهؤلاء لا يعرفون أبا بكر إلا اسمًا.

رسم زيتي يظهر أبا بكر بن عمر اللمتوني ممتطيًا جمله.

لم يُطِل أبو بكر الصراع المحتدم في قرارة نفسِه، ولم يجد بُدًّا من تثبيت ابن عمه أميرًا عامًّا على المرابطين، خاصة وقد أثبت كفاءةً نادرة في السياسة والحرب على حد سواء، وكذلك ظلَّت مُطلَّقَتُه زينب النفزاوية زوجًّا ليوسف بن تاشفين، بعد أن استقامت عشرتُهُما، فاجتمع في هذا التنازل الاستثنائي النُبلُ العام والخاص معًا.

يجادل البعض هنا بأنه لم يكن أمام أبي بكر من خيار غير التنازل؛ إذ لم يكن يملك الشوكة لانتزاع الإمارة من يوسف الذي تمكَّن في سنوات غيابه. لكن هذا الافتراض يعوزُه الكثير من الدقة؛ إذ لو استسلم أبو بكر لمطامع الحق الشخصي، لكان بإمكانه أن يعتصم بأية ناحية قاصية – بعيدًا عن السطوة المباشرة ليوسف – في أراضي القبائل الموالية له، ويحشد الأنصار والأعوان، ويعقد التحالفات مع خصوم المرابطين، ثم يطالب بحقه الأصيل في الإمارة بالسيف، وتسقط الدولة في حرب أهلية طاحنة على عادة ذلك الزمن.

وتذكر بعض المصادر التاريخية أن جولةً من المفاوضات دارت بين الرجلين – يوسف بن تاشفين وأبي بكر بن عمر – للوصول إلى كلمة سواءٍ بينهما، واتُّفق على عودة أبي بكر إلى الصحراء الكبرى لضبط أمورها، ونشر الدعوة هناك، بينما يظل يوسف بن تاشفين حاكمًا عامًا للمرابطين، لا سيَّما في الأجزاء الشمالية من الدولة. وفي علامة تقدير من يوسف لابن عمه، ظلَّ اسم أبي بكر بن عمر يُسكُّ على العملة المرابطية إلى وفاته.

إذًا، فحتى لو كان موقف أبي بكر بن عمر يحمل في طيَّاتِهِ إقرارًا بواقع التوازنات الواقعية الجديدة التي استجدَّت في غيابِه، لكنه عصم المغرب ودولة المرابطين من العودة للتقاطع وللاقتتال الدامي من أجل سرابٍ فردي كان كفيلًا بإهلاك صاحبه، ومعه الآلاف من الأبرياء.

مجتمع

منذ سنتين
يوسف بن تاشفين.. الأمازيغي الذي عاش قرنًا وأخَّر سقوط الأندلس 4 قرون

نهاية 15 عامًا من الدعوة في غرب أفريقيا

بعد الاتفاق الذي تمَّ، اتَّجه أبو بكر بن عمر جنوبًا إلى الصحراء الكبرى مرة أخرى، حيث دول مالي والنيجر وجوارها حاليًا، داعيًا إلى الإسلام، ومقاتلًا للقبائل الوثنية المحاربة في تلك الأنحاء. واشتهر على وجه الخصوص صداماته مع إمبراطورية غانا الكبرى التي كانت تهيمن على مناطق مهمة من الغرب الأفريقي.

ظلَّ أبو بكر بن عمر لما يقارب 15 عامًا ينشط في الحرب والدعوة في تلك الرقعة المترامية من الصحراء الكبرى والغرب الأفريقي، والتي تضم 15 دولة معاصرة، ويُحسَب لجهوده بدء الانتشار الواسع للإسلام في تلك النواحي القاصية، والذي سيتصاعد تدريجيًّا في القرون التالية، وما تزال معظم تلك الدول ذات أغلبية مسلمة إلى اليوم.

عام 480هـ (1087م)، أي بعد عامٍ من تحقيق دولة المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين أكبر انتصاراتها العسكرية في تاريخها، وذلك في موقعة الزلَّاقة ضد جيش قشتالة المسيحية الذي كان يهدد باجتياح الأندلس، وإلى الجنوب كثيرًا بعيدًا عن الأندلس، كان أبو بكر بن عمر على موعدٍ مع القدر، حيث أصابه سهمٌ نافذ في إحدى المعارك شمال السنغال في غرب أفريقيا، فسقط شهيدًا، وتقاسم أبناؤه وأبناء إخوته ما كان يخضع لسلطانه من المناطق، ونشط بعضهم في إكمال ما بدأه أبو بكر، لكن لهذا قصة أخرى.

المصادر

تحميل المزيد