ما طار طيرٌ وارتفع * إلا كما طارَ وقَعْ *من شعر الإمام الشافعي

المكان: المدائن بوسط العراق، الزمان: عام 137هـ. .انتظر أبو جعفر المنصور العباسي هذه اللحظة منذ سنوات، وقد كاد يظن أنها لن تأتي. إذ ليس من السهل أبدًا – مهما كنت داهية -، أن تتغلب على من اجتمع في قلبه همّة الإسكندر الأكبر، وبطش الأكاسرة، وإقدام خالد، وسفك الحجّاج! خصوصًا وهو صديقك اللدود، وسيفك الأقوى  ضد خصومك!

ولكن لكلٍّ مُبتدى نهاية، وهاهي المصيدة قد أحكمت حلقاتها حول الفريسة، والتي اعتورتْها سيوفُ حرس الخليفة حتى حوّلْتها كومةً من الدم واللحم والعظم. كان لسان حال أبي جعفر: «ها أنا قد أذقتُك يا غلام أبي موسى السراج، من نفس الكأس التي أذقْتها لعشرات الآلاف باسم دعوتنا! والآن فقط.. قامت دولة العباسيين خالصة مُخلّصة.. والآن فقط أصبحتُ خليفَتها».

لم يبقَ الآن من هذه الملحمة التاريخية سوى تنظيف  قصر الخليفة من الجثة وآثار دمائها. وهكذا انطوت صفحة  أبي مسلم الخراساني الملقب بـ«صاحب دولة العباس».. وقتيلها الأشهر كذلك.. والآن نعود سنواتٍ إلى الوراء لنتعرف إلى أصل الحكاية.

من «ضيق» القصور إلى «سعة» العبادة.. ملوك هجروا الكرسيّ من أجل سجادة صلاة!

الأمويون على مقصلة التاريخ

كانت «الثورة الإصلاحية» التي حاول بها عمر بن عبد العزيز الأموي 99 هـ – 101 هـ إرساء العدالة، وتوحيد الأمة التي مزّقتها الأحقاد التي زرعتها مظالم الأمويين، وبطش وُلاتِهم بالخصوم، خاصة من آل بيت الرسول، والذين فقدوا صفوة رجالهم في كربلاء وغيرها، وعلا سب رموزهم على المنابر، على  مدار 60 عامًا، كانت هي آخر محاولة جريئة وحقيقية لإعادة الأمور إلى نصابها.

كان البيت الأموي بالمرصاد للرجل، فلم تكد تمر سنتان من حكمه، حتى دسّوا له السم – على أرجح الروايات التاريخية -، ليعتلي العرش بعده يزيد بن عبد الملك، الذي أعاد الأمور كثيرًا إلى ما قبل المرحلة العمرية. لم يقتل سم الأمويين عمرَ وحدَه، بل قتلوا أنفسهم به وما كانوا يعلمون.

استمرت حكومتهم على نفس السياسة القديمة التي أثارت كثيرًا من المظالم، فبدأت المزيد من الجذوات تحتشد تحت الرماد. ورغم التماسك النسبي الذي كفله حكم هشام بن عبد الملك 105هـ  – 125هـ، والذي أعاد سيرة الأمويين الأقوياء كمعاوية، وكأبيه عبد الملك بن مروان، إلا أن سياسة البطش بالخصوم، التي حافظ عليها، قد أضافت المزيد من الإحن والمرارات ضد الأمويين، خاصة لدى آل البيت ومناصريهم، والذين أذاقهم هشام كربلاء جديدة، عندما قتلت جيوشُه الثائَر زيد بن علي بن الحسين، الذي خرج ينشد ثأر أهله.

بدأ العد التنازلي للمصير المحتوم مع تولي الوليد بن يزيد بعد عمه هشام. كان الوليد سيء السيرة، منصرفًا للهو والعبث. كما أخذ يبطش بأبناء عمومته الذين أظهروا عدم الرضا من حكمه، مما سبب ثورتهم ضده بقيادة ابن عمه يزيد بن الوليد، حتى قتلوه عام 126هـ ولم يكمل عامَه الأول.

حاول يزيد إعادة سيرة العادل عمر، إلا أنَّه مرض وتوفي بعد أقل من عام. تكررت الحرب الداخلية بين الأمويين على العرش مجددًا، وانتهت بانتصار مروان بن محمد عام 127هـ، والذي وإن كان أميرًا قويًا، فإنه أتى بعد أن اتسع الخرق على الراتق،  فقد أضعفت النزاعات شوكة الأمويين، وضرب الفساد مفاصل الدولة، والأخطر أن نذر الثورة العارمة بدأت تلوح في الأفق، من جهة الشرق، حيث تكدست مظالم الحكم الأموي، فانفجرت ينابيع الحقد الشديد عليهم.

خراسان.. والخراساني

أرى بينَ الرماد وميضَ نارٍ * ويوشِكُ أن يكون لها ضِرامُ

فإن لم يُطفِها عقلاءُ قومي * يصيرُ وقودُها جثثٌ وهامُ

هذه الأبيات السابقة كانت لنصر بن سيَّار (والي خراسان للأمويين)، في رسالة شهيرة للخليفة مروان بن محمد ينذره بتفاقم دعوة أبي مسلم الخراساني. كان إقليم خراسان – يقع في إيران وأفغانستان حاليًا – حيث تعيش غالبية من الفرس، يتلظَّى بالحقد على الأمويين، فقد ذاق أهله الأمرّيْن من الانحياز الأموي للقبائل العربية، وإيثارهم بالنفوذ والمال، بالتواطؤ مع الدهاقنة الفرس (كبار الإقطاعيين أصحاب الأرض). فكانت غالبية الناس، خصوصًا صغار المزارعين تعيش في فقرٍ مدقع، بينما يتنعَّم السادة العرب والفرس بمعظم خيرات شقائهم.

كذلك كان همّ الولاة جباية أكبر قدر من الأموال من الناس، لكي يتمكنوا من إرضاء «ولاة الأمر» في دمشق بإرسال حصيلة كبيرة من الخراج تحتاجها الدولة لتوسعاتها العسكرية والعمرانية، ولرفاهية أمرائها، ولكي يتبقى لهم بعدها القدر الكافي لمراكمة ثرواتهم الشخصية. بلغ بهم الحرص على هذه الجباية إلى حد عدم إسقاط الجزية عن الآلاف الذين أسلموا من الفرس! حاول عمر بن عبد العزيز إبطال هذا بشعاره الشهير «إنما بُعِثَ محمد داعيًا وليس جابيًا»، لكن الأمور عادت بعد وفاته أشد من السابق بعد عهده.

مقطع تمثيلي لأبي مسلم الخراساني – صقر قريش

في هذا المناخ المشحون بالمظالم، وبالتمييز ضد العنصر الفارسي، نشأ الشاب الفارسي الطموح، المعتد بنفسه وبأصله، (عبد الرحمن بن مسلم) الذي حُفِرَ اسمُه بعد ذلك في التاريخ باسم أبي مسلم الخراساني.. تختلف الروايات في نسبه، وفي تفاصيل طفولته، لكن الأرجح أنه ولد عام 100هـ، وكانت طفولته فريسة للفقر وشظف العيش، إلا أنها لم تفُت في طموحه، وشغفه بالاطلاع، فقرأ الكثير، خاصة في كتب الأخبار والتواريخ. وكانت تستهويه بشغفٍ خاص قصص الأكاسرة الفرس العظام، وأحداث قيام الدول، وسقوطها، والملاحم الحربية … إلخ.

انتهت الحال بهذا الفتى المثقف عاملًا في ورشة أبي موسى السرّاج. لكن لم يكن أبي موسى مجرد صانع لأسرجة الأحصنة، إنما كان ترسًا صغيرًا في ماكينة ضخمة، تدور في صمتٍ شديد، سيستمر 30 عامًا، قبل أن تدوِّي في صفحة الواقع والتاريخ. هذه الماكينة كانت دعوة الرضا من آل البيت (الدعوة العباسية). والتي قررت أن تتخذ من إقليم خراسان البعيد عن دمشق، والذي يموج بالحقد على الأمويين، مهدًا للثورة والانتقام.

أئمة الدعوة العباسية

أدت الفواجع المتتالية التي أصابت آل بيت الرسول في الصدامات المفتوحة مع الأمويين، إلى استبدالِ بعضهم المواجهةَ المرة، بالنزوعِ إلى التقيَّة والكتمان، واعتبارها فرضًا دينيًا على أتباعهم الذين بدؤوا يحشدونهم في صمتٍ لدعوتهم إلى «الرضا من آل البيت»، والتي تدعو إلى أن يحكم المسلمين إمامٌ يُرتضى من آل بيت الرسول، الذين يتشرفون بالقرب منه دمًا وعلمًا، فيقيم الدين والعدل، ويقمع أئمة الجور.

كانت الدعوة تتمُّ باسم إمامٍ مستور، لا يُصرّح باسمه إلا لأقرب الدوائر فقط، حتى لا تنكشف هويته إلى الوشاة، في أواخر القرن الأول الهجري، كان ذلك الإمام هو أبو هاشم  بن محمد بن علي بن أبي طالب (أبوه هو المشهور بمحمد بن الحنفية). مرض الرجل مرضًا شديدًا عام 98هـ، ولم يكن له عقِب، فخاف من اندثار الدعوة بموته، فأوصى من بعده بابن عمه محمد بن علي بن عبد الله بن العباس (العباس هو عم الرسول). وبذلك خرجت دعوة الهاشميين من نسل علي بن أبي طالب، إلى نسل العباس.

استمرت الدعوة والبيعة بشكلٍ فرديّ من رجل لآخر، وتفهّمَ أكثر الأتباع حجب هوية الإمام، لما يرون من بطش الولاة بالمعارضين. كذلك بلغ بالقائمين على الدعوة الحرص والحذر، رفضهم الانضمام لأية ثورة ضد الأمويين حتى ثورات الهاشميين كزيد بن علي بن الحسين، وذلك لعدم استنزاف قواهم قبل المعركة المنتظرة.

ومن عجائب تدبيرهم، أن الإمام محمد بن علي العباسي كان يقيم في قرية «الحميمة» بالشام معقل الأمويين، ومنها يبعث الرسل في سريّةٍ تامة إلى دعاته في الشرق خاصة خراسان، والكوفة بالعراق. بل كان يزور هو وأولاده أحيانًا الخليفة الأموي في دمشق، ويتقبّلون عطاياه لهم لكونهم من قريش. ولما تولى ابنه إبراهيم الإمامة بعد وفاته، ظلَّ مقيمًا في نفس القرية، حتى عام 131هـ ، عندما تم كشف أمره، وقتله مروان بن محمد الأموي، بينما كانت دعوته قد ظهرت في خراسان، واستولت عليها.

الجوهرة تتلألأ

لم يُرَ ضاحكًا، ولا مازحًا إلا في وقته.. تأتيه الفتوحات العظام ، فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الفادحة الشديدة، فلا يُرى مكتئبًا. *شمس الدين بن خلكان متحدثًا عن أبي مسلم الخراساني.

لا شيء يفجّر براكين الطموح المشوب بالحقد كأن يوضع من هو في مثل الشاب عبد الرحمن بن مسلم في مقامٍ أقلّ كثيرًا من إمكاناته وطموحاته. لم يطُل انتظاره طويلًا، فبينما كان يخدم سيده أبي موسى في اجتماعٍ سريّ مع كبار الدعاة العباسيين، ترامى إلى سمعه حديثهم عن الدعوة والثورة ضد الأمويين، فأجهش بالبكاء!، فسمعوه، وكان فيهم سليمان بن كثير كبير الدعاة.

تأثر القوم بما أحسُّوه من صدق الشاب الباكي، فدعوه للانضمام وللبيعة. ولما أشاد سيدَه بذكائه وفطنته وأمانته، رشَّحَه القوم لأهم مهمة في حياته، وهي أن يكون خادم الإمام إبراهيم بن محمد بن علي. لم يمر وقتُ طويل، حتى أصبح الشاب موضع ثقة «الإمام»، والذي غير اسمه إلى أبي مسلم، ومنحه لقب «الخراساني». بدأ الإمام يكلفه بالمراسلات الخطيرة، بينه وبين الدعاة في خراسان، واعتبره – بطموحه وإخلاصه واطلاعه وعلمه – جوهرةً مكنونة شاءت الأقدار أن تلتمع بين يديه.

ثم صدم الإمام كبار الدعاة عندما أوكل إلى خادمه أبي مسلم العودة إلى خراسان لقيادة الدعوة، رغم معارضة شديدة خصوصًا من أخي الإمام عبد الله بن محمد – والذي سيعرفه التاريخ فيما بعد بلقب الخليفة أبي جعفر المنصور -، أن يتصدّر غلام فارسي على كبار الدعاة ومنهم القرشيون وأواسط العرب.

بالفعل امتعض بعض كبار الدعاة، خاصة سليمان بن كثير، من ترؤس هذا الشاب لهم، لكن سانده بعضهم خصوصًا أبو سلمة الخلال، وكان فارسيًا، فأصبح أقرب الناس إلى أبي مسلم، والذي بجهوده، وقوة شكيمته، والكاريزما الطاغية التي كان يمتلكها، حظيت الدعوة بانتشارات وإنجازات تنظيمية لم تحققها في 30 عامًا سبقت وصوله إلى قيادتها.

عام 129هـ، أرسل الإمام إبراهيم لأبي مسلم يأمره بإظهار الدعوة مع الاستمرار في ستر هوية الإمام، وتحرير خراسان من حكم الأمويين. استغل أبو مسلم انشغال الوالي (نصر بن سيار) في بعض الحروب والنزاعات الداخلية التي أنهكت جيوش الأمويين، وبدأ يستولي على منطقة تلو أخرى، حتى انحسرت سيطرة الأمويين إلى مرو عاصمة الإقليم.

لم يلبث نصر بن سيار أن فرَّ تاركًا مرو، فاكتلمت سيطرة العباسيين عليها، وبذلك خرج أول إقليم كبير من حكم دمشق، وجاء الدور على العراق، المعقل الدائم للحقد ضد الأمويين. اتخذت الدعوة العباسية من السواد شعارًا لها حتى لقبوا بالمُسوِّدة، وهذا الاختيار لسببيْن. الأول هو التلاعب على وتر العاطفة الدينية، انطلاقًا من بعض الآثار المنقولة عن الرسول بخصوص «راياتٍ سود ستنحدر من الشرق في آخر الزمان». أما الثاني، فلأن البياض كان شعار الأمويين.

رحى أبي مسلم تطحن الجميع

اجعل سوطَكَ السيف، وسجنكَ القبر. نصيحة أحد مساعدي أبي مسلم الخراساني له عندما استشاره في عقاب بعض الأسرى

في حملة يمكن تسميتها بـ«الرعب الأسود» – قياسًا على اسم حملة الرعب الأحمر الشهيرة التي شنّها البلاشفة بعد الثورة الروسية – وباسم الحفاظ على «الثورة»، وتطهير الصفّ من عملاء الأمويين، نصب أبو مسلم المشانق للآلاف من مؤيدي الأمويين، أو من شكَّ في كونهم مؤيدين للأمويين، أو حتى من داخل صف الدعوة الذين يُظن أنهم غير مخلصين لها. كذلك أنشأ ما يمكن اعتباره «جهازًا لأمن الدعوة»، يبث عيونه في كل مكان، ويأتيه بالمعلومات عن كل صغيرة وكبيرة في أرجاء خراسان وجوارها.

أخذت الأخبار تتوالى على «الحميمة» بالانتصارات المدوية في خراسان، فيفتخر الإمام بفراسته في خادمه العبقري، بينما يزداد حقد الخصوم خاصة أبي جعفر، الذي تتواصل محاولاته دون جدوى للإيقاع بين الإمام وأبي مسلم، من منطلَقيْن،  تضخُّم ذات أبي مسلم مع كل إنجاز، مما قد يغذي أطماعه الشخصية، وكذلك مبالغته في سفك الدماء باسم الدعوة، والتي طالتْ حتى بعض الدعاة العباسيين الكبار كلاهز بن قريظ، والذي قتله أبو مسلم بتهمة خيانة الدعوة، لإنه نصح نصر بن سيار بشكلٍ خفيّ أثناء المفاوضات قبل الاستيلاء على مرو، بعدم التسليم لأبي مسلم لأنه ينوي قتله، عندما عرّض له بآية سورة القصص «إن الملأ يأتمرونَ بك ليقتلوكَ، فاخرجْ إني لكَ من الناصحين».

مقطع تمثيلي لأبي مسلم الخراساني يقتل لاهز بن قريظ – من مسلسل صقر قريش

كذلك حدثت واقعة بارزة، أسهمت بشكل كبير في تأجيج ما بين أبي جعفر وأبي مسلم. إذ أعدمَ أبو مسلم الخراساني، سليمانَ بن كثير الداعية الكبير، بتهمة خيانة الدعوة بمحاولة الاتصال ببعض أحفاد علي بن أبي طالب ليصرف الدعوة لهم بدلًا من الإمام العباسي. استشاط أبو جعفر غضبًا لأنه كان في ذلك الحين في خراسان مبعوثًا من الإمام لتفقد الأمور، ولم يستشِرْهُ أبو مسلم قبل تنفيذ هذا الحكم الخطير. لكن ظلّ الإمام إبراهيم على ثقته التي لا تتزعزع في «غلامه» العبقري.

توالتِ الانتصارات، واستولت الجيوش العباسية التي أرسلها أبو مسلم بقيادة قحطبة بن شبيب على إقليم همذان، ومدينة نهاوند، وغيرهما من أراضي إيران الحالية، ثم دخلت العراق، وانتصرت على الجيوش الأموية غير مرة، حتى دخل الحسن بن قحطبة ظافرًا إلى الكوفة بعد مقتل أبيه في بعض المعارك. وتولى أبو سلمة الخلال (صديق أبي مسلم الحميم) ولاية العراق للعباسيين.

في تلك الأثناء كان الإمام إبراهيم قد قُتل في سجن الأمويين بعد انكشاف أمره كما ذكرنا، وكان قد أوصى بأن يخلفه أخوه عبد الله أبو العباس (والذي لقِّب بالسفاح فيما بعد). فرَّ أبو العباس ومن بقي من العباسيين بالشام قبل أن يعتقلهم الأمويون، ودخلوا الكوفة بالعراق سرًّا. لم يقتنع أبو سلمة الخلال برواية الوصية من الإمام إبراهيم لأبي العباس، وحاول التواصل مع بعض العلويين لينقل لهم الدعوة والبيعة، لكن فشل مخططه، وخرج أبو العباس وأعلن عن نفسه بوصفه إمامًا للدعوة والدولة التي بدأت تتشكل. وجزاءً لأبي سلمة على ما فعل، أوكِلت إلى صديقه أبي مسلم مهمة التخلص من صاحبه «الخائن»، فدبّر قتله غيلة، وقد أفلح التدبير.

«نحو جزاء سنمار»

أما بعد.. فإني اتخذتُ رجلًا إمامًا ودليلًا على ما افترض الله على خلقه، وكان في محلّة العلم نازلًا، وفي قرابته من رسول الله ﷺ قريبًا، فاستجهلني بالقرآن، فحرَّفه عن مواضعه، وكان كالذي دلّنى بغرور، فأمرني أن أجرد السيف، وأرفع المرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقيل العثرة، ففعلت.. توطيدًا لسلطانكم، حتى عرّفكم الله من كان يجهلكم، وأطاعكم من كان عدوكم، وأظهركم الله بي بعد الإخفاء والحقارة والذل، ثم استنقذني الله بالتوبة. *من مراسلات أبي مسلم الخراساني إلى أبي جعفر المنصور بعد تفاقم الخلاف بينهما، مدافعًا فيها عن إسرافه في البطش بأنه ما كان إلا من أمر الإمام وتدبيره

بقيادة عبد الله بن علي عم الخليفة «السفاح»، استولى العباسيون على الشام بعد أن هزموا جيوش مروان في موقعة الزاب 132هـ، ثم طاردوا مروان هاربًا حتى قتلوه بمصر. تتبع عبد الله فلول الأمويين، وقتل منهم المئات دون شفقة حتى ممن لم يشتركوا في قتال، وأصبح هو وأبو مسلم الخراساني أقوى رجال الدولة، وتضخَّم نفوذهما بشكل كبير، عزَّزه كون الخليفة أبي العباس مريضًا، واعتماده الكامل عليهما.

في عام 136هـ طلب أبو مسلم من الخليفة أن يسمح له بالحج، وكان أبو جعفر هو أمير الموسم. أخذ أبو مسلم يُسرفُ في توزيع العطايا، واكتساب الناس أثناء موسم الحج، حتى غطَّى ذكره على ذكر أخي الخليفة، فغضب أبو جعفر بشدَّة من نديَّة أبي مسلم، ومن تضخُّم ذاته. ولم تكد مواكب الحج تنهي رحلة العودة، حتى جاءت الأخبار بوفاة الخليفة المريض، ووصيته بالبيعة لأخيه أبي جعفر خليفةً من بعده.

غضب الرجلان القويان من تولية أبي جعفر، وكلٌّ بطريقته. أرسل أبو مسلم لأبي جعفر يعزّيه دون السلام عليه بالخلافة أو بيعته. بينما أعلن عمه عبد الله بن علي التمرُّد العسكري عليه، وبدأ يأخذ البيعة لنفسه من جيوشه. دبَّر أبو جعفر قلب المشهد لصالحه، فأخذ يسترضي أبا مسلم، ويعترف بفضله، وأوكل له حرب عمِّه المتمرد، وبذلك يستنزف كلّ منهما بالآخر، وكالعادة انتصر أبو مسلم انتصارًا ساحقًا.

هكذا أصبح طرفا «المباراة النهائية» الفاصلة على الحكم الفعلي للدولة العباسية هما أبو جعفر المنصور، وأبو مسلم الخراساني. يمتلك أبو جعفر الفرصة الأقوى بشرعية بيعته خليفة، وبكون أبي مسلم فارسيًا، والناس آنذاك لا تطيع خليفة غير عربيٍّ قرشيّ.

بدأ أبو جعفر الهجوم بالالتفاف، فحاول إقناع أبي مسلم بولاية الشام ومصر بدلًا من خراسان، حيث معقل نفوذه الأهم. لكن فطن أبو مسلم لغرضه ورفض، وعزم على العودة إلى خراسان ليتحصن بها ويدبر الأمور، خاصة وأن عداوة أبي جعفر له  لم تعد خافية على أحد.

رأى أبو جعفر أن أبا مسلم إن وصل خراسان، سيبدأ الثورة ضده، ويأتيه في العراق بكامل جنده الخراسانية لينتزع منه مكانه، فأعمل حيلته ودهاءه لمنعه من هذا. أرسل أبو جعفر لأبي مسلم يستدعيه للقائه، فرفض أبو مسلم، فأخذ أبو جعفر يرسل له واحدًا تلو الآخر من الدعاة العباسيين الذين كان لهم دالَّة على أبي مسلم ليقنعوه بمقابلته.

المشهد الأخير

أبو مسلم : استبقني يا أمير المؤمنين لأعدائك..

أبو جعفر: وأيُّ عدوٍ لي أعدى منك؟!

جزء من حوار اللحظات الأخيرة بين أبي مسلم الخراساني وأبي جعفر المنصور

جاءت الضربة الأقوى لأبي مسلم، عندما بعث له من استخلفه على خراسان ليحذره من مغبَّة عصيان الخليفة صاحب الدعوة، وينذره بأنه سيمنعه من دخول خراسان، ما لم يقابل الخليفة أبي جعفر المنصور أولًا – كان المنصور قد استقطب هذا الوالي، ووعده بولاية خراسان مكان أبي مسلم! -. وهكذا حُشر أبو مسلم في الزاوية، وأوشكت رحى الثورة العباسية أن تطحن أكبر طحَّانيها.

https://www.youtube.com/watch?v=dioqwQ8fJrU

مقطع تمثيلي لمقتل أبي مسلم الخراساني من مسلسل صقر قريش

ذهب أبو مسلم لمقابلة أبي جعفر بالمدائن، فلم يسمح له حرس الخليفة إلا بالدخول وحيدًا على أبي جعفر، دون حرسه، ودون حتى سيفه. أخذ أبو جعفر يقرِّع أبا مسلم، ويذكره بفضل الدعوة العباسية عليه في نقله من خادم إلى صاحب دولة، وأخذ أبو مسلم يذكر أبا جعفر بإنجازاته الفريدة في خدمة الدعوة، تصاعد الجدال بين الرجلين، وفي لحظة معينة صفَّق أبو جعفر كما اتفق مع بعض خواص حرسه، فهجم الحرس على أبي مسلم وقتلوه. وبهذا طويت صفحة أبي مسلم الخراساني الذي أزال دولة، وأقام أخرى، لتزيل اسمه من صفحة الدنيا، لكن بعد أن حُفر في صفحة التاريخ.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد