يبدو أن سلسلة الحوادث بالمسجد الحرام لم تنتهِ بعد؛ فمنذ سنوات لم تسجل حادثة خطيرة تمس حياة الحجاج الميامين. جاءت يوم أمس واقعةُ سقوطِ رافعةِ بناءٍ على رؤوس المصلين، لتذكرنا بأن هناك المزيد الذي ينبغي فعله لتأمين ضيوف الرحمن، ولا سيما بعد الحصيلة الثقيلة من الضحايا والمصابين.

1- ما الذي حدث بالضبط؟

في يوم أمس الجمعة 11 سبتمبر 2015، في الساعة الخامسة وثلاث وعشرين دقيقة، سقطت إحدى الرافعات داخل الحرم المكي، وخلفت مقتل 107 شخص من المصلين وإصابة ما لا يقل عن 238 جريحًا، حسب هيئة الدفاع المدني في السعودية.

 

https://www.youtube.com/watch?v=ikQTTzwyUtc

ووفق بيان المتحدث باسم رئاسة شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي فإن الرافعة الضخمة سقطت بفعل الأمطار الغزيرة والعواصف الشديدة والرياح القوية التي وصلت سرعتها 83 كم في الساعة، وتسببت في تداعي إحدى الرافعات المنصوبة على جزء من المسعى بالمسجد الحرام والطواف، وكانت منطقة شبه الجزيرة العربية قد شهدت في الأيام الأخيرة رياحًا رملية هوجاء، وصلت سوريا ولبنان وخلفت ضحايا هناك.

تتعدد جنسيات ضحايا هذه الحادثة من حجاج بيت الله الحرام، حيث لا تزال الأعداد غير واضحة، إلا أنه من المؤكد إصابة 17 تركيًّا كما ذكر نائب رئيس الشؤون الدينية التركية، أكرم كيليش، و9 مصريين حسب وزارة الصحة بمصر، وينتظر إعلان أرقام ضحايا كل الجنسيات بالتفصيل فيما بعد.

وكانت المملكة العربية السعودية قد شرعت العام الماضي في توسيع الحرم المكي بمساحة 400 ألف متر مربع، بغاية الوصول إلى قدرة استيعابية تفوق مليوني مصلٍّ في وقت واحد.

2- كيف تعاملت السلطات السعودية مع الكارثة؟

كانت حادثة سقوط الرافعة بالحرم المكي فاجعة صدمت الجميع، بالنظر إلى العدد المهول للضحايا من حجاج بيت الله الحرام، مما استدعى تدخلا لوجستيا وبشريًّا كبيرًا لاستيعاب الكارثة.

1

صورة للرافعة التي سقطت داخل الحرم

 

وقد باشرت العملَ على الفور فرقُ الدفاع المدني، بالإضافة إلى فرق البحث والإنقاذ السعودي والهلال الأحمر والشؤون الصحية، بما مجموعه 68 فرقة، حيث تم إخلاء الموقع ونقل المصابين إلى المستشفيات القريبة من الحرم المكي، فيما تم تحويل الوفيات إلى مستشفى المعيصم.

ووصل أمير منطقة مكة المكرمة، الأمير فيصل؛ إلى مكان الحادث واطلع ميدانيًّا على تداعياته، موجها أوامره بتشكيل لجنة تحقيق لمعرفة أسباب الحادث والوقوف عليها.

وقد بدأت السعودية مشاريع توسعة الحرم المكي منذ 2006، حيث عملت على توسيع مساحة الحرم لاستيعاب المزيد من الحجاج، وتحسين نظام المواصلات في مكة سعيًا لتجنب كوارث التدافع المميتة.

كما قامت السعودية بتقليص أعداد الحجاج المسموح بهم العام الماضي، تفاديًا للازدحام الذي قد يعرقل أعمال توسيع المسجد الحرم، غير أن هذا لم يمنع الرافعة أن تسقط بالقرب من مساحة مزدحمة بالمصلين داخل المسجد.

وينتظر الرأي العام الإسلامي من السلطات السعودية التحقيق في حادث الإهمال داخل الحرم الذي أوقع عشرات القتلى والمصابين، واتخاذ إجراءات كفيلة بعدم تكرار الفاجعة، ولا سيما أن المنطقة تعرف اضطرابات مناخية وسياسية منذ مدة.

3- كيف تفاعل العالم الإسلامي مع الحادث؟

شكل الحادث فاجعة للدول الإسلامية، خصوصًا تلك التي لها متضررون في الحادث، ما جعل بعض البلدان تسابق بتقديم رسائل التضامن والتعزية لذوي الضحايا، سواء من قِبَل سلطاتها الرسمية أو هيئاتها الشعبية.

وقد تلقى الملك سلمان بن عبد العزيز اتصالات تعزية في ضحايا حادث سقوط الرافعة داخل المسجد الحرام، من رؤساء وزعماء، من بينهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، والعاهل المغربي محمد السادس.

من جانبه نعى الدكتور نبيل العربي، الأمين العام لجامعة الدول العربية؛ ضحايا الحادث، كما قدم الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف؛ تعازيه إلى الملك سلمان بن عبد العزيز.

2

مثلما عبَّرَ رواد التواصل الاجتماعي عن تأثرهم البالغ بالحادث، مطلقين هاشتاج “سقوط_رافعة_في_الحرم” الذي بدأ يتصدر تويتر في المنطقة العربية بعد حادث تداعي رافعة داخل المسجد الحرام.

4- هل هي الحادثة الأولى من نوعها؟

ليست هي المرة الأولى التي تقع فيها حوادث كارثية داخل المسجد الحرام غير تلك المرتبطة بالسياسة؛ ففي 2006 تسبَّب تدافع الحجاج وهم يسعون لإكمال المناسك في وفاة المئات منهم، وقد نجحت الإجراءات المتخذة بعدها في تجنب تلك الأخطاء، حيث كان التدافع قبل التوسعة يخلف مصابين وضحايا في كل سنة.

وقد لقي أربعة معتمرين مصرعهم إثر سقوطهم من المطاف العلوي نتيجة التدافع في مايو من العام الماضي، وفي يوليو من نفس العام نشب حريق بسقالة خشبية لأحد مشاريع التوسعة بالمسجد الحرام، وخلف الحريق 14 مصابًا، ثم بعدها بشهر اندلع حريق آخر بمشروع للتوسعة داخل الحرم تتكفل به شركة “بن لادن”، أدى إلى إصابة ستة أشخاص.

وفي أبريل من السنة السابقة انهار ذراع رافعة برجية تابعة، تعمل داخل مشروع توسعة الحرم المكي الشريف، ولحسن الحظ حينها لم يخلف الحادث ضحايا سوى إصابة ثلاثة عمال بجروح خفيفة.

أما تاريخيًّا فإن المسجد الحرام تعرض لأكثر من 70 سيلا، كان أشهر هذه الفيضانات عام 1040 هجرية 1630 ميلادية، تسبب السيل في مصرع العشرات وانهيار جزء من جدار الكعبة، قبل أن يقوم السلطان العثماني مراد الرابع بإعادة ترميم المسجد الحرام والكعبة وفرشه من جديد، وكان آخر السيول القوية التي ضربت المسجد الحرام عام 1941م.

لكن بفعل التطور العمراني للحرم المكي والتوسعات المتتالية به، قلت بنسبة كبيرة الحوادث الكارثية رغم تزايد أعداد الحجاج.

5- ما هي تداعيات الحادث المرتقبة؟

بالتأكيد يسجل حادثُ سقوط الرافعة بالحرم المكي، الذي خلف ضحايا بالعشرات؛ ضربةً قوية لإجراءات السلامة المتبعة في هكذا تجمعات بشرية ضخمة، وهو الأمر الذي يدفع بالمملكة العربية السعودية إلى إعادة النظر في خطط السلامة المتبعة لتأمين حجاج بيت الله الحرام، ومتابعة التحقيق في الحادث لمعرفة الأسباب، قصْد تفاديها مستقبلا.

 

https://www.youtube.com/watch?t=17&v=e_jH3Lkzkcw

وقد تضطر السلطات السعودية في هذا السياق إلى تقليص عدد الحجاج في الأعوام القادمة إلى أقل مما هو مسموح به الآن، لتوفير مساحة أوفر لأعمال التوسعة داخل الحرم، وتفادي التجمعات المزدحمة.

وريثما تظهر نتائج التحقيق في حادثة انهيار الرافعة على رؤوس المصلين، نتساءل هل ستعلن السلطات السعودية خططها للسلامة لطمأنة الحجاج الكرام ومنع تكرار الكارثة؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد