يرى العقاد أن هناك ثلاث علامات، مَن اجتمعت فيه كان من عظماء الرجال، وكان له الحق في الخلود: «فرط الإعجاب من محبيه ومريديه، وفرط الحقد من حاسديه والمنكرين عليه، وجو من الأسرار والألغاز يُحيط به كأنه من خوارق الخلق الذين يُحار فيهم الواصفون ويستكثرون قدرتهم على الآدمية، فيردون تلك القوة تارة إلى الإعجاز الإلهي، وتارة إلى السحر والكهانة، وتارة إلى فلتات الطبيعة إن كانوا لا يؤمنون بما وراءها».

ويرى العقاد أن هذه العلامات كلها قد اجتمعت في أبي العلاء المعري؛ ومن ثم فإنه قد حاز مكانة في تاريخ الثقافة العربية لا يشاركه فيها سوى القليل من الحكماء والشعراء، وبذلك خُلد أبو العلاء في التاريخ «منذ أحبه من أحب وكرهه من كره، وتحدث عنه من تحدث كأنه أحد الخوارق والأعاجيب».

وحين مات أبو العلاء، بكاه جميع مريديه ووقف على قبره أكثر من 80 شاعرًا يرثونه مفطوري الأفئدة، وكان أبلغ ما قيل في ذلك اليوم هو مطلع قصيدة أبي الفتح الحسن بن عبد الله بن حصينة:

العلم بعد أبي العلاء مضيع … والأرض خالية الجوانب بلقع

أودى وقد ملأ البلاد غرائبا … تسري كما تسري النجوم الظلّع

ما كنت أعلم وهو يودع في الثرى … أن الثرى فيه الكواكب تُودع

أما خصوم أبي العلاء، فقد ناصبوه العداء واتهموه في فهمه وذكائه، ووصفوه بأبشع الصفات، حتى أنهم قد ادعوا أنه من أهل الضلالة والجحيم.

من هو أبو العلاء؟

وأحمد سماني كبيري وقلما … فعلت سوى ما أستحق به الذمّا

*أبو العلاء المعري

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء التنوخي، المعروف بالمعري، نسبة إلى بلده معرة النعمان، وهي بلدة في الشام من أعمال حمص بين حلب وحماة. لم يحب أحمد أبو العلاء اسمه؛ فقد رأى أنه من المبالغة وعدم الصدق أن يُشتق اسمه من الحمد؛ إذ ينبغي أن يُشتق من الذم لكثرة أفعاله التي تستحق الذم من وجهة نظره؛ فيقول:

رويدك لو كشفت ما أنا مضمر … من الأمر ما سميتني أبدًا باسمي

أطهر جسمي شاتيًا ومقيظًا … وقلبي أولى بالطهارة من جسمي

ولم يكره أبو العلاء اسمه فقط، بل قد كره كنيته أيضًا؛ إذ رأى اقترانه بالعلو وارتفاع المنزلة نوعًا من الظلم، وأنه من العدل أن يقترن بالهبوط ودنو المنزلة؛ فيقول:

دُعيت أبا العلاء وذاك مين … ولكن الصحيح أبو النزول

تمثال أبي العلاء المعري بمسقط رأسه في سوريا *المصدر

وُلد أبو العلاء يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة 363 هجريًّا، وقد نشأ في بيت من بيوت العلم والفضل والأدب؛ فكان أبوه وأمه من ذوي الوجاهة والصلاح. وقد كان جده لأبيه، سليمان بن أحمد، قاضي المعرة، وكان شاعرًا، أما أبوه فقد جمع بين الشعر والقضاء، وقد تتلمذ أبو العلاء في بداية عمره على يد أبيه الذي علمه القرآن، ولما أظهر الصغير قدرًا كبيرًا من الفطنة والذكاء مضى به والده إلى حلب؛ حيث تتلمذ على يد إمام العربية في حلب محمد بن عبد الله بن سعد النحوي.

«نحاولُ مُلكـًا أو نموتَ فنُعذرا».. حين يزور «شيطان الشعر» الملوك

 

كفيف المعرة

قالوا العمى منظر قبيح … قلت بفقدي لكم يهون

والله ما في الوجود شيء … تأسى على فقده العيون

 *أبو العلاء المعري

لا يعلم الكثيرون أن أبا العلاء قد وُلد مبصرًا، ولكنه أُصيب في سن الرابعة بالجدري الذي شُفي منه، ولكنه كان قد أخذ ناظريه معه، وترك له على وجهه ندوبًا وحفرًا لازمته طوال حياته. ولأنه كان قد أصيب بالعمى وهو لا يزال بعد طفل في الرابعة؛ فإنه لا يتذكر أي شيء إلا اللون الأحمر؛ لأنه أُلبس ثوبًا أحمر أثناء فترة اعتلاله بالجدري. وقد حاول أبو العلاء أن يتعايش من عماه إذ رآه نعمة من الله لأنه كفاه به -وفقًا لتعبيره- عن رؤية الثقلاء والبغضاء؛ فيقول: «أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر، وقد صنع لي وأحسن بي إذ كفاني رؤية الثقلاء والبغضاء».

ولذلك، كان اللقب الذي اختاره أبو العلاء لنفسه وأحبه كثيرًا هو «رهين المحبسين»، أي حبس نفسه بالمنزل وحبس بصره بالعمى. أما محبس العمى؛ فقد فُرض عليه فرضًا رغمًا عنه، وأما المحبس الثاني؛ فقد فرضه أبو العلاء على نفسه بعد أن قرر اعتزال الناس وحبس نفسه في المنزل بعد عودته من طلب العلم في بغداد. وقد فرض أبو العلاء على نفسه السجن بالمنزل وعدم مخالطة الناس لأنه -كما يرى العقاد- قد أراد من الدنيا إما كل شيء وإما لا شيء؛ فهو «كان لا يرضى من الدنيا إلا بالسيادة عليها، أو الإعراض عنها، فإما الملك وإما الرهبانية، ولا وسط عنده بين الأمرين».

أبو العلاء المعري *المصدر

وعلى الرغم من عزلته وفقدان بصره، كان أبو العلاء معروفًا برحمته ورقة قلبه وعطفه الكبير على كل ما هو ضعيف؛ فهو في لزومياته قد حاور الديك والحمامة، ورثى الشاه ورحم النحلة إذ رجا ألا يُباع ويشترى ما تنتج لنفسها، وبكى الناقة والفصيل. وقد حرم على نفسه أكل اللحم فكان «أكله العدس، وحلاوته التين، ولباسه القطن، وفراشه لُبدًا». وقد كان أبو العلاء عفيفًا قانعًا عزيز النفس لم يتكسب بالشعر، ولم ينافق الكبراء أو يمدحهم بغرض عطاء أو صلة، ولم يمدح إلا القليل من الناس في بداية عمره قبل أن يقرر اعتزالهم إلى الأبد. وقد وصف أبو العلاء زهده وترفعه هذا في شعره كما يلي:

أنا للضرورة في الحياة مقارن … مازلت أسبح في البحار الموج

من مذهبي ألا أشد بفضة … قدحي، ولا أصغى لشرب معوج

لكن أقضي مدتي بتقنع … يُغني، وأفرح بالأسير الأروج

شيخ المعرة.. الشاعر الفيلسوف

أَراني في الثَلاثَةِ مِن سُجوني … فَلا تَسأَل عَنِ الخَبَرِ النَبيثِ

لِفَقدِيَ ناظِري وَلُزومِ بَيتي … وَكَونِ النَفسِ في الجَسَدِ الخَبيثِ

*أبو العلاء المعري

كان من أهم أسباب اعتزال المعري الناس أنه كان ساخطًا على مجتمعه؛ إذ كان يرى أن الشر هو ما يجتذب أخلاق أفراده وأفعالهم، وقد اعتقد أنه ما من شيء في المجتمع قائم على العدل والمساواة، وأن أفراد المجتمع يسري بينهم الغدر والخيانة؛ فقرر أن يريح نفسه من أذاهم وينأى بنفسه في معزل لـ50 عامًا.

ويرى طه حسين أن أبا العلاء، الذي كان حنونًا على كل ما هو ضعيف، كان قاسيًا للغاية على نفسه؛ إذ ظلمها كما لم يظلمها أحد قط؛ فهو قد كلف نفسه بالكثير من الجهد والعناء والمشقة والمكروه نحو 50 عامًا. وهو قد أصر على أنه سجين ليس فقط عاهته ولكن جعل لنفسه جسدًا محسوسًا ظاهرًا، وهو منزله الذي لم يغادره قط، وفرض على نفسه لزومه مهما بلغت الظروف، حتى أنه طلب من أهل بلدته ألا يخرجوه منه حتى يغير الروم على المدينة.

أما السجن الثالث الذي حبس أبو العلاء نفسه فيه فكان سجنًا فلسفيًّا غير مرئي «تخيله كما يتخيل الشعراء، واشتقه من حقائق الأشياء كما يفعل الفلاسفة… هذا السجن الخيالي الفلسفي هو الجسم الذي أُكرهت النفس -كما كان يتصور أبو العلاء، وكما تصور الفلاسفة من قبله ومن بعده- على أن تستقر فيه لا تتجاوزه ولا تتعدى حدوده إلا حين يقضي عليها الموت، وهي حينئذ تظفر بحرية لا تعرف كيف تقدرها، ولا كيف تستمع بلذاتها أثناء هذه الحياة».

مترجم: من نيرون حتى بن لادن.. لماذا أحب الطغاة كتابة الشعر؟

ولم يكن السجن الفلسفي هو الشيء الوحيد الذي تشاركه أبو العلاء مع الفلاسفة؛ فبحسب قول مارون عبود، كان عزوف أبي العلاء عن الزواج بسبب تأثره بفلاسفة اليونان، وخاصة أبيقور الذي كان يعتقد أن الصداقة هي الشيء الذي يمكن أن يعتمده الحكيم وسيلةً لتحقيق السعادة، وليس الحب، وذلك لأن هذا الأخير نوع من أنواع الاضطراب النفسي؛ وبالتالي رفض أبو العلاء، كأبيقور، الحب والزواج حتى لا يشغلانه عن أموره.

أبو العلاء المعري *المصدر

أما الإنجاب، فقد اعتبره أبو العلاء جناية. ويرى الكاتب عمر فروخ أن أبا العلاء قد اعتنق وجهة النظر هذه لتأثره بمذهب مزدك الفارسي أو غيره من مذاهب الزهاد الهنود. فالحياة -من وجهة نظره- مكان موحش كئيب مليء بالشرور والأحزان والألم، وذلك لأنها دائمًا ما تنال من البشر بمصائبها التي لا تعد ولا تحصى؛ فكانت النتيجة أنه رفض حياته الدنيا وصد عنها صدودًا. وهو يتحدث عن شرها قائلًا:

دُنياكَ دارُ شرورٍ لا سرورَ بها … وليسَ يَدري أخوها كيفَ يحترسُ

بَيْنا امرؤٌ يتَوَقّى الذّئبَ عن عُرُضٍ، … أتاهُ لَيثٌ، على العِلاّتِ، يَفترِس

ألا ترى هرَمَيْ مِصرٍ، وإن شمَخا، … كِلاهُما بيَقينٍ سَوْفَ يَنْدَرِس

زواج تعيس وأدب عظيم.. كيف دمر الزواج حياة أدباء مرموقين؟

بين أبي العلاء وشوبنهاور.. التشاؤم سيد الموقف

يرى العقاد أن التشاؤم، مثله مثل التفاؤل «إنما يكون مع الحب والاهتمام، أو مع الظن الحسن والأمل المشبوب، وتجيء خيبة الأمل حينما يكون الأمل معقولًا أو شبيهًا بمعقول. أما إذا غلب اليأس من البداية فلا تشاؤم ولا إخلاف ظنون». وبذلك؛ فإن نزعة المعري التشاؤمية قد جاءته بعد أن كان لديه أمل في الحياة سرعان ما أثبت زيفه.

ووفقًا للعقاد، فهناك تشابه بين النزعة التشاؤمية عند كل من أبي العلاء المعري والفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور؛ فمثلًا رأى شوبنهاور أن الرجل يعيش حتى السادسة والثلاثين من عمره كما يعيش التاجر الذي ينفق من ربحه، ثم إنه إذا جاوز هذا السن فإنه ينحدر وينقص حتى ينفق رصيده كله ويُعلَن إفلاسه يوم وفاته. ويبدو أن أبا العلاء يتبنى وجهة النظر هذه؛ إذ يقول:

إذا ما تقضى الأربعون فلا ترد … سوى امرأة في الأربعين لها قسم

فإن الذي وفي الثلاثين وارتقى … عليهن عشرًا للفناء به وسم

زمان الغواني عصر جسمك زائد … وهن عناء بعد أن يقف الجسم

الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور- المصدر

ومن مواطن التشابه بينه وبين شوبنهاور أن هذا الأخير يرى أن النوم جيد باعتباره سلفة مستعارة من الموت، وأبو العلاء يقول عن هذا الاعتقاد في شعره:

ونومي موت قريب النشور … وموتي نوم طويل الكرى

وهو يقول أيضًا:

وموت المرء نوم طال جدًا … عليه، وكل عيشته سهاد

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد