كنت بالأندلس يتيمًا، فجعلني إخوتي راعيًا لمواشيهم، فإذا رأيت من يصلي أو يقرأ القرآن أعجبني ودنوت منه، فأجد في نفسي غمًّا لأنّي لا أحفظ شيئًا من القرآن ولا أعرف كيف أصلي، فقويت عزيمتي على الفرار لأتعلّم القراءة والصلاة؛ ففررت. *أبو مدين الغوث

«كان زاهدًا فاضلًا عارفًا بالله، خاض من الأحوال بحارًا، ونال من المعارف أسرارًا، خصوصًا مقام التوكُّل الذي لا يشقّ فيه غباره ولا تُجهل أثاره، كان مبسوطًا بالعلم مقبوضًا بالمراقبة كثير الالتفات بقلبه إلى الله حتى ختم الله له بذلك، ولقد أخبرني من أثق فيه ممن شهد وفاته أنه قال: رأيته عند آخر زمانه يقول الله الحق».

هكذا وصف الشيخ أبو صابر أيّوب بن عبد الله الفهري، العالمَ المتصوّف أبا مدين شعيب الغوث، الذي جمع بين الفقه والتصوّف والجهاد، فعزم مع تلامذته على السير من مدينة بجاية (شمال الجزائر) لنصرة صلاح الدين الأيوبي في معركة تحرير القدس، فكتب لأهل المغرب العربي في المدينة المقدسة تاريخًا مرصعًا بالمجد والبطولة، خلّده ابن الناصر صلاح الدين بوقفه لحارةٍ بجانب المسجد الأقصى للمرابطين من أهل المغرب، سُميت على اسمهم بـ«حارة المغاربة».

في هذا التقرير نسبح معك عبر الزمن لنتعرّف سويًّا إلى الشيخ أبي مدين الغوث.

يوسف بن تاشفين.. الأمازيغي الذي عاش قرنًا وأخَّر سقوط الأندلس 4 قرون

باحثًا عن ربّه.. العصا التي أبصرت طريق أبي مدين إلى الله

عرف العالم العربي والإسلامي بدايةً من القرن الثّاني للهجرةِ، حركةً دينيةً لَم يَعهدَها المسلمون سابقًا، اتجاهٌ فَهَمَ أصحابه الدين الإسلامي فهمًا جديدًا ربما غير مألوفٍ من قبل، فكان لهذا الاتجاه أن ينتشر في ربوع العالم الإسلامي، كانت هذه الحركة الدينية هي الحركة الصوفية، والتي كان من أبرز مشايخها وأقطابها في أفريقيا والأندلس، أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسي، المكنّى بأبي مدين الغوث.

ولد أبو مدين شعيب بن الحسين الأنصاري الأندلسي في قطنيانة، الواقعة بضواحي إشبيلية في الأندلس، واختلفت المصادر التاريخية في تحديد دقيق لسنة ميلاده، فذهب بعض المؤرخين إلى أنّ عـام ولادته كان سنة (510هـ – 1116م) وقيل سنة (514هـ – 1120م)، والأرجح أنّه ولد سنة (509هـ – 1115م) استنادًا إلى رواية المؤرخ «محمد بن حمدون البناني» حين تعرض لوفاته فقال: «توفي سيدي أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسي في سنة أربعٍ وتسعين وخمسمائة، عن نحـو خمسٍ وثمانين سنة» أي أنّ مولد أبي مدين كان في سنة 509 للهجرة، وقد كان منذ نشأته فتى كثير التأمل، شغوفًا بالتدين والعبادة.

حسب أبي يعقوب يوسف بن يحيى التادلي في كتابه «التشوّف إلى رجال التصوف» فإنّ أبا مدين نشأ يتيمًا، فكلّفه إخوته –وكان أصغرهم سنًّا– برعي مواشيهم التي ورثوها عن والدهم، فكان أبو مدين –أثناء عمله بالرعي– إذا رأى مصليًا أو قارئًا للقرآن اقترب منه، وكان يجد في نفسه غمًّا عظيمًا لكونه لا يفعل مثله، بحكم جهله بالصلاة والقراءة فيحدِّث إخوته بمـا يجد، لكنّ إخوته كانوا ينهونه ويأمرونه بالسهر على رعاية مواشيهم حتى اشتدّ غمّه على ما هو فيه، وقويت عزيمته على التعلّم وسلوك درب العارفين ليترك رعي الأغنام، ويقرّر الفرار إلى الله، فأدركه أحد إخوته وسـلّ عليـه سـيفه وضربه به، فتلقى أبو مدين الضربة بعصاه فانكسر السيف، فلمّا رأى أخوه ذلك قال له: «يا أخي اذهب حيث شئت».

حسب الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه «شيخ الشيوخ» فقد أوحت هذه الواقعة لشعيب بن الحسين الأنصاري بصدق الطريق الذي اختاره، ليمضي شعيب حتى وصل إلى البحر، حيـث وجد خيمةً بها ناس، وخرج إليه منها شيخ، سأله عن أمره، فأخبره بمسألته؛ فأشار عليه أن «انصرف إلى الحاضرة حتى تتعلم العلم، فإن الله لا يُعبد إلا بالعلم».

قطع شعيب طريقه نحو طلب العلم إلى الأندلس، هناك وأثناء جلوسه في حلقة علمٍ تأثر بالشيخ أبي الحسن بن حرزهم حتى صار ملازمًا له، لينهل ممّا لديه من العلوم الظاهرة، بعدها تاقت نفس أبي مدين إلى التصوّف، خاصةً أن التصوّف كان رائجًا في زمانه، فتأثر شعيب بالشيخ المتصوّف «أبي يعـزى يلنـور ميمـون التلمساني» وأخذ عنه التصوّف حتى قال عنه ابن عربي: «شيخنا أبو مدين من الثمانية عشر الظاهرين بأمر الله، عن أمر الله، لا يرون سوى الله في الأكوان، وهم أهل علانيةٍ وجهر، مثبّتون للأسباب».

ويذكر الدكتور مختار حبّار في كتابه «شعر أبي مدين التلمساني» أنّه بعد أن نهل من زاد التصوف على شيخه أبي الحسن، قرّر أبو مدين التوجه إلى الشرق قصد أداء مناسك الحج، وهناك التقى بالعلامة عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة القادرية، وسمح له اللقاء بالحصول على أسرار طريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني، وعلى علوم ومعارف أخرى ثقافية واجتماعية وسياسية. يقول عبد الحليم محمود في كتابه سابق الذكر: «لقد تثقّف سيدي أبو مدين كأحسن ما يكون المثقف، تثقّف من مصادر أصلية: القرآن الكريم، والسنن، والإحياء، والرعاية، والرسالة القشيرية، وكان يصاحب في دراسته القمم: السنة النبوية، والحارث بن أسد المحاسبي، وحجة الإسلام، والإمام القشيري، وقد درس الفقه أيضًا، وله فيه فتاوى نفيسة، ودرس التفسير، وامتزج قلبه بنور القرآن، وكان عابدًا، فاجتمع له العلم والعبادة، فكان الشخصية الإسلامية المتكاملة، فلقد كان متفنّنًا في علوم الإسلام المختلفة، نقليًّا وعقليًّا، وبعد هذه الرحلة الطويلة إلى المشرق، والتي دامت أكثر من عقدين من الزمن، قفل أبو مدين شعيب راجعًا إلى بجاية».

في بجاية يذكر ابن قنفذ في كتابه «أنس الفقير وذلّ الحقير» أنّ أبا مدين وجد الراحة والطمأنينة التي طاب له بها المقام معلمًا ومربيًا، فتخرّج على يده ألف تلميذ وجميعهم من العلماء، ولذلك يقال له «شيخ مشايخ الإسلام، إمام العباد والزهاد»، كما كان لأبي مدين الفضل في نشر الإسلام في بلدان غرب أفريقيا، والطريقة المدينية التي انبثقت عنها لاحقًا الطريقة الشاذلية، والعديد من المذاهب الصوفية التي تنتشر اليوم في سائر الجزائر والمغرب.

«يا رسول الله أغثنا».. كيف روَت البردة محنة المسلمين عبر التاريخ؟ 

أبو مدين.. شيخ الشيوخ وشاعر المتصوّفة

فـــي البــــــــــــــــــــــــــــلدان حـــــــــــــــــــــــــين سبيتـــــــــــــــــــــــني * وبت بأوجـــــــاع الهوى أتقلـبُ
فلو كان لي قلبان عشت بواحد * واترك قلبًا في هواك يُعذبُ
ولـــــــــــــــــــــكن لـــــــــــــــــــــــــــــــــــي قلـبًا تملّـكه الهوى * فلا العيشُ يصفو لي ولا الموت يقرُبُ

رسم أبو مدين الغوث طريق القرب إلى الله بقوله‏: ‏«من اشتغل بطلب الدنيا ابتلي فيها بالذلّ»، وحذّر من الميل إلى غير الله بقوله: «إيّاك أن تميل إلى غير الله فيسلبك لذّة مناجاته». يقول عنه محي الدين بن عربي في كتابه «الفتوحات المكيّة» إنه بلغ القمّة في المجال الصوفي‏،‏ ويضعه في منزلة يعزُّ بلوغها‏، مطلقًا عليه اسم شيخ الشيوخ.

بعد خوضه في التجربة الصوفية، غاص أبو مدين في البحث عن الذات الإلهية غوصًا شغله عمّا سواها، فنراه لا يتصوّر حياةً دون مطالعة أنواره، واستشراف عرفانه، ودوام اتّصاله، فيصف أبو مدين حبّه للذات الإلهية بأنّ البعد عنها موت والقرب حياة، فكان أبو مدين دائم الاستحضار للصفات الإلهية، بالمنام ليلًا، وبقلبه نهارًا، وكتب في ذلك عدّة أبيات وأشعار.

كما كتب أبو مدين ديوانًا، وقد اعتنى بجمعه الشيخ العربي بن مصطفى الشـوار التلمساني شيخ الزاوية العلوية في تلمسان، ونشره في سفرٍ واحدٍ نجله محمد بن العربي بمطبعة الترقي في دمشق سـنة 1938 بعنـوان «ديوان الشيخ سيدي شعيب أبي مدين»، كما تكفّل ابن عطاء الله السكندري بـشرح قصيدة أبي مدين «ما لذة العيش إلا صحبة الفقراء» من خلال كتابٍ كامل، وما زالت قصائد ووشائح أبي مدين تقرأ إلى اليوم في المغرب العربي ومصر.

«الرومانثيرو».. أغاني العامة وأشعارهم تحكي تاريخ سقوط الأندلس

من بجاية إلى القدس.. الشيخ يقود المغاربة للجهاد مع صلاح الدين

في طريقهم إلى القدس، انتهج الصليبيون أشدّ أنواع القمع والقتل بحق كل من مرّوا فيه أو التقوا به، وبعد حصارٍ لعدةِ أيامٍ، اقتحم الصليبيون القدس وأوغلوا ذبحًا وقتلًا بأهلها، وكانت البداية بمجزرةٍ جماعيةٍ قتلوا فيها الناس بالشوارع والمنازل والأزقة، لدرجة أن القتل استهدف يهودًا ومسيحيين أيضًا لأنهم جميعًا ذوو ملامح عربية، فبلغت الدماء الركاب. وحسب ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» فقد سقط في ذلك اليوم الكثير من العلماء الوافدين إلى القدس الذين كانوا جلّهم من بلاد المغرب والأندلس، كان مشهد القدس هذا يوم السقوط المذلّ في شهر شعبان سنة 492هـ الموافق لشهر يوليو (تموز) من عام 1099 للميلاد.

استمرّ الاحتلال الصليبي للقدس عشرات السنين، وسط تمزقٍ سياسي شهدته بلاد الشام، أمّا في بلاد المغرب فقد استقبلت أخبار الاحتلال الصليبي للقدس عن طريق قوافل الحجيج، بحكم أنّ القدس كانت مزارًا للحجيج والعلماء المغاربة في رحلتهم إلى الحج، إلى أن بدأت حملة صلاح الدين الأيوبي لتحرير بيت المقدس.

معركة حطين مصدر الصورة (مرسال)

في الوقت الذي كانت فيه القدس ترزح تحت حكم الصليبيين، كان أبو مدين حسب الدكتور عبد الحليم محمود يبثُّ في محبيه وتلاميذه المغاربة روح الجهاد في سبيل تحرير بيت المقدس، وأثناء عودته من الحج مع الوفد المغاربي، انخرط أبو مدين مع تلاميذه في جيش صلاح الدين الأيوبي في معركة حطّين الشهيرة التي انتصر فيها جيش صلاح الدين، وفتحت من خلالها مدينة القدس، وكان للمغاربة دورٌ مهم في حيثياتها، فكان أن فقد أبو مدين الغوث ذراعه في تلك المعركة.

وعرفانًا لجهاد أبي مدين والمغاربة الذين معه، ومشاركتهم في تحرير القدس من قبضة الصليبيين، أوقف ابن صلاح الدين الأيوبي وقفيةً امتدت من باب المغاربة حتى باب السلسلة، وأوقف خصيصًا مزارع وبيوت وأملاك عديدة في قرية عين كارم لأبي مدين وجنده. ولا تزال صورة الوقفية محفوظة في سجلات المحكمة الشرعية في بيت المقدس.

وقبل وفاة أبي مدين الغوث أُضيفت أجزاء من قرية عين كارم التي تقع بضواحي القدس الشريف، وقرية إيوان التي تقع داخل المدينة القديمة إلى وقف المغاربة في القدس. كما أوقف أبو مدين سكنًا للواردين من المغاربة سمّي بزاوية سيدي أبي مدين الغوث، وجاء في وثيقة الوقف: «أوقفها بأموالها ومياهها وآبارها وسواقيها وسهلها ووعرها ومبانيها وقفًا لله يصرف للسابلة من المغاربة المارين والمنقطعين للعلم والجهاد المرابطين على وصية صلاح الدين الأيوبي».

حائط البراق في القدس

دوّنت وثيقة أوقاف أبي مدين لأول مرة سنة 666هـ الموافق لـ1267م، وأعيد تدوينها في عام 1004هـ الموافق لـ1595م، وبقيت هذه الأوقاف صامدة لأكثر من ثمانية قرون قبل أن يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي سنة 1948 ويستولي عليها بالكامل. وفي حوارٍ صحافي مع جريدة الأهرام المصرية كشف عبد اللطيف أبو مدين -أحد أحفاد أبي مدين الغوث- عن رفع عائلة أبي مدين دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية للمطالبة بحقوقهم التاريخية في هذه الوقفية.

«هذه تُربة العباد ما أحلى بها الرقاد».. الوفاة تمنعه لقاء الملك الذي خافه

يذكر عبد الحليم محمود في كتابه عن أبي مدين أنه بعد عودته من القدس، آثر أبو مدين النزول في مدينة بجاية (شرق الجزائر) والإقامة بها، وهناك رزق بابنه مدين، وظل يمارس الوعظ والإرشاد في جامع البلدة، وتعليم مريديه وتلاميذه الحكم الغوثية في مدرستها حتى بلغ الثمانين من عمره، كما كان يدرّسهم كتاب «المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» للإمام الغزالي، وهو الكتاب الذي كان أبو مدين متحفظًا في تدريسه لطلابه إذ كان يمنعهم من أن يكتبوا ما يلقنهم عن الكتاب.

ضريح أبي مدين الغوث في مدينة تلمسان

ولمّا ذاع صيته في بلاد المغرب، واتسعت شهرته في الآفاق؛ وشى به بعض علماء الظاهر إلى ملك الموحدين يعقوب المنصور، فتوجّس المنصور خيفة من شعبيته الفائقة وشهرته، فكتب إلى والي بجاية يأمره بأن يرسل الشيخ أبا مدين إليه. فشقّ طلب الملك المنصور على أهالي بجاية، وعزّ عليهم فراق شيخهم، وخافوا عليه وأبوا أن يغادرهم، طمأنهم أبو مدين بأن إجابة ولي الأمر هي من طاعة الله، وأنه شعر بدنوّ أجله الذي قد يتوفاه قبل الوصول إلى قصر الملك في مراكش، كما أنه سيدفن عند قوم آخرين برفقٍ وإحسان.

توقّع أبي مدين كان في محله، فسرعان ما توفاه الله وهو في طريقه إلى الملك المنصور بسبب مرضٍ ألمّ به، فما إن شارف تلة العبَّاد بتلمسان حتى قال: «هذه تربة العبَّاد ما أحلى بها الرقاد» ليتوفى أبو مدين سنة 594هـ، ويُدفن في تلمسان، ويبقى ضريحه إلى اليوم يعرف توافدًا للمغاربة، كما اختار أحفاده الإقامة في مصر لاحقًا.

التاريخ المنسي.. كيف أدى دخول الإسلام إلى تغيير شعوب غرب إفريقيا؟

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!