في الأيام الأخيرة، وبعد تصعيد العدوان الإسرائيلي قصفه على قطاع غزة، تحول الناطق باسم كتائب عز الدين القسام «أبو عبيدة» إلى ظاهرة شعبية على المستوى العربي، مع حضورٍ عالميٍّ، وباتت تهزج له الأغاني، وأصبح موضوع نقاش وحديث في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى على مستوى الجلسات العائلية أثناء مناقشتها للقضية الفلسطينية وتطورات المواجهات الأخيرة.

ولكن من هو «الملثم أبو الكوفية»؟ الذي ضبط الإسرائيليون ساعتهم على تصريحاته، والتي يختمها دائمًا بـ«وإنه لجهاد نصر أو استشهاد»، وهي العبارة نفسها التي قالها الشهيد عز الدين القسام، حين حاصرته قوات الاستعمار البريطاني وطلبوا منه الاستسلام في أحراش يعبد، شمال الضفة الغربية.

عشرون عامًا في الخفاء

لا يكشف البحث على الإنترنت عن تاريخ محدد لتعيين أبي عبيدة ناطقًا رسميًّا باسم كتائب القسام، وهي الجناح العسكري لـ«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)»، ولكنَّ الأخبار والبيانات المتداولة له بدأت بالظهور منذ عام 2000.

وأبو عبيدة هو لقب المتحدث الرسمي الإعلامي الملثَّم، الذي بات محط تداولٍ واهتمامٍ ربما أكثر من قادة حركة حماس أنفسهم في هذه الأيام، وهو يُعد من أوائل المطلوبين في قوائم الاغتيال لدى إسرائيل رغم كونه متحدثًا فقط، خاصةً بعد أن بات ظهوره الإعلامي مربكًا للداخل الإسرائيليِّ، فهو الوجه الرئيس للحرب النفسية والإعلامية التي تخوضها فصائل المقاومة ضدَّ إسرائيل.

ويأتي لقبه، أبو عبيدة، تيمنًا بالصحابي فاتح القدس أبي عبيدة بن الجراح. ولا يُعرف عنه شيء من تفاصيله الشخصية، حتى اسمه وصورته، فهو يظهر بلثامٍ يسمى شعبيًّا بالكوفية، ولم يكشف عن وجهه قط منذ أقدم ظهورٍ إعلامي له، ولا على وسائل التلفزة في عام 2008، والذي يعده شخصيًّا احتياطًا أمنيًّا.

مقابلةٌ تلفزيونية مع أبي عبيدة عام 2008

وفي حديث مع فلسطينيين، قالوا لـ«ساسة بوست»: لا نعرف عن شخصه إلا اسمه الحركي، ويبدو أن إسرائيل لا تعرف عنه صورةً ولا اسمًا، ويسمعه الفلسطينيون ويرون تصريحاته النارية دون كشفه عن وجهه، وقد يمرُّ بجانبك يومًا ما في قطاع غزة في زحمة المارة ولا تعرفه، حتى إن سجلات الاحتلال الإسرائيلي لا تملك له صورة ولا اسمًا.

وتتناقل مواقع إعلامية تفاصيل غير مؤكَّدة عن أبي عبيدة، مثل أنَّه ينحدر من بلدة نعليا في غزة، التي احتلت عام 1948، وأن أسرته هجِّرت بعد النكبة لتستقرَّ في جباليا، شمال شرقي غزة، وقُصف منزله من قبل طائرات الاحتلال الإسرائيلي أكثر مرة في عامي 2008 و2012.

وفي 2014، بثَّت الدعاية الإسرائيلية صورةً لشخص قالت إنه أبو عبيدة، واسمه «حذيفة سمير عبد الله الكحلوت»، وتبيَّن لاحقًا أن هذه الصورة مفبركة.

وجه الحرب النفسية ضدَّ الاحتلال

يؤكد الخبير في الجماعات الإسلامية، الدكتور حسن أبو هنية، في حديث لـ«ساسة بوست»، إن خطابات أبي عبيدة سابقًا وفي الوقت الحالي حظيت بمتابعة شديدة على المستوى السياسي والعسكري والشعبي، ولا سيما بعد أن اكتسب مصداقية في تلافيه الأخطاء خلال تصريحاته، فخطابه ما زال ينفذ حرفيًّا من قبل كتائب القسام، وهو ما يعدُّه المتابعون للشأن الفلسطيني تطورًا مهمًّا في الخطاب العسكري الذي أكسب حماس مصداقية عالية، فضلًا عن أنه أصبح يمثل رمزًا للخطاب الإعلامي للمقاومة الفلسطينية عمومًا وكتائب القسام بشكل خاص.

وحسب أبو هنية، تنتفعُ دائمًا الحركات الاجتماعية، وخصوصًا حركات المقاومة المسلحة، من مدى مصداقية خطابها، لذا يحاول أبو عبيدة دائمًا الإدلاء بخطابات مدروسة وأسلوبها جديدٌ على المستمع العربي والفلسطيني، الذي اعتادَ سماع خطب الأنظمة العربية الرسمية وبيانات الشجب والاستنكار، التي لا تستسيغها أذن الشارع العربي.

وشخصية أبي عبيدة لا تتكلم كثيرًا، ولذا ينتظرُ الناس خطاباته المسجَّلة لا الخطابات الخشبية المكررة منذ عقود، ويتحدث أبو عبيدة بشكل واضح ومفهوم، وبالتالي عندما يقول سنضرب، فحماس تترجم الخطاب على الأرض مباشرةً، وهذا في نظر الباحث أبو هنية، وجَّه له مسامع الشعوب وجعله رمزًا للمقاومة في الوقت الحاضر.

وبمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي، وبمتابعة النقاشات بين الناس في الدول المجاورة لفلسطين مثل الأردن، يسهل رصد انجذاب جماهيري لأبي عبيدة، وأصبحت منصات التواصل ينتشر فيها التندر بأن: الإسرائيليين يضبطون ساعاتهم على توقيت حديث أبي عبيدة.

كلمةٌ لأبي عبيدة بتاريخ 12 مايو (أيار) 2021

هذا النوع من الخطاب مع التنفيذ المباشر لما يُذكر في كلام أبي عبيدة، رسمَ له صورة «بطلٍ مغوار» لم يعد يسمع عنه إلا في القصص أو في أفلام القتال والمناقب والمطاردات المليئة بالإثارة.

ويُظهر محرك «جوجل» على الإنترنت تكرارًا كبيرًا للبحث على اسم «أبو عبيدة» و«أبو عبيدة القسام» و«الملثم»،  وكلها ألقاب المتحدث باسم كتائب القسام، وحتى على مستوى الصحافيين حظي أبو عبيدة أيضًا بإعجاب وتمجيد؛ إذ غردت الصحافية ديمة الخطيب، قائلة: «أبو عبيدة مجننهم، موترهم، كلهم على الملاجئ! حظر تَجْوال، ورفع حظر تَجْوال ساعتين، حرب نفسية حقيقية، من كان يتخيل هذا؟ لا يصدق، دولة الاحتلال، صاحبة أحد أقوى جيوش العالم وأكثرها تقدمًا وتعقيدًا وصاحبة منظومة أمنية معروفة عالميًّا بتقدمها، فلسطينيون محاصرون جننوهم».

أبو عبيدة لسان «الضيف»

ولكن السؤال هل أبو عبيدة ظاهرة فريدة من نوعها وجدت في حماس؟ يوضح حسن أبو هنية لـ«ساسة بوست» قائلًا إن أبا عبيدة أخذ السمعة الكبيرة بحكم قربه من قائد كتائب القسام، محمد دياب إبراهيم المصري (أبو خالد)، المعروف بمحمد الضيف، الذي طالب الاحتلال بعدم ذكر اسمه في مظاهرات القدس.

مقطع من تسجيل صوتي لمحمد الضيف قائد كتائب القسام

فحسب أبو هنية، فإن تطور القسام عسكريًّا وخطابيًّا يعود فضله للضيف، فأبو عبيدة ينقل عن لسان الضيف، وخصوصًا بعد تمرسه لسنوات وتدريبه على الخطاب الواضح والصريح، والبعد عن الشأن الدعائي والمبالغة، وقيادته لتطوُّر إعلامي على مستوى الجماعات الإسلامية.

«قصفكم أسهل علينا من شربة الماء»، عبارة أبي عبيدة الأكثر تداولًا، والتي احتلت المركز الأول في «الترند» الأكثر تداولًا في كل من الكويت وقطر ولبنان والأردن والعراق، واحتلَّ مراتب متقدمة في مصر والمملكة العربية السعُودية وسلطنة عمان وتونس، إضافة للمغرب والجزائر.

يرى الشارع العربي هذه التصريحات على أنها رسالة إعادة كرامة لكل العرب، ولكن وفقًا لأبو هنية، هي رسالة من الضيف إلى الاحتلال الإسرائيلي خصوصًا، وإلى الدول العربية التي حاربت وطالبت بضرب حماس، بأن هناك تطورًا متسارعًا لدى الكتائب أنتج احترمًا للحركة على المستوى الداخلي والخارجي.

ووفقًا لتحليل أبو هنية، الخبير بالجماعات الإسلامية، وبحكم متابعته لحركة حماس وقادة الكتائب على وجه الخصوص، فإن خطابات أبي عبيدة هي كلمات ورسائل يكتبها القائد محمد الضيف، ولكن الوجه الإعلامي للجناح العسكري هو من يتصدر المشهد للإدلاء بها.

خلال عشرة أيام.. ماذا أوصل أبو عبيدة من رسائل؟

منذ بَدْء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 12 مايو (أيار) 2021، ظهر أبو عبيدة في أربع خطابات متلفزة، توعد فيها إسرائيل بالقصف، وتارة بفرض حظرٍ على سكان تل أبيب، وحملت رسائله إشارة إلى أن حماس تغيَّرت كثيرًا منذ آخر حرب مباشرة لها مع الاحتلال الإسرائيلي في 2014.

فبعد الخطاب الأول لأبي عبيدة، تبين أن حماس تركز على قضية القدس، وتحاول إفشال جميع المحاولات التي تصب في فصلها عن باقي جغرافيا فلسطين، وأرسلَ الخطاب رسالةً مفادها أن مقاومة حماس لا تنحصر في صد العدوان عن غزة معقل سيطرتها، وإنما سلاحها للدفاع عن جميع فلسطين والفلسطينيين.

وحصدت حماس ثمار هذه الرسالة بزيادة الحشد والمواجهات في مناطق الضفة الغربية والقدس وفي داخل إسرائيل، إذ باشر الفلسطينيون في كافة هذه المناطق بتنفيذ احتجاجات وأحيانًا إلى حمل السلاح، كما يحصل الآن مع كتائب شهداء الأقصى بمدينة رام الله.

وخصصت خطابات الناطق باسم الكتائب رسالةً إلى الداخل الإسرائيلي، مفادها عجز الجيش والحكومة الحالية عن خلق أمانٍ مستقر دائم لمواطنيها، بالرغم من حملات التطبيع مع الدول العربية التي حملت رسالة السلام.

وأيضًا استغل أبو عبيدة خطاباته في استعراض الحجم الجديد للقوة التي طورتها وتمتلكها المقاومة، وخاصةً كتائب القسام، ووجَّه تهديدًا بأن الجولات القتالية لن تنتهي، ولا يزال بجعبة الفصائل الفلسطينية المزيد من العتاد العسكري الذي شهد تطورًا نوعيًّا خلال الحِقْبَة السابقة، وترجم مؤخرًا بصاروخ عياش الثقيل، والطائرات المسيرة.

وحاول أبو عبيدة خلال خطاباته أن يرسل إشارة ضمنية، أن هنالك وحدةً واتفاقًا بين فصائل المقاومة المسلحة المختلفة، وإثبات أنَّ الشعب في الضفة الغربية لا يزال يؤمن بالمقاومة ويمكنه تلبية صوتها عند الحاجة، وبعث رسالة للمجتمع المحلي والدولي أن خِيار المقاومة لا عدول عنه.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
شخصيات وتيارات ومراحل تاريخية فاصلة.. وثائقيات تشرح لك ما تحتاج معرفته عن القضية الفلسطينية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد